الاقتصاد

أسعار النفط والدورة الاقتصادية؟!

رياض حاوي

بمجرد ما تناقلت المحطات العالمية تصريحات الوزير شكيب خليل التي تنبأ فيها بارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية جديدة حتى بدأ مؤشر سعر النفط الخام بالتراجع وبسرعة كبيرة لم تخطر لا على بال الوزير ولا على بال المستشارين المحيطين به. فقد تهاوت أسعار النفط من مستوى 147 دولار للبرميل في شهر جويلية الماضي إلى مستوى أقل من 70 دولار بما يزيد عن 50% انهيار في بضعة أسابيع قليلة.

وسارع رئيس الجمهورية بتحذير الرأي العام الوطني من مخاطر تراجع أسعار النفط الأمر الذي يفرض مخطط استعجالي لتفادي كارثة الثمانينات، لكن صرخة رئيس الجمهورية تبقى في واد سحيق ما دامت دورة النهوض الاقتصادي تبدأ في سعر النفط وتنتهي في سعر النفط.

هناك تساؤل ملح وبغض النظر عن سعر المضاربات الذي بلغته أسعار الخامات عموما في مطلع هذه السنة: ما هو السعر المنطقي أو السعر الطبيعي للنفط؟ وأمام هذا السؤال تتعدد القراءات إلا ان أغلبية المحلليلين يعتبرون ان السعر الطبيعي للنفط وبقياس مستويات التضخم في الثلاثين سنة الأخيرة يجب أن لا يقل عن 95 دولار للبرميل، أي ان السعر الحالي للنفط يقل عن السعر الطبيعي بنسبة 20%.

مرة اخرى تجد الجزائر نفسها رهينة لدورة النفط الخاضع لمعطيات السوق الدولية وليس لمقتضيات الدورة الاقتصادية الوطنية، ففي الوقت الذي تنفست عدة دول الصعداء من جراء التراجع التراجيدي لأسعار النفط  الأمر الذي سمح لها باعادة التوازن لمؤشراتها الاقتصادية نجد بالمقابل حالة الاختناق في تعابير المسؤولين المحليين الذي يبنون رؤيتهم على مجرد الاماني والأحلام.

فمشاريع زيادة الرواتب والقرارات الفوقية للاستجابة لمطالب الجبهة الاجتماعية بقرارات سياسية بعيدا عن لغة الواقع الاقتصادي الوطني كلها تصبح على كف عفريت سعر النفط، الأمر الذي يرهن المسار الاقتصادي للمجهول.

وفي تقديري ان هذا التراجع الحاد والسريع هو أبلغ درس، لمن لم يتعلموا من دروس الماضي، وهو درس جاء في وقته ومحله علهم يخرجون من حالة الوهم ويستيقضون من حلم براميل النفط ليبحثوا عن مسارات جديدة للاقلاع الاقتصادي ووضع الدورة الاقتصادية المحلية في سكتها التاريخية.

ومشكلة كثير من المسؤوليين انهم يتصورون التاريخ بمسار واحد، ويعتقدون كما يعتقد الخرافيين الطرقيين ان وضع الاقتصاد الجزائري اليوم هو وضع قدري نهائي لا فرار منه. بينما تجارب الأمم تبين ان الجدية وارادة الاقلاع الحضاري كفيلة بتحقيق المعجزات، ولذلك فدرس 70 دولار هو الدرس الأبلغ وفي الوقت الأمثل لكل من يفكر في دورة الاقتصاد الوطني بكل أمانة وإخلاص.