الدولة والضرائب.. ملاحظات عامة
التعريف النهائي للدولة في بعدها الاقتصادي هي الكيان الجامع للضرائب، ينظم العلاقات الاقتصادية داخل المجتمع، المجتمع يقوم بالنشاط الاقتصادي، فائض الأرباح يتم تجميعه عبر آلية الضرائب، وهذه المبالغ تقوم الدولة بتوظيفها للقيام بكل ما له علاقة بالمنفعة العامة.. لا يستطيع تاجر وحده أو مجموعة تجار القيام بتعبيد الطريق، ولكن تجميع أقساط الضرائب يسمح بتوفير مبالغ من المال تمكن من تعبيد الطريق، ولا يستطيع شخص واحد بناء المدارس ودفع رواتب المعلمين، ولكن أقساط الضرائب تجمع لبناء المدارس ودفع رواتب المعلمين او الأطباء أو غيرها من القطاعات الخدماتية..
كان ذلك ممكنا لما كانت مطالب المجتمعات بسيطة والخدمات متواضعة، ولكن بتطور الزمن وارتفاع مطالب المجتمعات لم تعد الدولة قادرة على الاعتماد على الضرائب لوحدها، وكان لزاما رفع الضرائب تدريجيا، وخلق نظم معقدة للضرائب التراكمية، وقد سارت الضرائب في اتجاه تصاعدي مع مرور الوقت حتى بلغت في فرنسا 49% كضريبة دخل وأذكر العبارة الشهيرة التي قالها ساركوزي في حملته الانتخابية ضد سيغولين رويال على المواطن أن يفهم بأنه سيعمل بين 1 جانفي و30 يونيو لصالحه وبين 1 جويلية و31 ديسمبر لصالح الحكومة، وضريبة الشركات تصل الى 36% وضريبة القيمة المضافة الى 20% في فلندا ضريبة الدخل 56% وضريبة القيمة المضافة 24% وضريبة الارباح 20% ألمانيا ضريبة الأرباح 30% ضريبة الدخل 45% والقيمة المضافة 19%..
وبحساب رياضي بسيط يتضح أن حتى هذه النسب العالية من الضرائب ليست كافية لتغطية مصاريف الدولة والتزاماتها الاجتماعية لاسباب متعددة منها انقلاب الهرم السكاني فعمال أقل وبفعالية أقل وكتلة تحتاج للخدمات الاجتماعية أكبر ومنها اتساع المطالب الاجتماعية لفئة الشباب ونفورهم من الاعمال “الشاقة” بسبب الاعلام وأساطير السينما والفيسبوك واليوتوب التي تخلق حياة غير موجودة في الواقع، بينما الواقع هو الاستيقاظ المبكر والذهاب للعمل او الحقل وحلب البقرات وتقطيع الأشجار أو العرق في ورشات المصانع او السهر في المكاتب الهندسية وليس روكي وشوارزنيغر وتوم هانكس وعادل امام..
حتى ولو افترضنا أن الدولة قادرة على تجميع الضرائب بنسبة 100% فإن الالتزامات المالية للخدمات العامة تفوق في كثير من الدول الفائض من الناتج المحلي الذي يمكن استخلاصه عبر الضرائب فما بالك اذا اضفنا لهذا العجز في كل الدول عن جمع الضرائب بصورة كاملة لأسباب مختلفة..
ليس سرا أن الموازنة المالية لكل وزير اقتصاد أو مالية في أي نظام اقتصادي تحكمها معادلة بسيطة الموارد والمداخيل وأساسها الضرائب.. والمصاريف وهي لا تعد ولا تحصى من البنود التي تحتاج مخصصات مالية يجب صرفها وكثير منها مستعجل.. الطب التعليم الانارة العمومية الدفاع الشرطة الثقافة.. الخ. كلها بنود تحتاج الى موارد ومخصصات.. لان السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة..
الدول الريعية التي لها موارد طبيعية بدون جهد هذه لا حرج عليها، خاصة اذا كانت دول صغيرة في عدد سكانها وأسعار الخامات الطبيعية مرتفعة.. لكن هذه الظاهرة ليست عامة، فمعظم الدول الأخرى تسجل عجزا في موازناتها المالية سنويا.. بما فيها الدول الكبرى لأنه بكل بساطة الضرائب أعجز من ان تغطي المصاريف..
وهذا ما جعل الدول الأسيوية الصاعدة تفكر في البديل وهو أن تتحول الدولة/البيروقراطية ذاتها الى فاعل اقتصادي، وناشط مالي.. فهناك الصناديق السيادية التي تدر دخلا للحكومات وهناك الشركات شبه الحكومية والتي يصطلح عليها GLC (Government linked companies) قطاع عام يدار بطريقة القطاع الخاص، حيث الحكومة تملك أغلبية الأسهم تسمح لها التحكم في مجلس الإدارة، وهذه الشركات عادة عملاقة بما فيه الكفاية لدعم موازنة الدولة العامة..
وبسبب ارتفاع أقساط الضرائب في الدول الأوروبية خصوصا، أصبحت البيئة طاردة للاعمال القائمة وغير محفزة للاعمال الجديدة حتى تقوم وهنا لعبت الدول الأسيوية على هذا المحور وقدمت تسهيلات ضريبية وتشجيعا لنقل الأعمال لها..
ففي ماليزيا ضريبة الأرباح للشركات تترواح بين 17% و25% حسب نضج المشروع مع اعفاءات ضريبية في عشرات المجالات تصل الى عدة سنوات وضريبة الدخل تبدأ في مستويات معينة وتصل الى 21% اما ضريبة القيمة المضافة فلم تدخل حيز التطبيق الا في 2015 وهي بنسبة 6% وفي تايلاندا ضريبة ارباح الشركات 20% وضريبة الدخل في حدها الأقصى 35% وضريبة القيمة المضافة 7% وسنغافورة 17% و 22% و7% وفي كوريا الجنوبية 24% و6% حسب الدخل وتبلغ 34% و10% القيمة المضافة.. وفي قطر 10% ضريبة الأرباح وليس هناك ضرائب على الدخل أو ضريبة للقيمة المضافة،
وفي ظل العوملة وحرية تنقل الأموال ليس هناك عاقل يبق في فرنسا أو بلجيكا حتى يدفع هذا القسط من الضرائب، بل سيفضل سنغافورة وكوريا وماليزيا واندونيسيا لانه بالاضافة لتسهيلات الضريبية هناك زخم في العقار الصناعي واسعار معقولة جدا في العقار التجاري وبمواصفات راقية جدا.. ويد عاملة شابة وفعالة.. وأسعار أقل بكثير مما هو متوفر باريس ولندن للسكن والتسوق وبمواصفات راقية وكل ذلك يدخل في تكلفة الاستثمار فضلا عن تكاليف التعليم والخدمات الطبية.
وفي ظل هذه التعقيدات بدأت بعض الحكومات وخاصة بريطانيا في التفكير في تخصيص مناطق حرة للاعفاءات الضريبية أو تخفيض الضرائب، فظهرت فكرة النظام المزدوج للضرائب وذلك بغرض استقطاب الرأسمال العابر للقارات ونجحوا في ذلك الى ابعد الحدود عبر ما يسمى بالأف شور..
طبعا يمكن ان يكون لك مصنع في بومباي ومكتب تطوير في كوالالمبور وادارة مالية في هونغكونغ او سنغافورة وحساب بنكي في المناطق الحرة، وتدار العملية بسلاسة وطلاقة بين هذه المحاور كلها وكأنها تحت سقف واحد..
وكثيرا ما أمازح الأصدقاء وأقول لهم العالم مقسم اقتصاديا على النحو التالي أمريكا وأوروبا الغربية مراكز مالية وتطوير تكنولوجي.. آسيا المنطقة الصناعية للعالم.. أفريقيا منجم العالم الرخيص.. الجزر على الأطراف ملاذات سياحية.. وعندما أسأل عن عالمنا العربي في ظل تقسيم العمل المعولم.. أقول منطقة رماية لتجريب الأسلحة الجديدة..
تبق اشكالية الضرائب اشكالية كبيرة جدا جدا في ظل هذه العولمة، والتداخل، وتضع مفهوم الدولة نفسه تحت المحك.. لأن السؤال يطرح نفسه الى أي حد يمكن أن تصل الضرائب.. وكيف تنم هذه الأموال حتى تغطي المصاريف وما أكثرها..