ذكريات

استاذي الشيخ صالح محجوبي.. بعض الوفاء..

بقلم: رياض حاوي

كان صيف 1984 هو صيف انفتاح الوعي على شيء اسمه الصحوة الإسلامية وواجب التغيير وكانت حلقات الشيخ لخضر هي بدايات الفهم ان هناك رسالة للمسلم يجب ان يؤديها في هذا الوجود أسوة بالأنبياء، ثم تعرفنا على مسجد صغير تقام فيه حلقة كل صلاة الجمعة بعد العصر، ويؤمها شباب الصحوة من كل حدب وصوب، المسجد يقع بمحاذاة باب … المدخل الرئيسي للقصر العتيق من جهة مستشفى بوضياف، نسيت اسم الباب، وقد علمت فيما بعد ان هذه الحلقة تأسست منذ السبعينات على يد أستاذ فلسفة سوري يسمى خالد الشنتوت، وقد استمرت حتى كنا من روادها في 1984.. وسأعود في بطاقة لهذه الحلقة وللشيخ السوري… صالحمحجوبي

في تلك الأثناء كان كل الشباب المتدين وأبناء الصحوة يشدون الرحال إلى مسجد بوعافية (أبي ذر الغفاري) لصلاة الجمعة فيه، كان هناك شيخ مميز وخطيب مفوه وقارئ قرآن لا نظير له في مدينتنا وبلا مبالغة في كثير من المدن الأخرى إذا لم أقل الجزائر كلها.. وهو الشيخ صالح محجوبي.. في تلك السنة كان والده لا يزال على قيد الحياة وقد آلت له مشيخة هذا الجامع، شيخ مهاب صورته لا تزال راسخة في ذهني، ولا أبالغ اذا قلت انه قادم من عمق التاريخ الاسلامي وكانه حلقة وصل بين اجياله.. وقد شاهدته مرة او مرتين قبل ان يتوفى وقد تحدث مرة ابنه الشيخ صالح عن والده وعن لحظات وفاته.. 

كان يوم الجمعة يوما مميزا، فقد بدأنا نسمع لغة مختلفة لا يقراها الخطيب من أوراق الشؤون الدينية، خطيب يرتجل خطبته ارتجالا وله ثقافة واسعة جدا وحافظة قوية وكانه يقرأ من شريط معلق امامه.. وكان امتع ما في صلاة الجمعة، وكلها متع روحية ونفسية وتربوية، هي لحظة الصلاة، كان الشيخ صالح يقرأ القرآن قراءة لا عهد للناس بها… يحبره تحبيرا ويجوده تجويدا.. خاصة إذا قرأ خواتيم الصف… كنا نهتز اهتزاز وتحلق ارواحنا تحليقا بعيدا… 

لم يعد من الممكن ان نذهب للجمعة ونصلي في الصفوف الخلفية ولا نرى الخطيب.. وهكذا ولع الشباب بالجديد أصبحنا نبكر للجمعة تبكيرا شديدا حتى ولو تطلب الامر ان نصلي الصبح ونبقى في المسجد لفعلنا.. كان معنا الصديق بدر الدين ومهاوة وتوفيق وعلي وغيرهم من الشباب فكنا نحتل الصفوف الاولى.. ثم اصبحنا نجلب المسجلات ونسجل الدرس والخطبة لنستمع لها بعد ذلك.. 

قضينا الصيف على هذا المنوال.. واذا غاب الشيخ صالح لطارئ وكاننا لم نصل الجمعة.. 

كان من حسنات جمعية العلماء المسلمين انها من اجل الاجتماع بالمواطنين اكثر فقد كانت تنظم في المساجد درسا للتربية والتكوين قبل الجمعة.. واستمر هذا التقليد حتى بعد الاستقلال وإلى يوم الناس هذا، وكان الشيخ صالح يلقي دروسا في التفسير ويختار آيات متفرقة ويفسرها على مراحل مثل وصية لقمان لابنه.. واذا قال لقمان لابنه وهو يعظه..” وعادة يبدا الدرس بقراءة آيات من كتاب الله بصوته الرخيم الشجي… ثم يبدأ في التفسير، والاسقاطات على الواقع المعيش … 

انتهى الصيف وقد اصبحنا شيئا جديدا… 

ومع بداية السنة الدراسية كانت مفاجأتي الكبرى، وقد وصلت السنة رابعة متوسط، فعندما كنا ننتظر أستاذ اللغة العربية في القسم لأول مرة، فإذا بالشيخ صالح يدخل القسم، كانت فرحتنا لا تضاهيها فرحة، لقد انتقل الشيخ صالح للتعليم في متوسطة ابن باديس وكان من حظي أنه أستاذ اللغة العربية في فصلي.. 

لم تعد العلاقة فقط بين مريد في المسجد يسمع لخطبة الجمعة من بين آلاف المريدين، بل تلميذ مباشر.. وزيد بالزيادة.. الشيخ عاد يعرف اسمي.. 

قضينا سنة كاملة وكانت سنة حافلة بالأنوار، والفضل بعد الله تعالى يعود للشيخ صالح، فقد كان مربينا المباشر، ولم نكن نتعاطى معه كمدرس للغة العربية، بل كمربي نستفيد منه ونتعلم منه بشغف ونهم، ولم يكن يبخل كعادة ابناء الصحوة الاسلامية.. وربما ما وصلت اليه جزء مما زرعه فينا جزاه الله عنا خير الجزاء.. وبارك الله له في أيامه وانفاسه

https://www.youtube.com/watch?v=oYpAPPPsjw8