البورصة في دولة متخلفة
رياض حاوي
الكثير يعتقد أن البورصة أشبه بأماكن القمار، وان شراء الأسهم أشبه بشراء ورقات الحظ (حك تربح) وهذا بكل تأكيد صحيح!
ولكن أين؟
الجواب: صحيح في دولة متخلفة لديها شبه شبه اقتصاد أو لا تملك اقتصادا أساسا!
الدول المتخلفة تعتبر البورصة واجهة ديكورية مثل صالونات الاستقبال التي تقدم للخواجة على أنها علامة من علامات التحرر والسير في ركب الأمم. طبعا الخواجة يعرف جيدا المدخلات والمخرجات، وفي لحظة يستطيع أن يقيم نشاط البورصة، لأن نشاط البورصة علم ولا يقوم على الحظ.
هكذا ولدت فطريات البورصة في الدول المتخلفة وهي تراهن على الوهم لأنها تتصور بأن تجهيز بناية بشاشة عرض وملحقة بكمبيوترات كاف لأحداث النقلة الاقتصادية المنشودة بينما في واقع الحال قدموا أنفسهم مادة للفكاهة والضحك عليهم في المجالس.
ولذلك أصبت بالدوار قبل بضعة أسابيع عندما قرأت في الصحف بأن “مجلس الحكومة يريد أن يفعل نشاط البورصة”
وبقيت أتساءل كيف سيفعل هذا النشاط؟
هل بشراء شاشة عرض سامسونغ أو شاشة عرض سوني؟
وهل قرر مجلس الحكومة بأن يكون لون الأسهم الصاعدة أزرق بدلا من أخضر ولون الأسهم النازلة أصفر بدلا من أحمر؟
أو بقرار إداري يفرض على الشركات الخاصة والعامة دخول البورصة رغما عن أنفها! مثل الذي يجبر طفلا صغيرا على دخول حلبة ملاكمة! والطفل يبكي ويرتجف ويصرخ وولي أمره يرغمه على دخول المنازلة!
ألا يمكن ولو لمرة واحدة أن نتخذ قرارا صحيحا ونطبقه بطريقة سليمة!
فطريات البورصة موجودة هنا وهناك والجرائم المالية في حق المواطنين المساكين متداولة في الكثير من الدول “المتخلفة” التي أصرت على فتح “قاعات” للبورصة بدون أية احتياطات فنية بحدها الأدنى لحماية المواطنين من الاحتيال المنظم والذي يتم بصورة علمية راقية!
طبعا لا احد أرغم أحدا على أن يأخذ مدخراته المالية ويذهب لشراء الأسهم في هذه الشركة أو تلك، ولكن الأجواء غير الصحية التي يساهم فيها الإعلام خاصة التلفزيوني الذي يقدم قراءات متسرعة وجزافية وتضاف لها موضة التقليد في كل شيء وفي أي شيء كل ذلك يساهم في جلب الناس للمصيدة. وهؤلاء المواطنون يبحثون عن تحسين قدراتهم المعيشية ولكنهم غير مهيئين لدخول هذا العالم فلم يتلقوا أي تكوين ولم يسمعوا في حياتهم بدراسة جدوى الأسهم فيجدون أنفسهم ضيعوا مستقبلهم المالي وورطوا أنفسهم ورطة العمر. فهم لا يملكون رصيد مناسب للتداول وكل ما في جعبتهم معنى اللونين الأخضر السهم صاعد اشتري والأحمر السهم نازل بع… فقط.
ولا أذهب بعيدا، فقد قدم الفكاهيان عبد الله السدحان و ناصر القصبي رائعة فكاهية نقدية هادفة جدا عندما عالجا موضوع تداول الأسهم في إحدى حلقات مسلسل طاش ما طاش وهذه الحلقة تلخص المأساة الملهاة في حكاية البورصة عندما تقام في دولة يقوم اقتصادها أساسا على الريع.
أولا البورصة لا تقام في صحراء قاحلة أو في بيئة معدمة اقتصاديا فالشركات شكلية والأرباح متوهمة والنشاط الصناعي تحت الصفر والزراعة في خبر كان أما القدرة الشرائية للمواطنين فهي في الحضيض.
الأبجديات تقول أن البورصة كانت البديل العملي لظاهرة الربا والاقراض بفائدة التي نهشت ولا تزال تنهش الاقتصادات الرأسمالية، ذلك ان أي شركة عندما تتوسع وتكبر تحتاج إلى سيولة مالية لتطوير مشاريعها، وهنا يكون أمامها خيارين اثنين:
إما اللجوء للبنوك (الربوية) التي تقدم قروضا قد تصل إلى 18% اجماليا، وليس هناك شركة تحقق أرباحا بهذا الحجم الكبير إلا إذا كانت شركة في بداية الطريق لم تصل إلى مرحلة الاستواء أو الشركات التي ارتبطت بالطفرات الاقتصادية كشركات تقنية المعلومات في نهاية القرن الماضي أو الشركات المرتبطة بنشاطات النفط والغاز في السنوات الأخيرة، وهذه الشركات بعد الطفرة تصل إلى مرحلة الاستواء والتشبع وتصبح نسبة الفائدة عبئ.
والاقتراض بالربا يجعل من السداد في غاية الصعوبة خاصة إذا كانت النتائج أقل من التوقعات بسبب المنافسة الحادة فتتضاعف النسبة الربوية بفعل عامل الزمن وحينئذ يتحول الرأس مال المقترض من دافع إلى عائق يعرقل تطور الشركة التي تكون منشغلة بسداد الأقساط.
الحل الثاني هو بيع جزء من قيمة الشركة للجمهور العام في شكل أسهم وسندات ويكون دور الجمهور هو المساهمة في رفع رأس مال الشركة ومقابل ذلك تتقاسم الشركة الأرباح مع الجمهور العام كما تتقاسم الأعباء معهم (المضاربة).
وأول بورصة بمفهومها الحديث نشأت في القرن السابع عشر في أمستردام عندما قامت الشركة العالمية للهند الشرقية بطرح اكتتاب عام للجمهور وذلك بطرح قيمتها المالية كأسهم. وكانت فكرة جنونية، ولكنها أقل جنونية من خنق نفسها في بوتقة الربا والربويين، فالشركة بدلا من أن تكون تحت سيطرة ورحمة الربويون تصبح تحت سيطرة ورحمة عامة الناس أي تحت حمايتهم، لأن مصلحتها هي مصلحتهم. في البداية كان التداول يتم في الطرقات والمقاهي ثم انتقلوا إلى بنايات أطلق عليها اسم البورصة، وأصبحت الأسهم والسندات نفسها تباع وتشترى بشكل مفتوح.
الأمور تطورت وتسارعت ثم جاءت التكنولوجيا المعاصرة لتجعل الأمر من ميسر بسيط إلى أكثر تعقيدا ويحتاج إلى خبرة وحنكة ومعرفة وتدريب وليس مجرد خبط عشواء بسبب اتساع السوق وتنوع المعروضات وفي نفس الوقت جعلت التكنولوجيا المعاصرة خاصة ثورة الانترنيت أمر التداول متاح لكل الناس في العالم. فبضغطة زر تستطيع أن تشارك بيل غايتس في رأس مال شركته، أو تصبح عضو نشيط في شركة اكسون أكبر شركة في العالم والتي يتجاوز حجم أعمالها مدخرات عشرات الدول.
المحتالون يريدون أن يلفتوا انتباه الناس فقط لصورة التيسير والسهولة التي توفرها التكنولوجيا المعاصرة ويجعلوا منطقة التعقيد في منطقة مظلمة لا يراها أحد لأنهم بكل بساطة يريدون طريقة سهلة وعلمية للاستيلاء على المدخرات وبمجرد ضغطة على الفأرة.
عندما يكون الناس محنكين ولديهم خبرة قرن في تداول الأسم فإنهم يستطيعون مغافلة أي “خبير” ينتمي إلى عالمنا وأي مسؤول لا يفرق بين الشموع اليبانية وخطوط فيبوناتشي.
لست ضد البورصة، على العكس أنا اعتبرها ميدان مهم لتعليم عامة الناس فقه “الدورو” وفلسفة “الدينار والدرهم” وحتى نخرج من وحل الطرقية والصوفية الذين شربوا الناس كأس الفقر وجعلوه دين يعبده المساكين ونعلمهم منهجا جديدا هو منهج الغنى بالله وذلك بالاعتماد على النفس والتوكل على الله، ولكن هذا الفقه لا يأتي بتقديم مدخرات الغلابى قرابين للجشعين يعبثون بها ويضيفونها إلى حساباتهم.
وهنا يأتي دور الدولة كمنظم لهذا العالم حتى لا تكون انعكاساته سلبية ونتائجه وخيمة كما حدث في بعض الدول العربية في السنوات الأخيرة.
ولذلك أعتقد أن البورصة ليست هي البداية بل هي ثمرة الازدهار الاقتصادي والتطور المعرفي وانتشار الحد لأدنى من الثقافة والوعي الاقتصادي، وليس وعي مدخلات ومخرجات القفة الأسبوعية.
هناك ثلاث أطراف يجب أن تساهم في خلق فضاء البورصة
1) رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات، وهنا نحن في حاجة ماسة لتأهيل هؤلاء بالمعرفة الاقتصادية حتى يفهموا الفرق الأساسي بين الاقتراض وبين فتح الشراكة مع الجمهور للاكتتاب العام. الاقتراض حل جزئي ومؤقت وليس حل استراتيجي ولا نعرف من يلجأ له إذا وجدت البدائل الناجعة إلا المفلس في رؤيته الاقتصادية.
لدي صديق فرنسي/جزائري يعمل في شركة معروفة في السوق الجزائري بتمويل احتياجات ما يسمى بالصناعيين. عمل الشركة متأسس على خوف ورعب كثير من الصناعيين من مواجهة الأمور على حقيقتها، وهذه الشركة تستثمر هذا الرعب لتحوله إلى أرباح لا تنتهي. الكل يعرف أن هذه الشركة لا تملك المواد الأولية وتقوم بشرائها من الهند والفلبين وماليزيا واندونيسيا والبرازيل، ولكنهم يفضلون التعامل معها بدلا من التعامل مباشرة مع المصادر ومع الشركات المنتجة للخامات، وذلك بفعل ما يعتبرونه “تسهيلات” تقدمها هذه الشركة!
والتسهيلات تتمثل أساسا في تأجيل الدفع مقابل “فائدة”.
وهكذا يصبح سعر الشركة الممونة = سعر المصدر + الربح + الفائدة + التأمين على العقد
ثلاث إضافات على السعر الأصلي لا يستوعبها كثير من رجال الأعمال ولا يشعرون بها وبمدى تأثيرها على تكلفتهم الإنتاجية. حقيقة هو لا يدفع الآن ولكنه سيدفع لاحقا وبأضعاف مضاعفة لأن الشركة التي تتولى عبئ “توفير” الخامات لا تقوم بهذا العمل لوجه الله!
ثم مَن مِن رجال الأعمال مستعد لأن يفتح ملفات شركته ليطلع عليها عامة الناس مثل ما يفعل بيل غايتس أو مردوخ أوشركة شال أو جنرال موتورز! أي شخص على وجه الكرة الأرضية يستطيع أن يدخل لموقع آم أس موني أو موقع ياهو فينانس وسيجد جرد للحصيلة الاقتصادية لمئات بل آلاف الشركات الدولية وبأدق التفاصيل! من من رجال الأعمال من يملك هذه الشجاعة!
بعض الشباب وفي اطار أبحاثهم الجامعية للتخرج قاموا بدراسات جدوى لدى بعض الشركات وجدوا صعوبة كبيرة في تحصيل المادة الأولية للبحث بسبب غموض الأنشطة وانحسار السجلات في ذاكرة المدير!
وبعض النتائج التي توصلوا لها أوحت بان الشركات مفلسة تأكل رأس مالها وجدران بناياتها دون أن تشعر ولا حتى أن يشعر المدير والأعوان بما يحدث.
فالبداية هي نشر الثقافة والوعي الاقتصادي بحده الأدنى وهنا تأتي مسؤولية الإعلام وأهمية تناول هذا العالم بعيدا عن زاوية الفضائح ونماذج الخليفة وما شابه ذلك فهذا يرسب في الوعي الجمعي نظرة سوداوية قاتمة تمنع من تحرير الاستثمار الفردي وهو في الحقيقة محرك أساسي للدورة الاقتصادية.
وفي هذا النطاق يجب المسارعة لتحصين التشريعات من الثغرات المفتوحة، فلا يسمح للشخص بالانطلاق في تداول الأسهم بيعا وشراء إلا إذا كان حاصل على شهادة تأهيل صادرة من مراكز تكوين تعتمدها الدولة وتشرف بصورة مباشرة على برامج التكوين بداخلها وتخضعها للمساءلة والمتابعة من وزارة المالية ووزارة التعليم. وهذه المراكز أكثر من ضرورية إذا كان صانع القرار يهمه أن يستفيد عامة المواطنين من “النمو” الاقتصادي وتطور عجلة الاقتصاد، لأن دخول عالم البورصة بدون مؤهلات وبدون حد ادنى من الوعي بالمخاطر معناه أن صانع القرار يريد ان يستولي على ما تبقى من مدخرات الناس التي يهدونه أياها في البورصة.
وفضلا عن ذلك هذه المراكز في حد ذاتها تخلق فرص عمل والأهم تخلق مهنة جديدة ستتطور لاحقا لتشكل نواة هيئات السمسرة (البروكرز) التي تقدم قراءات يومية لمؤشرات الأسهم ونجاعة الشركات وما إلى ذلك مما يتعلق بنشاط البورصة.
وفوق هذا كله يجب إيجاد مسطرة تشريعية صارمة حتى لا تدخل البورصة إلا الشركات التي تحقق نموا حقيقيا ويمكنها أن تحافظ على مدخرات الناس وليست الشركات التي تشبه نارا مشتعلة كلما تساعدها بما تملك من أوراق الدينار تعطيك مقابلا له رمادا أسودا.
وبعض الأصوات التي تريد البورصة من أجل دخول الرأس المال الأجنبي لا تعرف خطورة ما تهرف به من أفكار، لان الرأس المال الأجنبي العابر للقارات لا يأتي للنزهة وتقديم الدماء المالية لتضخ في الشرايين المتعبة هو يأتي لتحقيق الأرباح، فإذا لم تكن هناك أرباح من النشاط الاقتصادي، ولا اعتقد أن هناك ارباح مغرية تجلب الرأس مال الدولي، فإنه يأتي ليمتص ما يجده من دماء ويغادر على جناح السرعة قبل أن تنهار المؤشرات. والدرس في بعض دول الخليج لا يزال ماثلا للعيان لكل من يريد ان يأخذ العبرة ويستفيد من الاحداث.
وبكلمة مختصرة يجب أن نقتنع بأنه لن نقيم بورصة مثل بورصة ناسداك بين عشية وضحاها ومن يجعل أهدافه مثل هذا الهدف فهو يخدع نفسه ويخدع من هم حوله، يجب ان نبدأ بمرحلة الحبو والتعلم والتدريب حتى نصل إلى المستوى المقبول تدريجيا وليس بقفزة بهلوانية في المجهول.
نشر في أسبوعية المحرر