تنمية

أزمة السكن بين الجزائر وماليزيا

من الأشياء التي لفتت انتباهي في ماليزيا منذ ان وصلت.. هو انه بلد لا يوجد فيه ازمة سكن اطلاقا.. كان بالنسبة لي وانا القادم من الجزائر شيء مبهر.. وطيلة السنوات العشرين التي قضيتها وجدت ان اهل الاقتصاد يتحدثون عن أزمة سكن ولكن عكس ما يقال عندنا تماما.. 
الأزمة هنا لا تتعلق بعدم توفر السكن ونقص العرض.. 
الأزمة هنا هي على العكس تماما زيادة في المعروض السكني.. 
الأزمة هنا هي أزمة المقاوليين الذي يوفرون سكنات اكثر من الحاجة.. ويعانون في تصريف سكناتهم..
والصحف هنا لا تتحدث عن معاناة المواطنين الذي لا يجدون سقفا ينامون تحته.. وبعضهم ينام داخل سيارته.. او يتناوب في المبيت في بيته كما كان يحدث سنوات ماضية في العاصمة.. وقد حدثني صديق.. قال لي انت من الجنوب حيث الوسع والبيت الرحب ولا تستطيع ان تتخيل انه يمكنك النوم الليل كاملا طاويا قدميك حتى لا تؤذي من بجانبك..
في ماليزيا يتحدثون عن مشكلة المقاول الذي لا زال يملك 30% من الوحدات السكنية التي عجز عن تصريفها.. وينتقدون المجالس المحلية التي سمحت بتحويل اراضي لمزيد من السكنات مما جعل السكنات القديمة تتعرض لضغط في السوق..
السياسيون يتحدثون عن السكنات في المتناول Affordable Housing وبدأ الحديث عن ضبط سوق القروض لان الناس اصبحت تبالغ في شراء اكثر من حاجتها.. وتنسيق العمل بين البنوك اذا اخذت من هذا البنك واخذت من بنك آخر.. فتشتري هنا وهناك.. حسب الرغبة..
مشكلات من نوع مختلف تماما مقارنة مع مشكلاتنا حيث تسمع ان شخصا اودع طلبا منذ 20 سنة وحصل على سكن العمر قبل وفاته بسنة.. 
ومن واقع معايشتي:
سيد ماليزي يعتبر من الفئة “الفقيرة” يعمل حمالا في محل أثاث.. ينقل الأثاث لمن يشتريه.. وزوجته تعمل حاضنة اطفال في بيتها.. لديه بيت أرضي.. وسيارة له وأخرى لزوجته ودراجة نارية. وهو بمقاييس أناس آخرين يعتبر رجل مرتاح ماديا..
ولدي صديق كان يعمل أستاذا جامعيا اشترى بيتين واحدا في العاصمة كوالالمبور والثاني في مدينة داخلية..
وهناك سيدة أعرفها لديها ثلاث سكنات.. أحدها لها شخصيا وسكنين تؤجرهما وهي أستاذة في الجامعة.
وعلى بعد عشرات الأمتار من بيتي يعرض اربع او خمس مقاولون مئات السكنات ويتنافسون فيما بينهم في تقديم احسن الخدمات داخل السكنات التي يعرضونها ويعملون المستحيل لاقناع الزبون الذي لا يؤثر عليه أي أحد سوى ارادته الحرة وخياراته الشخصية وما يرغب فيه وحده دون غيره في قرار السكن الذي يحصل عليه.
الثورة العمرانية في جنوب شرق آسيا في كوريا والصين واندونيسيا وماليزيا وتايلاندة والتحقت بهم تركيا.. هذه الثورة وراها سر.. وهو حرية المبادرة وفتح المجال امام المقاولات لتقديم خدمات السكن والتنافس فيما بينها.
كيف يمكن في هذه المجتمعات ان لا تجد اي مشكلة تسمى مشكلة السكن او العقار؟
وفي مجتمع مثل الجزائر منذ الاستقلال لا زلنا نعاني من المشكلة الى يوم الناس هذا على الرغم من الأموال الطائلة التي صرفت؟
الأمر اكثر من واضح
الفرق هو في طريقة تسيير هذا الملف..
في ماليزيا قوى السوق وقوى العرض والطلب هي التي تحدد دينامكية هذا القطاع..
وفي الجزائر البيروقراطية تستولي على اموال المجتمع وتبني له بطريقتها الخاصة ويحصل اهدار كبير في الموارد.. ورداءة في المنتوج.. وقلق وتوتر اجتماعي غير مبرر.. 
والنتيجة استمرار العجز الى ما لا نهاية.. 
واستمرار الأزمة الى ما لا نهاية.. 
المواطن في الجزائر مشكلته الأساسية أن يجد سكنا لائقا ومعقولا..
المواطن في دول ثانية ليس له مشكلة في أن يجد سكنا.. واذا وجدت مواطنا لديه مشكلة فهي من نوع مختلف تماما.. مشكلته أن لديه أكثر من سكن وبعض هذه السكنات لم يجد لها مؤجرا او لديه صاحب ايجار ولكن لم يعجبه في الدفع..
الوضع مختلف تماما..
والسبب هو الاختلاف في التعاطي مع هذه الملفات.. 
وما لم نغير طريقتنا في التفكير وفي التسيير فلن نحل هذه المشكلات بنفس الطرق التي اثبتت فشلها مرارا وتكرارا..