الاقلاع الكندي.. دروس للجزائر
كثيرا ما الح في هذه المداخلات على دراسة التجربة الغنية في الغرب ليس باعتبار الغرب كتلة واحدة متجانسة بل باعتبار الغرب اهم حقل للتفاعلات الفكرية وتناطح النظريات الاجتماعية في التغيير وصراع الأفكار..
ما نعتبره واحد ومتناسق ومنسجم في عمقه متعدد ومتنوع ويمكن ان نستفيد من هذا التنوع عبر القراءة الواعية له..
التجربة الكندية تستحق ان نقف عندها نظرا لاهمتها لعلها تلهمنا بعض الدروس في محاولتنا لفهم ما يحيط بنا..
العالم الغربي وبخلاف ما يتصور الكثير كان اكثر اشتراكية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، طبعا الكثير لا يتحدث عن الاشتراكية بشكل مباشر ولكن يتحدث اكثر عن مدى تدخل الدولة.. اكثر تدخلا او اقل تدخلا.. ولعبت الكنزية دورا في تسويق الاشتراكية تحت شعار تحفيز الاستهلاك عبر استعمال الدولة كقاطرة لتحفيز الاستهلاك.. ففي بريطانيا كان حزب العمال سيد الموقف وكذلك امريكا حيث لعب روزفلت وبرنامجه “الصفقة الجديدة” (New Deal).. كانت معظم السياسات الغربية تدخلية كنزية.. وهذا ما صرح به نيكسون “كلنا كينزيون” (اشتراكيون ولكن في لباس رأسمالي)..
العالم الغربي وبخلاف ما يتصور الكثير كان اكثر اشتراكية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، طبعا الكثير لا يتحدث عن الاشتراكية بشكل مباشر ولكن يتحدث اكثر عن مدى تدخل الدولة.. اكثر تدخلا او اقل تدخلا..
آثار الكنزية بدأت تظهر في السبعينات عندما قفزت معدلات التضخم الى ارقام فلكية فوصلت الى 11% في امريكا وفي اليابان وفي بريطانيا.. وكذلك كندا.. ولان الاقتصاد الكندي كان صغيرا وشبه ريعي لم يتاثر كثيرا، ولعب بيار تودورو والد رئيس الوزراء الحالي دورا اساسيا في تسويق مزيد من السياسات التدخلية من 1968 الى 1884 حيث خسر الانتخابات عندما توقفت عجلة الاقتصاد الكندي تماما..
فكرة الدولة التدخلية اكثر جاذبية وصرح حينها بيار ترودو بما يلي:”في مقابل “اليد الخفية” للاقتصاد لادم سميث، يجب ان تكون “يد ظاهرة” للسياسين الذين يهدفون بناء مجتمع متكافل وانساني” وهذه الجملة وحدها تشرح السياسة الاقتصادية التي مضى فيها.
رفع الضرائب بشكل عالي جدا..
توسيع مصاريف الدولة الاجتماعية..
تاميم كثير من الشركات لتحويل الارباح لخزينة الدولة..
توسيع السياسات الحمائية ضد المنافسة الأجنبية..
ومنطقيا توسيع الكتلة النقدية اكثر من المنتجات والخدمات الفعلية لتمويل برامج الحكومة وتمويل الاقتصاد..
الحزمة التدخلية التي تشبه الى حد كثير ما كان وما هو ما زال قائما في الجزائر وفي كثير من الدول التي تشبهنا.
وطبعا بمرور بضعة سنوات تبدأ النتائج في الظهور.. التضخم.. ارتفاع البطالة.. وزيادة العجز الحكومي..
بالضبط هذا ما يشبهنا في كثير من تفاصيله.. عندما تنفق الحكومة اكثر من مداخيلها واكثر مما يتحمله جهاز الضرائب.. تقع نفس النتائج حتى في بلد مثل كندا..
كندا البلد الصغير كان يتعثر سنة بعد اخرى، وفي الساحة العالمية حدث تغير مهم.. ففي نهاية السبعينات استلمت المحافظة تاتشر رئاسة الوزراء، ومعروف انها كانت تستدل كثيرا بالاقتصادي والفيلسوف النمساوي البريطاني هايك.. واستلم ريغان رئاسة الجمهورية وكان يستدل بفريدمان ميلتون.. وظهرت قوى سياسية جديدة في عمق الغرب تؤمن بتقليل تدخل الدولة في النشاط الاجتماعي الاقتصادي.. وظهرت السياسات الجديدة في التخفف من تدخل الدولة وفسح المجال للاقتصاد والمجتمع ليتنفس..
وبالفعل غادر بيار تيدور رئاسة الوزراء سنة 1984 وشعبيته في حدها الادنى.. فقد توقفت عجلة الاقتصاد الكندي وانتصر المحافظون باغلبية ساحقة.. واستلم رئاسة الوزراء رجل الاعمال بريان ميلروني وتم ادخال اصلاحات اقتصادية جوهرية قبل وقوع الكارثة.. لان الاستمرار في نفس المسار يعني الكارثة. وحدثت حزمة تغييرات
المفاوضات حول نافتا اتفاق التجارة الحرة مع الولايات المتحدة
تخفيض الضرائب
خوصصة الخطوط الجوية الكندية
خوصصة شركة بترول كندا
ومع ذلك كان من الصعب التخفف من الانفاق الحكومي وخاصة السياسات الاجتماعية التي تمول بالعجز في الميزانية.. حيث بقي العجز مرتفعا.. والانفاق في تزايد.. مع انخفاض الضرائب..
ولان السياسة في الغرب دينامكية فقد عاد الحزب الليبرالي لبيار تودور الى الحكم في 1993 ولكن هذه المرة تعلم الدرس وطلق الافكار التدخلية ووعد بحزمة اصلاحات جديدة.
واتباعا لنهج بريطانيا كانت رئيسة الوزراء 19 لكندا هي السيدة كيم كامبال.. ربما السياسية الاقتصادية “الغير شعبية” اذا تمم تمريرها عبر وجه سيدة ناعمة يقبلها المجتمع بخلاف رجل خشن الملامح..
لا يمكن ان يكون هناك تحسن في مستوى المعيشة اذا لم يكن هناك تحسن في الاقتصاد.. ليس هناك طريق ثالث..
ولن يتحسن الاقتصاد.. اذا بقي المجتمع مكبلا بالقيود.. لان المجتمع هو الذي ينتج الثروة.. والدولة تحميها.. هذه هي الابجديات..
بول مارتان (Paul Martin)
لفهم الوضع جيدا كانت كندا مطلع التسعينات على الرغم من جهود المحافظين الأعلى دينا ضمن مجموعة السبعة الكبار، والأكثر انفاقا.. والوضع ينذر بانفجار الدين الخارجي.. عندها استلم وزير المالية بول مارتان وكان له دور في خض الاقتصاد.. وبدأ بالخطوة الأصعب وهي تقليص الانفاق الحكومي.. وفي خطابه امام البرلمان الكندي قال ما يلي:”لقد حان الوقت للحكومة كي ترتب بيتها المالي. منذ عقود كانت الحكومات تعد وعودا لا تستطيع الوفاء بها.. في السنوات الثلاث المقبلة امام كل دولار نجمعه من الايرادات الجديدة يجب ان نخفض خمسة دولارات من النفقات الحكومية”
ويمكن تلخيص حزمة بول مارتان والذي اصبح رئيسا للوزراء حتى سنة 2006:
تقليص الانفاق الحكومي
تقليص برامج الرعاية الاجتماعية حيث بقي حوالي 45% فقط يحصلون على دعم البطالة..
تخفيض مشاريع الاسكان العمومي من 20000 وحدة سنويا الى 2000 وحدة في السنة فقط
فتح عقود العمل وتخفيف القيود على حركة التوظيف
قام بنك كندا بتخفيض نسبة الفائدة مما وسع القروض وحرك عجلة الاقتصاد، وهنا توسعت مداخيل الحكومة بسبب الضرائب.
بعد خمسة سنوات اي في سنة 1998 قدم مارتن ميزانية متعادلة دون عجز وهذا لم يحدث منذ 35 سنة.
الجزائر تقريبا لها وضع مشابه من الناحية الاقتصادية
وتقريبا المسار نفسه يجب ان نخوضه، هذا الصباح تشير البورصة الى انخفاض سعر النفض باربعة دولارات بين امس واليوم للبرميل الواحد..
الحزمة الاقتصادية هي نفسها
تقليص نفقات الحكومة الى الحد الادنى وتوقيف كل البرامج التوسعية التي تديرها البيروقراطية لانها ستؤدي حتما الى اهدار الموارد القليلة
تخفيف اجراءات تاسيس الشركات
وضع سياسات مالية قادرة على تحفيز الاقتصاد
والا
الاختناق والاضرابات الاجتماعية
جهة ما يجب ان يدفع التكلفة.. اما المجتمع في استقراره.. واما الحكومة في مصاريفها غير المبررة