الاقتصاد

اعمل بجد، تمتع، وأصنع التاريخ


“اعمل بجد، تمتع، وأصنع التاريخ” هذا هو شعار شركة أمازون العالمية للكتب التي أسسها رجل الاعمال الأمريكي جاف بيزوس. الناس يتوقعون أن كل المهن يمكن ان تجعلك غنيا الا مهنة بيع الكتب. لكن هذه السنة أصبح هذا التوقع غير صحيح لأن اكبر بائع كتب عالميا أصبح الرجل الثالث الأكثر غنا بثروة تقدر بـ 64 مليار دولار متجاوزا عملاق البورصة وارن بوفيه وقليلا قبل بيل غايتز مؤسس ميكروسوفت وأورتيغا مؤسس علامة زارا.

عندما تخرج من الجامعة اشتغل بيزوس فترة في وال ستريت حيث كان الطلب على تقنيي الكمبيوتر متزايدا لكنه في 1994 استقال من عمله وقرر فتح متجر الكتروني في الانترنيت وكانت التجارة الالكترونية في بدايتها. لا أحد كان يتصور أن الكتب يمكن ان تجلب الثرورة، لكن هذا الرجل شعر بان الإنسان في حاجة الى تغذية عقله كما هو في حاجة الى تغذية بطنه. وبالفعل لم تمر الثلاثين اليوم الأولى على افتتاح متجر امازون الالكتروني لتجارة الكتب حتى باع كتبا في 45 بلدا وبلغت المبيعات عشرين الف دولار في اسبوع.

كان هناك تعطش عالمي للكتب وخاصة الانتاج الأمريكي الغزير والمتنوع ويعتبر الأمريكان فناني صناعة الكتب المعاصرة منذ اواسط القرن العشرين وكثيفي الانتاج في مختلف الميادين والمجالات.

والعالم من حولهم متعطش لهذه الكتب وللمعرفة. وكانت تلك هي الانطلاقة الحقيقية لهذا المشروع الناجح.

قفزت مبيعات أمازون من 500 ألف دولار سنة 1997 الى 107 مليار دولار سنة 2015، بعد ان نوعت من منتجاتها المعروضة ولكن بقي راسخا في ذهن زوار الشبكة العنكبوتية ان امازون هو موقع لبيع الكتب.. القديم والجديد.. وحتى المستعمل.

من مستودع بيته في بالفيو في واشنطن، كانت انطلاقة هذه التجربة التي عممت المعرفة ونشرت الكتب في العالم بأسعار زهيدة، وفي وقت قياسي يمكنك ان تحصل على آخر كتاب تريده أو أي كتاب آخر تحتاجه.

وطبعا ساعدت النقود الالكترونية العابرة للقارات عبر بطاقات فيزا كارت والماستر كارد على هذا الانتشار المهول.

ثورة التجارة الالكترونية بدأت بتجارة الكتب وهذا ما جعل صحيفة التايم تسمي بيزوس رجل السنة لعام 1999 لأن فكرة المخزن الالكتروني الذي يعرض آلاف عناوين الكتب ويوفرها بمجرد ضغطة الكترونية فتحت المجال لتوسع التجارة الالكترونية الى مختلف المجالات الأخرى، حتى انها اليوم في دول أمريكا واليابان وماليزيا وسنغافورة وغيرها تهدد التجارة العادية وانماط التسوق التقليدية بالذهاب الى المحل والبحث عن الاختيار وبعض الأحيان الاضطرار الى الذهاب لمحل مجاور وثالث ورابع حتى تمل اقدامك من المشي.

اليوم بضغطة زر يمكن ان تتصفح آلاف الكاتلالوغات وأنت جالس في بيتك وتشتري ما تحتاج من بضاعة من بلدك او من بلد آخر بعيد وتستلمها في بيتك عبر تطور خدمات البريد السريع. لما ظهرت الانرتنيت قال البعض هذا نهاية لمؤسسات البريد. وبالفعل لم يعد أي شخص في حاجة الى بعث رسالة بالبريد مجرد ايمال ترسل فيه ما تريد بما فيها صور أو مستندات. لكن ظهور التجارة الالكترونية اعادة انعاش خدمات البريد بل توسع الى عدة مؤسسات خاصة تقوم بتسليم المنتجات من مخزن الشركة الى بيت الزبون. وبتكلفة تقل في كثير من الاحيان عن شراء المنتج من محل مجاور، لأن صاحب البضاعة لم يدفع كراء المحل ولا راتب الموظفين.

فكرة التجارة الالكترونية توسعت حتى الى المطاعم الذين يعرضون خدمات غرية ووجبات أقل من المعتاد لرواد المطاعم بل توسعت الى الفنادق والخدمات السياحية حيث يمكن أن تحجز الفندق الذي تشاء بالسعر الذي تشاء في الوقت الذي تشاء بمجرد ضغطة على الفأرة.

بل ان جامعات عريقة تعرض كورسات ومقاييس جامعية على طلاب في مختلف الدول، وتستطيع ان تسجل في جامعة ستنافورد وجامعة لندن وطوكيو وبنسلفانيا وغيرها وتشارك في آخر محاضرات لكبار الأساتذة وتدفع مبلغا رمزيا لا يتعدى 49 دولار ويتم اختبارك وأنت جالس في بيتك بطرق فنية معينة وتحصل على شهادتك ممهورة بختم عميد الجامعة. وهناك مواقع متخصصة مثل موقع كورسيرا وموقع اكاديمية خان.

خان شاب بنغلاديشي أمريكي كان يعمل هو أيضا في بورصة وول ستريت، ولما ظهر اليوتوب قرر أن ينزل محاضرات تعليمية تتعلق بشراءالأسهم والبيع في البروصة لأبناء عمومته وأصحابه في بنغلاديش بلده الأم. وقد سمع ملاحظة من احد أبناء عمومته باننا نستفيد من فيديو اليوتوب أكثر مما نستفيد لو أنك أنت شخصيا موجودا أمامنا لأنه ببساطة يمكننا أن نعيد اليوتوب في الوقت الذي نشاء ونكرر المحاضرة مرات ومرات ولكن لا نستطيع أن نطلب منك أنت أن تعيدها علينا مرات كثيرة. فانقدحت فكرة في رأسه وهو ضرورة تأسيس أكاديمية تعليمية لمختلف التخصصات وهي عبارة عن مكتبة الكترونية لمواد الفيديو التعليمية فأسس مؤسسة خان للتعليم التي تعتبر رائدة من رواد نشر المعرفة والعلم في العالم.

تجارة الكتب عبر الانترنيت ليس فقط جلبت ثروة ومال لصاحب الفكرة ولكنها غيرت وجه التجارة العالمية ونشرت المعرفة بشكل غير مسبوق. سابقا كان من الصعب نشر كتاب خارج نطاق ضيق لكن الآن أصبح للكتب زبائن عبر الكرة الأرضية وفي مختلف الدول.

الجيل الذي سيولد الآن ولاحقا قد يصعب عليه فهم كيف كنا نبيع ونشتري نحن ومن قبلنا.