تعليقات

أنـا الـوزيـر!

رياض حاوي

في أول يوم من افتتاح المعرض الدولي للكتاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور الأسبوع الماضي ذهبت لزيارة جناح بيت الحكمة، وهي شركة توزيع للكتاب يديرها جزائري متزوج من سيدة ماليزية فاضلة، وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث عن آخر مستجدات الحياة الثقافية والفكرية في العالم الإسلامي ومشكلات استيراد الكتاب العربي وطبيعة المقروئية في ماليزيا وغيرها من الشؤون. وسرعان ما بادرني الأستاذ يوسف واخذ يقص علي ما حدث له أثناء تدشين افتتاح المعرض. قال لي كنت جالسا في جناحي وفجأة دخل عندي شخص تبدو عليه مظاهر الاحترام والوقار، وأخذ يتجول في الجناح ويقلب الكتب، وبد عليه وكأنه يتكلم العربية. يقول الأستاذ يوسف أخذت في عرض الكتب عليه وأقول له هذه آخر إصدارات لبنان وهذه إصدارات سوريا، ثم شعرت بغريزة عجيبة بداخلي فبادرته بالسؤال وقلت له بالجزائرية:”أنت شكون” فرد علي الزائر المحترم بابتسامة عريضة وبعربية ممزوجة بلغة الملاويين الحلوة خاصة إذا نطقوا بالعربية:”أنا الوزير”.

يقول محدثي وددت لو انشقت الأرض وابتلعتني من شدة الحياء والحشمة لأنني لم أنتبه، لقد ذبت من الحياء، وكان وهو يحدثني قد عادت الحمرة إلى وجهه وقد استعاد تلك اللحظات. كان الوزير الزائر هو داتو شافعي وزير التعليم العالي ولم تكن هناك أية مظاهر توحي بالهيلمان وجاه المنصب.. كان يمر عبر الأروقة والأجنحة كأي مواطن ماليزي عادي وربما كان حارسه الشخصي يرقبه من بعيد وهو مطمئن.

قفزت إلى ذهني عدة مشاهد كنت قد سمعت بها أو عشتها شخصيا من هذا التواضع الرسمي المعروف به المسؤولين السياسيين الماليزيين، فمرة التقيت بصديق فرنسي مسلم مقيم هو أيضا في ماليزيا ومتزوج من مالوية مسلمة وهو يكاد يطير فرحا وما أن انتهينا من تبادل التحية حتى أخرج صورة كبيرة وأظهرها لي واخذ يقص علي كيف التقى برئيس الوزراء السابق تون دكتور مهاتير محمد في المحل التجاري المشهور Sogo(1) دون هيلمان أو حراسة مشددة أو حراس متجهمي الوجوه يدفعون كل من يتقدم من صاحب المقام العالي، حتى ولو كان مجرد المير!! اقترب محدثي من رئيس الوزراء الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وقال له هل تسمح لي بأخذ صورة، فقال له بكل تواضع مرحبا، والتقط أحد الحراس صورة للأسرة السعيدة مع الدكتور مهاتير محمد. وهي نفس القصة التي سمعتها من صديق يمني مقيم في ماليزيا منذ أكثر من 15 عاما عندما التقى بمهاتير محمد في أحد المطاعم الشعبية المشهورة وأخذ معه صورة تذكارية يتفاخر ويتباهى بها في المجالس. وفي كثير من الأحيان كنت أتصادف مع كبار المسؤولين وهم يتجولون في وسط المدينة أو يؤدون الصلاة في أحد مساجد كوالالمبور العامرة. وفي آخر دورة عالمية لقراءة القرآن الكريم كنت مع صديق مغربي يزور ماليزيا لأول مرة ودعوناه للحضور إلى هذا الاحتفال السنوي الذي يقام منذ استقلال ماليزيا ويشارك فيه قراء وقارئات من مختلف الدول الإسلامية وتقدم فيه جوائز قيمة تشجيعية. وقبل أن ندخل القاعة الشهيرة في مبنى التجارة الدولي رأينا السجاد الأحمر فقلت لمرافقي اليوم سيأتي ملك ماليزيا. فبدا صاحبي ينظر من حوله بتعجب وكأنه لا يصدق ما أقول له، وسألني أين هي الحراسة هل سيمر من هنا في هذه الزحمة؟ وقفزت مشاهد من المقارنات بين ملك وملك. قلت له: انتظر قليلا وسوف ترى بنفسك، وفعلا بعد زمن قصير رأينا جموع من الناس يلتفون حول الملك ويسلمون عليه بكل أريحية والفرحة تملأ عيونهم وقلوبهم دون أن يدفعهم حارس أو يعتدي عليهم شرطي!!

يا ترى ما هو السر وراء هذا التواضع العجيب الذي لم نسمع به إلا في قصص التراث مع عمر ابن الخطاب وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما أو ما نسمعه من حكايات متداولة عن المسؤولين الغربيين الآمنين بين أهلهم وشعوبهم، وآخرهم وزيرة الخارجية السويدية ليندا التي اغتيلت قبل سنة وهي تتسوق في أحد المحلات التجارية كغيرها من المواطنين السويديين فوجد القاتل المشبوه والذي ثبت علاقته بدوائر صهيونية الفرصة في هذا الامن المستتب فقتل الوزيرة المسكينة التي عرفت بمواقفها الشجاعة اتجاه القضية الفلسطينية تحديدا؟

ما من شك أن هناك حد كبير من الانسجام والتوافق بين الشعوب والحكام وهناك علاقة خاصة جدا تربط بينهما أساسها العدل والإخلاص في خدمة مصالحها. فالشعوب تحتاج إلى هذا النوع من المسؤولين الذين يقدمون مصالحها على مصالحهم والذين يسعون بل يتفانون في رعاية شؤونها دون استعلاء ودون نفاق أو خديعة لمستقبلها.

ويمكن هنا أن أسجل أهم ما شد انتباهي عندما وصلت ماليزيا في نهاية 1997 وهو حرص المسؤول الأول على عدم مجاملة الأخطاء وعدم تقديس الذات، ففي كل خطاباته الموجهة للشعب الماليزي كان لا يتوانى في انتقاد كل السلوكات المرضية، لم يكن يزايد ضد الشعوب الأخرى بالادعاء بان الشعب الماليزي هو خير الشعوب وهو شعب الله المختار فوق الأرض بل كان يردد دائما أن طريق النهضة طويل وانه علينا أن نتعلم من الغير. وفي خطاب استقالته في جوان 2002 تحدث عن كثير من النجاحات التي حققتها دولة ماليزيا في العشرين سنة الأخيرة ثم أردف يقول:”علي أن أعترف بأنني أخطأت، لقد نجحت في كثير من الجوانب ولكنني فشلت في إحداث نقلة نوعية في الذهنيات وأسلوب التفكير، أيها الملايو إنني ألتمس عذركم وعفوكم عني لأنني لم أتمكن من تغيير نمط التفكير!!” ثم انفجر بالبكاء في مشهد درامتيكي وأعلن رغبته في ترك المنصب قبل انتهاء الفترة الانتخابية وهو ما حدث فعلا في 31 أكتوبر 2003 حيث غادر منصبه وهو في أوج عطائه وشعبيته، وقال كلمته المشهورة:”أنا أريد أن أستعد للآخرة”.

ليس قدر الحكومات أن تعيش في صراع أبدي مع الشعوب وليس قدر الشعوب أن تعيش في عداء مستحكم مع حكوماتها، والصورة النمطية المعروفة في بلادنا العربية هي نتيجة اختلال الموازين وانهيار القيم. يجب أن نبني المستقبل بإعادة ترتيب أوضاع البيت الداخلي وإبعاد كل أشكال الاحتقان السياسي والاجتماعي وتجاوز مخلفات الأزمة لأن عجلت التاريخ تتحرك بسرعة، وبقاءنا في دوامات الإخفاق المتتالية سيحيلنا إلى كابوس وعبئ على البشرية.

(1) محل تجاري في وسط العاصمة كوالالمبور.