اصلاح التعليم العالي
كنت قد وعدت بالحديث عن اصلاح التعليم.. وكتبت عن مشروع نقل التمويل من الادارة الى الأباء ولقي اهتماما.. وأظيف هنا ملاحظات سريعة ربما تحتاج الى تعميق في وقت لاحق..
*********
ميزانية ضخمة ومخرجات ضعيفة
**************
عندما نرى ميزانية الدولة سنلاحظ ان المخصصات للتعليم عالية جدا هي الثانية بعد الدفاع والداخلية كلاهما يستهلك 35% بينما التربية والتعليم العالي والتكوين المهني يستهلك 25% من الميزانية وهي نسبة عالية جدا.. بميزانية مشتركة تصل الى 10 مليار دولار سنويا.. وهي ثلاث مرات أعلى من ميزانية الصحة مثلا.. لكننا بكل أسف رغم اننا نقتطع جزءا هاما من الميزانية للتربية والتعليم والتكوين لكننا لا نرى أثر لذلك في واقعنا.. ميزانية التعليم العالي لسنة 2018 تصل الى 2.6 مليار دولار.. وهي ميزانية ضخمة أيضا.. جزء منها يذهب للتسير بنسبة 53% عموما وجزء منها ميزانية التجهيز بنسبة 47% وبالنسبة لميزانية التسيير الجزء الأكبر تستهلكه كتلة الرواتب..
مهما انتقدنا وضعنا السياسي والاقتصادي ستبقى نقطة التعليم والتدريس والتكوين هي النقطة المشرفة في مسار دولة الاستقلال.. فالنموذج الجزائري جعل ملايين الجزائريين يلتحقون بمقاعد الدراسة.. فتعميم التعليم كهدف لدولة الاستقلال لا احد يستطيع ان يشكك فيه وقد تحقق الى حد بعيد ويصعب ان تجد جزائري عاجز عن الالتحاق بمقاعد المدرسة. لكننا اليوم نواجه استحقاقا جديدا وهو تحسين نوعية التعليم وتطوير المخرجات حتى تساهم المدرسة والثانوية والجامعة ومعهد التكوين المهني والمعاهد العليا في الاقلاع الحضاري المنشود.
الجامعة هي جزء من المنظومة الكلية.. مهما حاولنا علاج مشكلاتها فيصعب ان يتحقق شيء ذي بال.. لان الامور مترابطة.. يمكنك ان تجلب نفس المناهج المطبقة في سنغافورة واليابان وكوريا.. والمؤكد انها ستفشل.. لان الامر يتجاوز الجامعة هي جزء من محيط كامل.. هناك تداخل مع المنظومة الاجتماعية والاقتصادية والنظام السياسي..
التعليم والبحث العلمي
************
الجامعة لها مهمة اساسية وهي تكوين نخبة وقيادة المجتمع وعقله المفكر وهذه لا تتحقق الا بالنجاح في مهمتين اساسيتين: مهمة التدريس والتعليم.. ومهمة البحث العلمي.. ويجب ان ننجح في المهمتين..
يجب عدم الخلط بين المهمتين.. ونجاح مهمة التعليم والتكوين في الجامعة سيؤدي تلقائيا الى نجاح مهمة البحث العلمي فالثانية مرتبطة بمدى تقدم الأولى.
ولو تحدثنا عن نظام اصلاح ستكون اولوياتنا هي ثلاث معايير يجب ان نحققها:
معيار الكفاءة الاكاديمية
معيار الاستجابة لاحتياجات المحيط
معيار المساهمة في المنجز العلمي العالمي
معيار الكفاءة الأكاديمية
****************
معيار الكفاءة الاكاديمية يتحقق بمراجعة النوعية في ثلاث مجالات:
نوعية جمهور الجامعة.
نوعية التأطير الاكاديمي.
نوعية التسيير الاداري
نوعية جمهور الجامعة:
******************
يجب ان يضع هدفا وهو الاطاحة بالمقولة الخطيرة المنتشرة في الأوساط الطلابية:”الدراسة لمن استطاع والشهادة للجميع”..
الجامعة تقتل روح التفوق والنجاح.. المجتهد في الثانوية يجد نفسه غريبا في الجامعة.. الطالب المجتهد ربما يخفي اجتهاده حتى يموت الاجتهاد خوفا من تحقير زملائه له.. الطالب الذي يضع ربطة عنق مثلا للتعبير عن طموحه وانه يريد ان يرتقي ربما يضرب بالحجارة من قبل زملائه الطلاب..
هناك جامعات حول العالم تفرض على طلابها مستوى من الانضباط مدهش.. هل نستطيع فعل ذلك؟..
تقريبا لا يطرد الا المشاغب أو من ارتكب جريمة من الجامعة.. بعض الدول تستخدم المنحة لفرض انضباط على الطلاب.. لا تحقق المعدل الفلاني تلغى المنحة لمدة فصل دراسي او سنة.. هناك مليون طريقة لمعالجة الاختلالات.. وفرض الانضباط الدراسي.. بدون انضباط في التمدرس يصعب تحسن استيعاب الطلاب للمواد الدراسية..
والانضبط المدرسي يتحقق باعطاء صلاحية للجامعة باختيار جمهورها الطلابي.. دخول الجامعة ليس عملية تلقائية بل هي تتويج لجهد وثمرة تفوق ونجاح وقدرة على اثبات الكفاءة والجدارة. وعندما تصبح الجامعة قادرة على اختيار جمهورها الطلابي بعيدا عن المحاصة المناطقية وتوجيه الطلاب حسب الموقع الجغرافي فان الامتزاج الاجتماعية يتحسن.. ونوعية الجمهور الطلابي تتحسن.. وتتنافس الجامعات على استقطاب نوعية جيدة من الطلاب.. وينشأ تنافس بين الطلاب في الذهاب لجامعات بعينها نظرا لقوة ادائها العلمي وقوة التكوين فيها.. وربما يمكننا ان نضع تقييم للجامعات محليا… بين نجمة وخمسة نجوم وبدون نجمة..
المنظمات الطلابية
*********
هناك مشكلة حقيقية تعاني منها الجامعات الجزائرية وهي دور المنظمات الطلابية.. هذه القضية ترهق طاقم التدريس وترهق حركة نمو وتطور الجامعات وتفسد المناخ العام.. يجب ان يوضع قانون تاطير.. نحدد فيه بالضبط ما هو دور العمل الطلابي.. وما هو دور المنظمات الطلابية؟ هل نسمح لطالب في عمره 17 سنة التحق منذ بضعة أشهر بالجامعة كي يقود اضرابا طلابيا بسبب قضايا بيداغوجية او اختلافه مع برنامج التدريس؟ ما هي الكفاءة العلمية التي يملكها حتى يتدخل في هذا المجال.. وخاصة اننا نعلم جيدا ان هذه المنظمات تابعة لاحزاب فاشلة في المجتمع ولا تملك سوى الجامعة كي تحولها رهينة لها تمارس فيها عضلاتها.. متى يحق للطالب ان يقوم باضراب؟ وهل يسمح أصلا بوجود اضراب في الجامعة؟

نوعية التاطير الأكاديمي
*****************
والكفاءة الأكاديمية لن تتحقق بدون معالجة اشكالية التأطير.. ظروف التأسيس فرضت سياسات معينة وهي التسامح في النوعية بسبب قلة المؤطرين الاكادميين وقلة الكفاءات لكن الوضع الآن تغير..
اعرف في الجامعات الماليزية مثلا انه قبل قبول الاستاذ يقدم درسا نموذجيا امام لجنة من الاساتذة ويتم تصويره بالفيديو.. وتحكم اللجنة على قدراته..
ثم هناك نظام التقييم المشترك.. حتى الطلاب لهم حق تقديم ملاحظات عن اداء اساتذتهم المهني.. مثل الاستبيان الالكتروني.. وهذا معمول به.. يستحيل ان يتحامل كل الطلاب على اداء الاستاذ.. واذا تحاملوا عليه في قسم لا يمكن ان يتكرر ذلك في كل الاقسام وفي كل الفصول.. فضلا عن التكوين البيداغوجي للاستاذ الجامعي.. ودورات التدريب..
يجب اعطاء صلاحيات لادارة الجامعات في استقطاب الكفاءات العلمية والتنافس على الاساتذة الاكفاء.. وتقديم رواتب تحفيزية بحسب قوة حضور الاستاذ.. اما النظام الذي يوحد بين كل الاساتذة الذي ينشر مئة بحث والذي لا ينشر.. الذي له حضور دولي والذي لا تسمع به حتى اسرته ولا ينشر حتى في جريدة فانت عمليا تقتل الاجتهاد وتجهض الكفاءات الاكاديمية ولا تشجعها..
خلق سوق المقاييس والذين يعرضون البضاعة هم الاساتذة ومن يقتنيها هم الطلاب
وهذا من بين الاجراءات التي تخلق المنافسة.. ويحسن المخرجات.. كل استاذ يعرض بضاعته والطلاب يختارونه بمحض ارادتهم عبر المقاييس المتحركة.. اذا كان تخصص الميكانيك يحتاج الى 40 مقياس مثلا.. فان هذه المقاييس تاخذ بترتيب معين رياضيات واحد قبل رياضيات اثنين.. وفي كل سداسي لا تاخذ اقل من 5 مقاييس ولا اكثر من 8 مثلا.. فالطالب الضعيف ياخذ حسب قدرته والطالب الشاطر ياخذ حسب قدرته.. واذا كان هناك استاذان يقدمان رياضيات 1 فان الطلاب يسجلون حسب عدد المقاعد المطروحة..
ليس من المعقول ان يدرس الاستاذ 500 طالب ويصحح 500 ورقة هذا جنون.. وكذب على النفس وتحطيم للعقل الجزائر.
واللوغريتمات المعاصرة سهلة وميسرة.. كل العملية تتم عبر الكمبيوتر او تطبيق محمول في اليد في هاتف ذكي.. والمحاضرات تسجل حتى من لم يحضر يستمع لها متى يريد..
وكما ان هناك انضباط اداري يلزم به الطالب هناك انضباط يلزم به المؤطر الاكاديمي.. واعرف جامعات يدخلها الاساتذة ببصمة الاصبع ويخرجون منها ببصمة الأصبع.. حتى يضمنون حضورهم العدد المطلوب من الساعات يوميا للاشراف والتفاعل مع المجتمع الطلابي..
الجامعات حلول العالم مفتوحة الى 12 ليلا يوميا (المكتبة) و12 شهرا في السنة.. ومن اراد ان يختصر سنوات الدراسة يمكن ان ياخذ حصصا في ما يسمى السداسي القصير وهو عادة سداسي عطة ياخذه بعض الطلاب لاخذ مقاييس اضافية في العطلة.
معيار الاستجابة للمحيط.. والتفاعل معه
**********************
من اكبر الكوارث هي تضييع وقت طالب في تخصص لا ينفعه.. هذا اهدار لعمره وتضييع له.. واهدار لامكانيات الشعب دافع الضرائب واهدار لوقت طاقم التدريس والاخطر بناء شخص تائه ضائع يخرج من الجامعة بشهادة لا تساوي ما كتب فيها من حبر.. ويتحول الى شخص ناقم ومحبط ومضغوط نفسيا.. يجب تاهيل اكبر قدر من الطلاب لسوق العمل بحسب التحولات الاجتماعية والاقتصادية..
وقد شهدت في ماليزيا دورات تاسيس لتخصصات جديدة.. عندما اصبح الكمبيوتر اداة اساسية بدات كل التخصصات تبحث عن ادخاله في مجالها فمثلا ظهرت الحاجة لنشاة تخصص البيوتكنولوجي..
وقد تابعت جزء من ذلك حيث كانت زوجتي في احدى لجان تطوير البرنامج من الصفر بالتعاون مع كفاءات في المانيا وبريطانيا.. وبالفعل اوجدت الجامعة تخصصا جديدا يستجيب لحاجة السوق.. سابقا كان المستشفى يستعين بمهندس كمبيوتر للاشراف على شبكة الكمبيوتر ومعلومات المرضى لكنهم لاحظوا ان هؤلاء المهندسيين خبراء في الكمبيوتر لكنهم معدومي الخبرة في البيولوجيا والامراض وتقسيمات كريات الدم.. فنشات الحاجة لظهور تخصص يجمع بين الكمبوتر والبرمجة وبين المعرفة في علوم الحياة.. وكان تخصصا ناجحا.. واستقطب عشرات الشباب الصاعد.. وكانت نسبة البقاء خارج سوق العمل للخريجين لا تتجاوز 3 أشهر نظرا لحاجة السوق لهذا التخصص..
في بعض الدول يعينون رئيس الجامعة حتى من خارج الوسط الجامعي.. يكون مدير سابق لشركة صناعة سيارات او مدير في شركة محروقات أو سفير سابق في دولة عظمى.. او مدير بنك.. يساعده مجلس علمي.. وعادة تعطى لهم عقود لسنتين وتحدد لهم مهمة ادماج او تقريب الجامعة من المحيط.. وهؤلاء عادة ينجحون في ذلك بنسبة عالية جدا.. لانهم يقدمون اضافة للمجتمع الاكاديمي.. ويخلقون فرص للتفاعل مع المحيط..
المعيار البحث العلمي..
******************
يجب ان نشارك في المنجز المعرفي المعاصر.. وتكون لنا خطة واضحة.. ولابأس ان نقلد غيرنا.. فريق ليفربول يسمى باسم ليفربول رغم ان اللاعبين الرئيسيين ربما من بلد آخر.. هناك عشرات الكفاءات من الهند واليابان وروسيا وبولونيا وامريكا ياكلها التقاعد وتطحنها دورة الزمان يمكن استقطابها مثلما نستقطب مدربي كرة القدم العالميين.. ونتعاون معها في بناء قاعدة معرفية في جامعات نموذجية.. سرعان ما ينتقل تأثيرها الى الجامعات الأخرى.. يجب ان نجعل هناك هدفا لا تراجع عنه للمساهمة في المعرفة المعاصرة.. الخمس سنوات المقبلة يجب ان نفك العزلة المعرفية على انفسنا..
معيار تحسين التسيير الاداري
*******************
هناك اصلاح اداري مهم يتعلق بتوسيع صلاحيات الجامعات وتقليص سلطة الوصاية خاصة وزارة الجماعات التي تكبل انطلاق الجامعات وتعيق نهضتها..
ادخال انماط جديدة من التسيير وتمديد السنة الجامعية الى 12 شهرا والتكوين المتواصل.. اجراءات ملحة حتى تستطيع ان تلعب الجامعة دورها الريادي..
اللغة الانجليزية
***********
ثم لا ننسى لغة التدريس.. بقاءنا في فضاء اللغة الفرنسي ضيع علينا فرص اختصار مسارات التاريخ العلمي ومسارات البحث العلمي.. يجب ان ندمج اللغة الانجليزية بسرعة في جامعاتنا.. وشبابنا يتطلع الى ذلك بكل دينامكية..
هذه بعض القضايا الحيوية..
لكن المسألة اولا وقبل كل شيء تتعلق بالمنظومة الاقتصادية والسياسية ونظامنا الاجتماعي.. والجماعة جزء من هذه المنظومة.
دون عقل علمي
ودون رجال اقتصاد اكفاء
ودون علماء رياضيات وكفاءات في الفيزياء والتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والسياسية وبنسب عالية جدا لن تحدث نهضة وسنبق في تخلفنا حتى ولو كنا نملك جبالا من الذهب والفضة..
الطبقات (اذا استعملنا اصطلاح ماركس) الاجتماعية الجديدة.. هي طبقات تتمحور حول مستويات المعرفة وليس حول مستويات الدخل..