الاقتصاد

ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية! رؤية شاملة

بقلم: رياض حاوي

زارني صديقي الأسترالي/الجزائري والمقيم في الصين منذ عدة سنوات، وهو بالمناسبة متزوج بصينية مسلمة، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث عن وضع الأسواق الدولية وخاصة انهيار الكلي لعملة الدولار وانعكاس ذلك على تسعير البضائع في الدول المصدرة مثل دول حزام جنوب شرق آسيا والعماليق الكبار كالصين والهند واليابان و”نصف” العماليق كالبرازيل والأرجنتين..

فسعر الطن من السمن النباتي الماليزي ارتفع من 340 دولار سنة 2001 إلى 1450 دولار للطن بأسعار هذه الأيام أي بزيادة بلغت 426% في أقل من عشرية، بينما سعر الحليب الجاف النيوزلندي قفز من 1150 دولار للطن إلى 5200 دولار للطن أي بزيادة 452% وهو نفس الأمر الذي يصدق على عشرات المواد الغذائية الأخرى وآلاف المواد المصنعة التي شهدت موجات غير عادية من الارتفاع. وفي نفس الفترة شهد الدولار تراجعات غير مسبوقة أحالت قدرته الشرائية إلى أقل من 20% مقارنة مع مطلع القرن العشرين. فسعر صرف الدولار مع اليورو كان في حدود 0.84 دولار لكل يورو واحد واليوم أصبح السعر في حدود 1.5334 دولار عن كل يورو واحد أي أن نسبة السقوط الحر قد بلغت 82%.

commodity-tra
Main Commodities

هذا الوضع الكارثي في المشهد الدولي حتى بالنسبة للدول الكبرى كفرنسا وبريطانيا وايطاليا واسبانيا التي تأثرت توازناتها المالية يصبح أكثر كارثية بالنسبة للدول التي لا تملك من فقه الاقتصاد ذرة واحدة من الفهم! فضلا عن أن تكون مستعدة لمجابهة التحديات بعيدة المدى بعد أن تستجمع شروط المقاومة الاقتصادية! فمليار دولار من الاحتياطي النقدي السائل في أي دولة مفلسة في فلسفتها الاقتصادية وتوازناتها المالية يغطي احتياجات فعلية بقيمة 150 إلى 200 مليون دولار بسعر الأسواق العالمية مقارنة مع أسعار سنة 2000 أو 2001.

المأساة ستكون غير قابلة للتصور إذا أدخلنا عامل التضخم الذي يحيل آلاف مؤلفة من قابضي الرواتب إلى قابضين على حزمة من الأوراق التي لا قيمة لها في واقع البيع والشراء، خصوصا في ظل أنظمة نائمة لا تحسن لا حماية نفسها و لا حماية مواطنيها من أثار أسلحة الدمار الشامل الاقتصادية العالمية!

ففي دولة مثل السعودية، التي لها مداخيل، على الورق، لا تضاهى  تحرك عشرات الناشطين من المجتمع المدني لإنشاء مواقع للمقاطعة، طبعا ليس مقاطعة البضائع الدنماركية ولكن مقاطعة البضائع السعودية، والمنتجات السعودية، إنها صورة سريالية تنم عن انهيار شامل لمفهوم المواطنة، وهكذا بدلا من إنشاء مواقع لدعم المنتجات المحلية وتفضيلها على المنتجات المستوردة يدع هؤلاء الناشطون لتحطيم الاقتصاد الوطني بمقاطعته بحجة أن المصنعين المحلين يضاربون في الأسعار. واستنفر بعض الناشطين مجموعة من المشائخ لإصدار بيان/فتوى حول غلاء الأسعار..  والفتوى كما هو متوقع تصوغ مجموعة من القواعد الردعية الإضافية لقمع تاجر هنا أو مضارب هناك يستغل الوضع ليضيف بعض الريالات، بينما واقع الأمر أن الفتوى من المفروض توجه لبنية الاقتصاد الذي يجعل بلدا غنيا يبدو في صورة البلد الفقير الغارق في أوحال الفقر.. ولكن أنى لهؤلاء المشائخ أن يتخلصوا من الحلول اللحظية الآنية للنظر إلى التصور الشامل!

وما يصدق على السعودية يصدق على كثير من الدول الأخرى، فمثلا مصر سجلت ارتفاع شديد في أسعار أكثر من 144 سلعة غذائية، ذلك أن هناك المشكلة حقيقية في الأسواق العالمية وبنية الاقتصاد العالمي نتيجة الانهيار “المنظم” لعملة الدولار وفي نفس الوقت الارتفاع في محركات الاقتصاد العالمي وخاصة النفط.. فقد بلغ الرقم القياسي 110.20 دولار(أثناء كتابة المقال) وتعطيه التوقعات 142.82 دولار كمعدل لسنة 2008، ووصل الذهب إلى قرابة 1000 دولار للأونصة بينما كان لا يتجاوز 300 دولار للأونصة في 2002 كما ان الكوبر بلغ 4 دولارت للرطل، وازداد سعر الأرز والقمح وزيت الصويا وزيت عباد الشمس… وهذه الأسعار لن تتوقف عن الصعود!! وذلك بكل بساطة للأسباب التالية:

ارتفاع الطلب العالمي ودخول قرابة الثلاثة ملايير مستهلك جديد لسوق الطلب، وهم مجموع سكان الهند والصين بالإضافة إلى عماليق أمريكا اللاتنية كالبرازيل والمكسيك التي خرجت توا من صراعات وحروب وبدأت تتلمس مستقبلها في طريق النمو.. وهذا الطلب يزيد بصورة متسارعة لا تترك مجالا للدول النائمة أن تستدرك الموقف..

والنتيجة فإن الأسعار ستضل ترتفع للسنوات المقبلة ولا توجد قوة اقتصادية تستطيع أن تحدث نوعا من التوازن، طالما المعادلة مختلة من البداية!!

وهنا نعود لرأس السؤال: كيف ستواجه دولنا ذات الاقتصاديات المنهارة أصلا، والتي لم تستطع أن تستفيد من أي منعطف اقتصادي لإحداث عملية إقلاع وتجاوز انعكاسات التغيرات الاقتصادية العالمية على التوازنات الاجتماعية الداخلية!

الطريق السهل، وحكوماتنا عادة من هواة الحلول السهلة، هو الاتجاه لرفع معدلات الرواتب من الخزينة العمومية، كما فعلت الجزائر والسعودية والامارات وغيرها من الدول، وبذلك تتيح الفرصة للتضخم أن يتحرك بشكل أسرع، خاصة إذا علمنا أن كل دينار/درهم/ ريال زيادة في سوق التداول الفعلي يمتص قيمة مماثلة للعملة الموجود نسبة وتناسبا. وهذا ما حدث فعليا حتى قبل دخول الزيادة في صرف الرواتب على الموظفين حيز التنفيذ..!

لن نستطيع أن نتصور الحل، ما لم نتصور المشكلة بوضوح ونفهم أبعادها الحقيقية وخطورتها على الاقتصاديات المهترئة على المدى البعيد ومن ثم توازنات الدولة الاستراتيجية سواء بما يحقق “التهدئة” الاجتماعية، أو الحفاظ على الحد الأدنى من مكونات الدولة!

والقول أن هناك حلول سحرية تضليل كامل، لأن التغيرات متسارعة لا تنتظر النائمين حتى يستيقظوا، والذين يحلمون بأن الأسعار ستتجه نحو النزول لأنها وصلت إلى حدها الأقصى واهمون أيضا لأنه بكل بساطة التوقعات الاقتصادية تقول ما يلي:

الوهم نابع من كون كثير من “المضللين” الاقتصاديين لا يأخذون بعين الاعتبار انهيار عملة الدولار، عن عمد وسبق إصرار، حتى يحافظوا على الحد الأدنى من الأمل لدى البيروقراطيين الكسالى من السياسيين الذين يتخذون قرارات اقتصادية غاية في الخطورة، بناء على معطيات مضللة.. والنتيجة طبعا هي ما نراه لا ما نسمعه من كلمات معسولة!

ولنأخذ على سبيل المثال سعر الزيوت النباتية، التي تتغير يوميا بناء على عدة عوامل من بينها سعر صرف الدولار أمام العملات الأخرى، أي أنه أمام كل نزول “تقني” لعملة الدولار يقابله ارتفاع تقني لخامات الزيوت النباتية، وهناك رافعة يومية أخرى وهي سعر النفط الذي يدخل في مكونات أي منتج في العالم، وهذا دون أن نأخذ بعين الاعتبار الرافعات الحقيقية أي معادلة العرض والطلب. ذلك أن الطلب على الزيوت النباتية تضاعف عدة مرات لأنها لم تعد حكرا على الصناعات الاستهلاكية فقط بل دخول صناعات الوقود البديل ضاعف حجم الطلب عليها بينما مستويات الإنتاج بقيت على حالها تسجل زيادات محدودة لا تتعدى 5% إلى 10% سنويا وذلك في حالة عدم حدوث تغيرات مناخية تؤثر على المحاصيل.

في مطلع شهر فبراير شهدت الصين موجة برد غير عادية صاحبتها ثلوج في مناطق لم يعرف من قبل أنها مناطق ثلجية، وكانتشيؤب النتيجة إعدام محاصيل زراعية مما أدى تقنيا إلى زيادات في الأسعار نتيجة التوقعات بان الصين ستضطر لرفع كميات الطلب على المنتوجات الزراعية بأنواعها المختلفة.

وفي مطلع ديسمبر الماضي شهدت بنجلاديش فياضانات غير عادية، أدت إلى إعدام محاصيل الأرز في هذا البلد مما أدى تقنيا إلى ارتفاع أسعار الأرز في تايلاندا والفيتنام في اليوم الذي يليه!

هناك مؤثر جديد على سوق أسعار المواد الاستهلاكية لم يكن معروفا من قبل، إنه التقلبات المناخية، وفقدان النسيج المناخي الأرضي وظهور نسيج جديد بسبب مضاعفات المواد الحيوية المنبعثة من المصانع!

وعلى جانب آخر فإن العلاقة بين سعر صرف الدولار وأسعار المواد الاستهلاكية عموما أشار لها البروفسور روبرت مندل الحامل لنوبل 1999 في العلوم الاقتصادية، معتبرا أن الأسعار تعكس طبيعة النظام المالي العالمي، غير المستقر حاليا[1]، ومن ثم لن تستقر الأسعار على الوجه المطلوب ما لم يتم مراجعة طبيعة النظام المالي الدولي.

هناك قوتان اقتصاديتان تتعاكسان قوة الدول المصدرة للمواد الاستهلاكية التي تعتبر الأسعار الحالية فرصة العمر، والدول المستوردة التي تعتبرها بداية لافلاس موازناتها المالية وربما مؤشر على اضطرابات اجتماعية قادمة لأنها بكل بساطة لا تملك البديل الذي يهدئ الجبهة الاجتماعية، هذه الجبهة يمكنها أن تمتص الظلم لسياسي ولكنها لا تصبر أمام القهر الاجتماعي!

دولة مثل مصر بدأ الناس يموتون فيها من أجل الحصول على رغيف الخبز، وهذا وحده مؤشر يعكس الأوضاع الصعبة جدا لتسيير هذا الملف! والقول انها دولة فقيرة لا يبرر هذا الوضع لأنه في مستوى آخر دولة مثل السعودية تشهد حراكا اجتماعيا غير طبيعي لمواجهة موجة الأسعار المرتفعة، ودولة مثل الإمارات، الغنية جدا، شهدت في فترة وجيزة جدا إضطرابات عمالية غير مسبوقة في تاريخ الخليج كله!

الحلول اللحظية لا يمكن أن تحدث في الوقت الضائع، والحلول الاستراتيجية لن تثمر إلا بعد عقد من الزمن، بقي هناك البحث عن المسارات المختصرة في التاريخ لتجنب الكوارث!

ويمكن أن نشير على عجالة إلى بعض المنافذ التي لا نقول أنها حلول ولكنها وضعيات انتقالية تسمح بتأخير المصائب على أمل أن تثمر الحلول الاستراتيجية هذا إذا تم وضعها حيز التنفيذ طبعا.

الاستثمارات الاستراتيجية في ميدان الزراعة الاستهلاكية، بدلا من تضييع الأموال في العقارات وتطوير البنايات لمضاهاة الدول الكبرى في حين أن أساسيات معيشة المواطنين غير مؤمنة!