الأزمة المالية ونظام الكفالات
بقلم: مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا السابق
ترجمة: رياض حاوي
كنت مؤخرا في انكلترا وكانت الصحف مليئة بالتقارير الكئيبة عن حالات فشل البنوك والأعمال المصرفية، وإغلاق شركات معروفة مثل Woolworths وBaratt، وزيادة معدل البطالة مع الاستغناء عن 70000 من المهنيين عاليي الكفاءة من ضمن 2 مليون شغيل تم الاستغناء عنهم أو غير قادرين على الحصول على وظائف وكان هناك عدد كبيرا جدا من الأنباء السيئة الأخرى.
الحكومة البريطانية مشغولة بانقاذ المصارف والشركات بمئات المليارات من الجنيهات ولكن يبدو أن الاقتصاد قد توجه إلى الكساد على الرغم من كل هذه الجهود وليس هناك ما يشير إلى أن الأزمة سوف ترى طريق النهاية قريبا.
يمكن لماليزيا أن تشعر الآن بأنها محظوظة بسبب كل ما قمنا به من اجراءات أثناء الأزمة المالية لسنتي 1997 و 1998 والتي أدانها الاقتصاديين في أوروبا وأميركا، ويجري حاليا القيام بها بشكل صارخ وعلى نطاق واسع. إنهم يتحدثون عن ترليونات الدولارات ومئات المليارات من الجنيهات للقيام بالكفالات. والسؤال: من أين تأتي هذه الأموال؟ إنهم لا يحددون مصدرها! هل قاموا بادخار هذه المبالغ الضخمة لمثل هذه الطوارئ؟
لست خبيرا ماليا ولا حتى اقتصادي ولكن على نحو ما اعتقد أن نظام الكفالات لن يؤدي إلى نتيجة على الرغم من أنها حققت نتائجا ايجابية في تجربتنا نحن.وذلك لأن البنوك والشركات التي قمنا بدعمها لم تدخل في المشكلة بسبب أنها أساءت استخدام النظم أو انغمسوا في الغش والتزوير، انهم وجدوا أنفسهم في هذا الوضع اضطرارا بعد انخفاض قيمة العملة الوطنية بسبب تلاعبات تجار العملة فوجدوا أنفسهم غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم ولذلك بمجرد ما تحصلوا على تمويل اضافي من خلال التكفل الحكومي تمكنوا من انجاز اعمالهم والعودة إلى الميدان ومن ثم تسديد القروض التي تحصلوا عليها.
وهذا كان ممكنا لأنه على الرغم من أن ماليزيا كانت في حالة ركود اقتصادي إلا أن بقية العالم لم يكن كذلك ناهيك عن وجود قيود أقل لممارسة الأعمال التجارية.
الوضع اليوم مختلف تماما!
انهيار اقتصادات البلدان الغنية هو نتيجة تجاوزات واسعة للنظم المالية والنقدية لدرجة أن أنظمة انهارت تماما ولذلك أشك (لست خبيرا حتى أجزم ولا يسعني إلا الشك) أن ملايين الملايين من الدولارات لانقاذ فشل البنوك والمؤسسات المالية أن تكون قادرة على انقاذ الاقتصاد.
ويرجع ذلك إلى ضخامة الخسائر الناجمة عن الغش ولذلك من المتعذر استعادة مليارات من الدولارات فقدت من خلال الأعمال العادية، أي من خلال تمويل إنتاج السلع والخدمات. ليس امامهم سوى القيام بنفس الأشياء التي أدت إلى هذا السقوط المدوي، أي من خلال قروض الرهن العقاري الثانوي، ومن خلال الاستثمار في المشتقات وصناديق التحوط، ومن خلال اقرار قروض ضخمة لتجار العملة.. الخ
فهل بوسع هؤلاء تسديد المليارات التي تلقوها كدعم وكفالات من خلال القيام بأنشطة عادية؟
من الواضح أنهم لن يسمح لهم بالقيام بالانغماس في نفس الممارسات التي أدت إلى تلك التجاوزات. والواقع انه بالقيام بأعمال طبيعية وعادية سيحتاج الأمر لسنوات وسنوات حتى يتم تسديد القروض وأموال الدعم فضلا عن استرجاع الأموال الباهضة التي ضاعت أثناء هذه الأزمة. وفي نفس الوقت كل هذه المؤسسات المالية والبنوك وبيوت الاستثمار والشركات الضخمة التي أصبحت عاجزة ستصبح في ملكية الداعمين إي الحكومات وبمعنى آخر أن هذه المؤسسات أصبحت مؤممة فعليا. وهذا سيؤدي إلى نهاية أسطورة الرأسمالية والسوق الحرة.
وتجدر الإشارة إلى أن بلدان شرق آسيا لم تبرأ بعد من أزمة عامي 1997 – 1998 فعملاتها لم تستعد بعد قوتها بنفس مستوى ما قبل الأزمة، كل هذه الدول أصبحت أكثر فقرا أو على الأقل لم تعد غنية بنفس المرتبة التي كانت سابقة للازمة فقد كان من الممكن ان يكونوا اكثر غنا إن لم تكن تلك الأزمة.
الأمر نفسه سيتكرر مع البلدان الغنية لأن الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد من الدخل قبل الأزمة لن يعود إلى نفس المستوى رغم التريليونات التي ينفقونها على كفالات المؤسسات والشركات وهم الآن أكثر فقرا مما كانوا عليه. ولكن مما يؤسف له أن الدول الفقيرة ستزداد فقرا !