الاستثمار.. واحلام اليقظة
الاستثمار جوهره التضحية.. التضحية بما في اليد املا لتحقيق مكاسب احسن في المستقبل.. يعرف ذلك كل من باشر مشروعا ولو كان فتح بقالة صغيرة في الحي.. والاستثمار غير ممكن مالم يتوفر رأس مال تشغيلي مهما كان صغيرا..
فالذي ينوي فتح بقالة يضحي بما يتاح له من رأس مال لاجل تاجير وتاثيث وتعمير البقالة ثم بداية البيع والشراء وقد تمر عليه اشهر بل سنوات قبل ان يتوازن دخله وصرفياته..
وكان يمكنه ان يستهلك راس ماله في شراء ما لذ وطاب.. لكن احساسه العميق ان هذه التضحية ضرورية من اجل ضمان المستقبل.. فضحى بلذات اللحظة من اجل مكاسب المستقبل..
ولذلك جوهر الاستثمار.. التضحية.. نشاهد ذلك في احوال الناس العاديين الذين يبدؤون مشروعا صغيرا وكيف تمر عليهم سنوات عجاف قبل ان يستقيم حالهم وتبتسم له الظروف..
وما يصدق على الأفراد يصدق على الأمم والدول والشعوب.. دون تضحية وصبر على مرارة الزمن وقسوة الظروف ونظرة للمستقبل بكل أمل وروح متفائلة واجتهاد ومثابرة ومصارعة لكل الصعوبات لا نحلم بمستقبل مشرق..
لم تبلغ اليابان ما بلغت باحلام اليقضة ولكن بعمل متواصل واكثر من جيل دفع الثمن غاليا من وقته وصحته وثابر واجتهد قبل ان تصل اليابان الى ما وصلت له.. وسمعت مرة رئيس وزراء سنغافورة ذهب في زيارة فجائية لورشة عمل ودخل مخدع النوم فوجد عاملا ملتحفا غطاءا يستر نفسه حياء من مقابلة رئيس الوزراء وهو لا يملك ملابسا كاملة.. وبقي ذلك المنظر مؤثرا في رئيس الوزراء يكرره في كل مناسبة مذكرا الاجيال الجديدة بتضحيات الاجيال السابقة قبل ان تبلغ سنغافورة ما بلغت من مدنية وتقدم وعيش كريم..
وعلى صعيد الدول لا يكفي ان تكون الارض غنية بالخيرات والمواد الاولية ما لم يتوفر الرأس مال التشغيلي.. الذي يشغل الخيرات.. واذا اخذنا اوروبا وامريكا كنماذج فان الاختراعات الكبرى لم يكن من الممكن ان تبلغ ما بلغت لولا توفر الدعم المالي اللازم الذي يحول مصباح اديسون الى انجاز حضاري يعم امريكا والعالم.. فاديسون او اي مخترع اخر وهو مستثمر في المعرفة يملك قدرا محدودا من الثروة ويحتاج الى دعم راس مال حتى يتحول اختراع في مخزن وراء البيت الى اختراع يضيء شوارع العالم.. والتجربة الغربية بينت ان اغنياء مقتدرين مهما بلغت ثروتهم لا يستطيعون بمفردهم تحويل فكرة السكك الحديدية الى واقع يعم المدن ولا فكرة الكهرباء الى حقيقة تضيء العالم.. وهنا تبدو اهمية نشات سوق المال لتمويل المشاريع وزراعة الاراضي وانعاش الحقول وبناء المصانع.. قد تكون لك اراضي خصبة وشباب متحمس وسماء ممطرة ولكن كل ذلك عناصر خام لا تعني شيء ما لم يتوفر راس المال الذي يجمع هذه العناصر ويمزج بينها..
وهنا يطرح التساؤل: رأس المال؟ من أين؟ ن كيف يتكون؟ هل يأتي قبل الاستثمار؟ ام بعده؟
وأمام هذه النقطة تدور جدليات اللحظة المعاصرة..
هل نفتح أبوابنا للرأس المال العابر للقارات ونفتح الابواب امام الاستثمارات الاجنبية ومعها نكسب مرتين: مرة بتوفر راس المال التشغيلي.. ومرة بنقل المهارة والخبرة مع المستثمر الاجنبي الباحث عن سوق و الباحث عن ارباح… وهو النموذج الاسيوي.. فاليابان وكوريا والصين وتايوان وماليزيا والفلبين واندونيسيا وتايلاندا والفتنام كلها استفادت من راس المال العابر للقارات القادم من الغرب والباحث عن ارباح جديدة.. كان قوة تشغيل وفي نفس الوقت ناقل للخبرة والمهارة.. ولازلت اذكر مجموعة من المهارات والكفاءات الماليزية كانوا يعملون في مصنع نستله للحليب.. ثم قرروا انشاء مصنع خاص بهم بدعم من بنوك محلية وهو الان من اشهر المصانع في مجاله ومنافس شرس لشركات دولية.. وهذا نوع من انواع نقل الخبرة والمهارة..
ونحن في امس الحاجة لهذه الخبرة والمهارات…
وهناك تجربة دول الخليج خاصة الامارات وقطر والى حد ما السعودية في اعادة استثمار عائدات النفط الفايضة والزائدة عن الحاجة واستقطاب كفاءات عالمية ومهارات فنية وبناء نماذج ناجحة من مصانع ومؤسسات خدماتية بمواصفات عالمية.. ة..
وهناك طريق ثالث وهو طريق تطوير النظام البنكي بحيث تكون البنوك وسيط ايجابي بين ادخار الافراد.. ملايين الافراد وبين اصحاب الافكار ورواد الاعمال الذين لا تنقصهم الارادة ولكن ينقصهم راس المال التشغيلي.. فشراء المعدات وبناء المشاريع وشراء المواد الخام يحتاج الى مال.. ومهما كان المرء غنيا فان راس المال التشغيلي اليوم يفوق الطاقة المالية لاغنى الاغنياء.. ولذلك تبق المشاريع صغيرة لانها تعتمد على راس مال محدود.. سرعان ما يختنق مع اول توسع او اول هزة مالية بسبب ظروف السوق…
تجربة تطوير سوق مالية لا تزال محدودة في بلادنا رغم انها بلغت شاوا متقدما في الغرب ..
والمؤسسات المالية في الغرب تلعب دورا اليوم في نقل ملكية الشركات الكبرى الى ملايين الافراد عبر اسواق الاسهم او الصناديق والمحافظ المالية التي تضخ في سوق الاستثمار.. وخذ لذلك شركة فيس بوك عندما عرضت في سوق الاسهم استقطبت ستين مليار دولار.. او موقع علي بابا الصيني للتبادل التجاري استقطب ملايير الدولارات.. وفي نفس الوقت المخاطر موزعة على ملايين الناس…
والمؤسسات المالية التي هي وسيط بين الجمهور العريض والنشاط الاستثماري تقوم بدراسة المخاطر.. واتخاذ خطوات للحد منها.. واهم دور هو توفير راس مال تشغيلي للنشاط الاستثماري…
والواقع ان تخلف النظام البنكي وعدم تطور المؤسسات المالية كما هو حال الجزاير اليوم هو احد اهم معوقات الاستثمار..