أثر الوضعية في الفكر الديني
بقلم: رياض حاوي
أشكر الأستاذ عبد العزيز على هذه المحاولة والتي حدد هدفها عندما قال في الخاتمة: “وما أردت قوله في النهاية للمسلمين إن الله قد جعل لكم عقولا وأفئدة لتتفكروا وتتدبروا فتعلموا وتفقهوا، فلماذا يحوز اليهود والأمريكان على جوائز نوبل في آخر ما توصلت إليه الفيزياء والكيمياء” فكانه يستنفر الطاقات الهائلة الكامنة لدى المسلمين من أجل اكتشاف الكون والسباحة في اغواره واعماق لاكتشاف أسراره ومودعاته. وما من شك ان هذا أمر مشروع ومطلوب.
لكنني لاحظت أن المقالة تندرج في خطاب تقليدي ،متجاوز منهجيا، عندما كان الصراع على أشده ابان هيمنة المدرسة الوضعية على فلسفة العلم، التي جددت دعواها حلقة فيينا والتي أول ما ظهرت في 1929 بإنتاج مشترك لمجموعة من التجربيين، والفلاسفة والرياضيين، بعنوان “نظرة علمية للعالم – حلقة فيينا”، والتي من أهم دعاوى حلقة فيينا مفهوم وحدة العلم (UNITY OF SCIENCE) ومفاده أن هناك طريق واحد للمعرفة العلمية، وهو طريق التجريب، وكل قضية غير قابلة للتجريب ليست مصدر المعرفة العلمية. وكانت حلقة فيينا ترنو إلى تعميم مناهج البحث العلمي في الطبييعيات، والقدرة على ترييض الواقع، إلى كافة أنشطة العقل البشري، باعتبار ان العقل البشري واحد، ومن ثم مسار ادراك اليقين العلمي واحد.
وبفعل هيمنة هذه المدرسة وسطوتها وجدت كل العلوم نفسها أسيرة هذا النموذج للعلم، وخاصة العلوم الإنسانية والاجتماعية، وفرض عليها التحدي الأكبر، فإما ان موضوعاتها تخضع للاختبار التجريبي، وخطوات البحث العلمي كما يطرحها التجربيون، وإما فإنها ليست علما. فاجتهد رواد العلوم المختلفة في تحقيق الشروط التي فرضها نموذج فيينا حتى توصف بالعلم، وكانت الذروة في أواسط القرن الماضي.
وفي نفس المرحلة اجتهد الفكر الديني (المسيحي، والإسلامي) في توفير الشروط التي تفرضها الوضعية والوضعية المنطقية (مدرسة فيينا) – بوعي أو بغير وعي- من اجل التدليل على صدقية المقولات الدينية، وخاصة مع شيوع الموجة الإلحادية، التي استفادت إلى حد ما من نتائج حلقة فيينا باعتبار أن مقولات الدينية لا تخضع للاختبار التجريبي، وليست في نطاق العلم بمفهومه الوضعي. فظهرت العديد من الكتب لدى المسلمين والمسيحيين على السواء التي تبرهن على مقولات الدين من خلال منجزات العلم الطبيعي، للبرهنة على صدق حقائق الكتاب المقدس أو صدق القرآن الكريم. وعندنا من المسلمين الكثير بداية من تفسير جاويش وبعض تفسيرات الشيخ محمد عبده وروح الدين الإسلامي لطبارة وانتهاء بمحاضرات الزنداني الشعبية. وهو نفس ما نجده في الثقافة المسيحية، طبعا بطريقة أكثر جمالية واكثر دعائية نظرا لاختلاف اساليب العرض القائم في الغرب على الماركتينغ-التسويق-.
وأذكر أنني اشتريت كتابا بعنوان ديني وكنت أظن ان كاتبه يبرهن على صحة الإسلام من خلال مكتشفات العلم، فوجدته يبرهن على صحة الكتاب المقدس من خلال مكتشفات العلم. وفي الانترنيت عشرات بل مئات المواقع التي تتناول هذا الشان في المجال المسيحي(1)، بل حتى في البوذية والهندوسية.
وهناك كتاب هنود مشهورين يعمقون القناعات الدينية لدى اتباع الديانات الشرقية القديمة بالانطلاق من نتائج الفيزياء والبيولوجيا وغيرها(2). وما من شك أن هؤلاء الكتاب المتمكنين من لغة العصر، والأكثر اطلاعا على المنجزات العلمية المعاصرة ستكون لهم قدرة أكبر على حشد كم من الاستدلالات وتوظيفها لصالح قناعات دينية ما.
ومقال الأستاذ شوحة يندرج ضمن هذا التقليد العريق في الفكر الديني المعاصر الإسلامي وغير الإسلامي، شعر بذلك أم لم يشعر، وأكبر دليل هو قائمة الكتب التي استند إليها والتي يعود قسم منها إلى حقبة الستينات والسبعينات (وحيد الدين خان، ومصطفى محمود). ثم النتائج والخلاصات التي توصل لها بناء على هذا التداعي دون الوعي بالحدود المنهجية والفروق الدقيقة بين الخطابين.
ولذلك لم أفهم منهجيا تفسير اللوح المحفوظ بأنه مجموعة من التقنيات الكامنة في الكون الصغير (بمعناه الوضعي) أو الكبير (أي خلق الله الأعلى)، هذا الرغبة الجامحة في تحديد المعنى بأدوات العلم الوضعي هي التي تقود إلى خلل منهجي خطير ويتسبب بنتائج كارثية تشبه مقولة ابن سينا التي صدر بها حديثه والتي هي أقرب للخرافة منها إلى التحليل العلمي.
وحيد الدين خان وقياس الأولى
وأريد ان أسجل هنا ملاحظة على وحيد الدين خان الذي وضع منهجا دقيقا ولكن القراء ركزوا على الأمثلة التي وضفها وأهملوا المنهج.
كان وحيد الدين خان، كغيره من انصار الفكرة الدينية، يواجهه السؤال مثل:
كيف تستطيع أن تقنع مؤمن بالوضعية، والوضعية كانت هي ثقافة العصر، بصدقية المقولات الدينية: وجود عذاب القبر، تسجيل حسنات وسيئات الانسان، الملائكة، الجن، الانقلاب الكوني يوم القيامة، الزلازل، وكيف يمكن تفسير الوحي : هل هو جزء من نظام الذبذبات ونظام الإشارات ام هو هستيريا نفسية؟
ووظف وحيد الدين خان ما سماه ابن تيمية قياس الأولى: إذا كان من الممكن البرهنة على قضية (أ) فإنه من الأولى الايمان بالقضية (ب)… بمعنى أن كل ما أتى به وحيد الدين خان كان من أجل القول أن موضوعات الطبيعية ومناهج البحث العلمي الوضعي تهيئ عقولنا لقبول بعض القضايا التي لم تكن ممكنة في السابق، مثل انتقال الصوت والصورة عبر الأثير أو احتباسه في الفضاء ، فإذا كان هذا ممكنا علميا عن طريق التجريب الحسي ألا يكون الإيمان بقدرة الله على تسجيل أفعال الناس من باب أولى.
وقد كان وحيد الدين خان عالما جليلا ودقيقا في منهجه فلم يتورط، كما تورط غيره الذين يطلعون على المعارف العلمية دون ان يكون لهم الزاد الكافي لفهم ما يجري في هذه الحقول لانهم ليسوا من ذوي الاختصاص، ولذلك لم يتورط وحيد الدين خان في تفسير الغيبيات بأدوات العلم ونتائجه، لان الغيب غيب. ومنهجيا ما الذي يجعل هذه هي تلك، او ما يحدث في عالم الغيب مطابق لما يحدث في عالم الشهادة. فكان وحيد الدين خان يخاطب العقل البشري العلمي، وكأنه يقول له إذا كان العلم يثبت لنا أن هذا ممكن في حدود المعرفة العلمية الوضعية القائمة على التجريب، ألا يكون هذا ممكنا في عالم الإرادة الإلاهية.
ولكن المتسرعين من القراء، تركوا المنهج وركزوا على القضايا العلمية التي طرحها والتي تتميز بالفرادة والتجديد في عرضها خصوصا انه باحث هندي ملم باللغة الإنجليزية ومطلع بكثافة على ما يطرح بهذه اللغة الغنية في مختلف العلوم الطبيعية والفيزيائية والبيولوجيا وعلم النفس والاقتصاد وعلم السياسة وغيرها.
حدود الوضعية
لقد سقط التمثل الوضعي لمفهوم العلم منذ الستينات من القرن الماضي في الثقافة الغربية برمتها، وقام كارل بوبر بالاجهاز على مقولات حلقة فيينا، بينما لا زلنا نحن نعيش مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
فهل استطاعت العلوم الانسانية والاجتماعية المختلفة التي شقت طريقها وفقا للنموذج الوضعي للعلم ان تحقق النتائج التي كانت تطمح لها؟
بدأ العلماء يشكون في النتائج المتحصل عليها، لانها لم تحقق اليقين، ولا تستطيع التنبؤ، بخلاف الطبيعيات حيث هناك امكانية للتنبؤ ب”سلوك” موضوعات الطبيعة لأنها تتكرر. فكلما وصلت حرارة الجو إلى درجة صفر يتجمد الماء. وكلما تصل الحرارة إلى درجة 100 يبدأ في الغليان، بينما موضوعات الانسان لا تخضع لهذه الحدية ولا تماثل عالم الطبيعيات. وبدأ هناك شك في خطوات البحث العلمي كما يطرحها الوضعيون، باعتبارها أنها غير قادرة على الهيمنة على كل حقول السؤال الإنساني.
وإذا كان علم الاقتصاد قد مضى بعيدا في تبني المنهج الوضعي واستعمال الرياضيات والتحول إلى علم دقيق أو يكاد، وكذلك فعلت علم السياسة في مرحلة من مراحلها وعلم النفس وغيرها، لكن هذه العلوم وبالنظر إلى النتائج الهزيلة التي تحققت عبر تبني الموقف الوضعي الراديكالي، الذي يسقط مناهج البحث في الطبيعيات والفيزياء إلى مواضيع الإنسان بدأت تفكر في ذاتها من جديد.
كارل بوبر والعوالم الثلاث
هل عالم الإنسان هو عالم الطبيعة، ومن ثم هل القوانين التي تحكم الطبيعية (التكرار الثبات) هي نفسها القوانين التي تحكم الإنسان الذي يملك الإرادة الحرة ويستطيع تغيير مساره؟؟
وساهم كارل بوبر، الفيلسوف النمساوي، سليل مدرسة فيينا، في قلب الطاولة على الوضعيين بجدارة وذلك بالحديث عن تعدد العوالم، ومن ثم تعدد المناهج بحسب تعدد هذه العوالم. تعدد العوالم بالنسبة لكارل بوبر في نطاق عالم الشهادة، لانه لا يعرف عالم الغيب بمفهومه الإسلامي (عالم الأمر الإلاهي بتعبير حاج حمد)، حيث ان عالم الغيب المسيحي يشبه إلى حد ما عالم الأسطورة الذهنية، التي يصنعها الانسان بتخيل نهايات للكون.
يقترح علينا كارل بوبر التمييز بين عوالم ثلاثة(3):
العالم الأول: يتكون من الاجسام الفزيائية
الأحجار، النجوم، الذبذبات، الإشعاعات، الحيوانات، النباتات. ويمكن تقسيمه إلى العالم الفيزيائي الحي أو عالم الأجسام البيولوجية، والعالم الفزيائي غير الحي.
العالم الثاني: العالم الذهني أو السيكولوجي
عالم الشعور باللذة، والألم، عالم التفكير والتوقع، عالم القرار والملاحظة، وبتعبير آخر عالم التجربة الذاتية. ويمكن تقسيمه إلى عوالم جزئية مثل الشعور الواعي، والشعور اللاواعي (الأحلام…)، أو عالم الشعور وعالم الغريزة.

العالم الثالث: هو ما ينتجه العقل البشري
مثل اللغة، والاعتقادات (الدين)(4)، والخرافة، والقصة، وكذلك النظريات العلمية، والابداعات الفنية، ومنتوجات التكنلوجيا. وهنا يمكن التميز بين عالم المعرفة وعالم الخيال، بين عالم الفنون وعالم التكنولوجيا والهندسة.
ولا ينسى بوبر أن ينبه بأن كثير من الأشياء التي تنتمي إلى هذا العالم نجدها تنتمي إلى العالم الأول. فنحت النبي موسى لليوناردو دافينشي ينتمي إلى عالم الأجسام الفيزيائية غير الحية ولكنه في نفس الوقت إنتاج العقل البشري. وإذا كان الكتاب، هو أيضا نتيجة العقل البشري، مثل قصة هملت لشكسبير، ولكن هذا الكتاب الذي هو واحد في العالم الثالث، لأنه نص واحد بعينه، قد يكون متعدد بالنظر إلى العالم الأول لاختلاف مظهره الفيزيائي؛ وذلك باختلاف الطبعات مما يؤدي إلى اختلاف حجمه وعدد صفحاته ونوعية الورق المستعمل لطباعته. ليخلص إلى القول أن أشياء العالم الثالث مجردة، يمكن ان تتجسد فيزيائيا في العالم الأول. فالسانفونية الخامسة لبتهوفن الثاوية في أعماق ذات بتهوفن الموسيقية، تتجسد لنا فيزيائيا عبر النوتات، والأصوات التي نسمعها بالأذن والتي تصدر من الآلات الموسيقية.
الفزيائيون والوضعيون يؤمنون بالعالم الأول فقط، ولذلك فبالنسبة لهم لا وجود لسانفونية بوتهوفن في عالم التجريد، بل وجودها متحقق بالأصوات التي صدرت من الآلات الموسيقية التي لها اثر من موجات وذبذبات صوتية يمكن قياسها وحسابها. وهناك النظرة الثنائية التي تؤمن بوجود العالم الأول والثاني، عالم الفيزياء وعالم التجربة الذاتية، ولكنها تنكر عالم التجريد.
كما لاحظنا سابقا أن بوبر يقسم العوالم في إطار عالم الشهادة بتعبيرنا كمسلمين، ويبقى عالم الغيب غير موجود في الذهن الوضعي ولا في العقلية الغربية عموما.
بهذا التقسيم للعالم يطرح السؤال: هل يمكن التعاطي مع هذه العوالم بنفس الطريقة لتحقيق الإدراك العلمي واليقين؟ هل المناهج التي نوظفها في أحد هذه العوالم هي ذاتها التي نوظفها في العالمين الأخيرين؟
بإجماع(5) الفلاسفة، بما فيهم فلاسفة ما بعد الوضعية (psotpositivist) أن الجواب : لا؟
وهذا الذي حرر العلوم الإجتماعية من نموذج الوضعية وحديتها الإطلاقية وخضوعها للتجريب الطبيعي، لان عالم الطبيعة ليس عالم الإنسان.
شوحة والأثر الوضعي
دعنا نقرأ بعض المقولات المفتاحية في مقال شوحة لنقف على الأثر الوضعي الحدي في هذه المقولات:
1. الكون عبارة عن مسجل كبير حوى كل صغيرة وكبيرة من الحوادث بالصورة والصوت، ماضيا كانت أم حاضرا أم مستقبلا وأنه لو تم اختراع جهاز يلتقط الأصوات والصور من الأثير والفضاء لأمكن قراءة تاريخ الإنسانية من جديد مسجلا بالصورة والصوت كما يقول المفكر الإسلامي الهندي وحيد الدين خان في كتابه (الإسلام يتحدى) والذي قال فيه، إنه يمكن أن يكون الأثير هو اللوح المحفوظ وهو يفسر قوله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} ق/ 16.
2. قال مصطفى محمود في كتابه (القرآن محاولة لفهم عصري) كلاما نسبه إلى أحد مراسليه من سوريا وهو يعلق على ما قاله في مقالة “الغيب” عن القلم واللوح والعرش والكرسي فقال “والجسد هو اللوح الذي يكتب الله عليه ـ على الجينات الوراثية وخلية الجنين، يكتب قدر المولود وحياته”.
3. ويضيف شوحة من عنده قافزا من عالم إلى عالم دون ان يشعر:” أي ان الشيفرة الوراثية الموجودة في الخلية والتي تتحكم في نقل جميع الخصائص الوراثية هي اللوح المحفوظ”
ثم يستدرك ويقول انها جزء منه، بناء على ما قاله الشيخ الشعراوي رحمه الله في محاضرة شعبية: أقول إنها جزء منه وليست الكل لقد سمعت على إحدى الشاشات الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي يفسر قوله تعالى: {قد علمنا ماتنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ} ق/4 :”أن الأرض وما يتحلل فيها من مادة الكائن الحي حين يموت هي اللوح المحفوظ مستشهدا بآية أخرى هي قوله تعالى: {والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا} نوح/17-18
لو طبقنا منظور العوالم البوبري، وأضفنا له عالم الغيب القرآني: هل يمكن أن يكون هذا ذاك. أي هل يمكن ان يكون اللوح المحفوظ هو خاصية التسجيل المبثوثة في الكون!!!
ومن الذي يمكنه أن يجزم بالاجابة؟؟
الوضعيون وحدهم هم الذين يقولون نعم، هو ذاك، لأنهم يؤمنون بعالم واحد فقط كما قال كارل بوبر. عالم الحس والمشاهدة، العالم القابل للقياس الوضعي.
نتائج باطلة من مقدمات باطلة
لقد استعرضت على وجه السرعة تأثير الفكر الوضعي على الخطاب الديني ولا يزال هذا الخطاب يعاني من سطوة التجريبية. والارتهان المباشر أو غير المباشر لهذا التأثير يقود حتما إلى التداعي مع مقولات الوضعية للوصول إلى نتائج تتأسس على مقدمات متحفظ عليها، والاهم من ذلك تركها الفكر الغربي وراء ظهره، وطواها في مؤلفات تاريخ الفلسفة والعلم.
ولذلك أجد في الموقف التيموي(6) أصالة ودقة وامتلاء بفهم الفارق بين عالم الشهادة وعالم الغيب، الأمر الذي جعله يقرر مع جمهور الأشاعرة والماتردية وغيرهم انه لا سبيل لمعرفة عالم الغيب إلا من خلال الوحي بمعناه الإسلامي، وأما التجريب فهو عاجز عن الإحاطة بعالم الشهادة فضلا على أن يتطاول على عالم الغيب.
وانا لا أمضي بعيدا مع التبسيط الذي وقع فيه الكتاب بحصر معنى الغيب في حدود لغوية ضيقة، أي كل ما يغيب عن الغنسان، بل أتحدث عن الغيب بمعناه القرآني المحدد في وعي المسلم. فإذا كان يغيب عن ذهني كيف يتوالد النمل أو تنقسم الخلايا فهذا ليس غيبا بالمفهوم القرآني، لكن عالم الملائكة وقصة البعث غيب لا تحيط به أدوات الحس البشري.
إن العلم بمفهومه الوضعي عاجز عن تفسير ظواهر السياسة والاجتماع وغير قادر على التنبؤ بالتغييرات التي لا حدود لها في سلوك الإنسان، وتشتت العلوم الاجتماعية بين عشرات النظريات كلها يدعي أنه يمثل حقيقة علمية، وتستند إلى الاختبار التجريبي، فما بالك إذا انتقلنا إلى مجال الغيب، هل هو في متناول حس الإنسان؟؟ وإلا ما الفارق بين عالم الشهادة والحس وعالم الأمر الإلاهي.
هذا الخلط بين العوالم هو الذي جعل الفلاسفة قديما وكل من لم يستطع الالمام بالفروق المنهجية الحاصلة في الوجود إلى سحب مقتضيات عالم الشهادة على مقتضيات عالم الغيب، فتصبح موجودات عالم الغيب محكومة بمحددات عالم الشهادة. بينما العكس هو الحاصل، فمشاركة الملائكة في غزوة بدر، او معراج النبي، هي عالم غيب او ربما عوالم غيب، الإيمان بها واجب وكيفها مجهول بالنسبة لنا لانها لا تخضع لمجال تداولنا البشري ولا تحكمها قوانين عالم الشهادة الذي هو مجالنا البشري.
ابن سينا الأفلاطوني
ومن خلال هذا التحليل، كيف يمكننا ان نقرأ مقولة ابن سينا التي اوردها الأستاذ شوحة في تصدير مقاله: “إن نفوس السماوات مطلعة على جميع الجزئيات الحادثة في هذا العالم، وإن المراد باللوح المحفوظ نفوس السماوات وإن انتفاش جزئيات العالم فيها يضاهي المحفوظات في القوة الحافظة المودعة في دماغ الإنسان، لا أنه جسم عريض صلب مكتوب عليه الأشياء، كما يكتب البيان على اللوح الآن لأن تلك الكتابة تستدعي كثرتها اتساع المكتوب عليه وإن لم يكن للمكتوب نهاية لم يكن للمكتوب عليه نهاية ولا يتصور جسم لا نهاية له ولا يمكن خطوط لا نهاية لها على جسم ولا يمكن تعريف أشياء لا نهاية لها بخطوط معدودة”
أتصور ابن سينا جالس معا في هذا القرن وهو يطالع موقع الشهاب، او جالس مع مؤسس موقع ياهو الكوري وهو يشرح له شبكة المعلومات وكيف يمكن كتابة ملايين الصفحات في حيز لا يتجاوز بوصة!!
هل كان بامكانه أن يقول جازما ما قاله هنا في هذه الفقرة:” لأن تلك الكتابة تستدعي كثرتها اتساع المكتوب عليه”؟ هل بقيت الكتابة بحبر وصمق وأوراق تزن بالكيلو غرام فإذا زادت تعذر على الكون الإحاطة بها واحتواء اتساعها.
ثم هل يكتب في عالم الغيب كما يكتب في عالم الشهادة!!.
لقد كان افلاطون يؤمن بان للكون نفس، وهذا ما آمن به ابن سينا، وبما ان النفس البشرية لها ذاكرة فكذلك الكون، عن طريق التماثل!! ولعمري هذا جزء من الفكر البدائي الذي لا يستحق الالتفات إليه، وابن سينا الطبيب الجراح أحب إلي من ابن سينا الفيلسوف.
والمتعسفين يحاولون إيجاد مقاربة بين هذا القول وما توصل له العلم من نتائج والواقع ان هذا القول لا علاقة له بما وصل إليه العلم من مفهوم الذبذبات المحفوظة في الكون!!
هذه المقدمات الخطأ هي التي جرت الأستاذ شوحة، المرتهن للمفهوم الوضعي للعلم، شعر بذلك ام لم يشعر، كي يحد الذات الإلاهية في حيز عالم الشهادة، كما فعل قبله الفلاسفة الذاهلين عن بعد الوحي، او المتصوفة المستغرقين في عالم التجربة الذاتية وذلك عندما قال:” إن الله موجود بذاته في الكون كله (نسبة إلى عالم الشهادة) وليس بعلمه فقط وأن العلم صفة ملازمة للذات وربما أدرك أمثال الحلاج والصوفية المسلمين شيئا من هذا الكلام فما نطقوا به لم يفهموا واتهموا بالكفر والزندقة وكان مصيرهم الإعدام”
بينما الوحي يحدد نسبة الذات العلية لله تبارك وتعالى إلى عالم الشهادة:”ليس كمثله شيء” ولله در المتكلمين الذين قالوا:”إن الله سبحانه أثبت لنفسه صفة السماع، ولكن ليس بالحواس كما هو شان الإنسان، بل بما يليق بذاته”، وكذلك بقية الصفات.
(1) يمكن الاطلاع على الموقع التالي: http://home.att.net/~jamspsu84/ttocartic.html (2) يمكن الاطلاع على المواقع التالية: http://www.boloji.com/hinduism/00606.htm،http://www.hinduism.co.za/newpage1.htm، ويمكن ان نقرأ مقلات مثل: Hinduism & Quantum Physics ، الهندوسية والنظرية الكمية في الفيزياء. (3) Popper, Karl: Three Worlds, The Tanner Lecture on Human Values, Delivered at The University of Michigan, April 7, 1978, 143-146. (4) للأسف يعتبر الدين منتوج بشري خالص، ولو قال التدين (الممارسة الدينية) لأمكن قبول ذلك. (5) استعمل عبارة اجماع هنا بمعناها الأصولي الإسلامي (اتفاق المجتهدين في عصر من العصور…). (6) نسبة لابن تيمية