الاقتصاد

التأمين كغطاء والتعويض كوهم يباع

رياض حاوي

عورات التأمين التقليدي لم تعد مخفية فأبسط عامل في مؤسسة تأمين يتذمر من الطريقة التي تتم بها المعاملات التأمينية ويشعر بأنه وضع في مكان للنصب على عامة الناس الذين لا يفقهون شيئا في بوالص التأمين، حتى وكأن التأمين تحول إلى نوع من الاحتيال المحمي من طرف القانون! الأمر الذي دفع كثيرا من مؤسسات المجتمع المدني المختصة في حماية المستهلك إلى تقديم تقارير ضد شركات التأمين سواء تلك المهتمة بالرعاية الصحية أو خدمات التأمين المتعلقة بحوادث المرور أو الأكبر منها المهتمة بالتأمين الصناعي والتجاري وحيث يتم تداول بلايين الدولارات!

المنطق البسيط يطرح السؤال التالي:

لماذا نجد بوالص التأمين مكتوبة بلغة معقدة جدا جدا؟ لا يفهمها حتى من ساهم في صياغتها أول مرة! فلو عرضت عليه البوليصة بعد سنتين سيفشل في تفسير ما كتبه هو بنفسه!

التجربة الميدانية تقول: عندما تؤمن لا تجد أي مشكلة والعملية تكون أسرع من البرق ولكن عندما تطلب التعويض أي عندما تطلب من شركة التأمين أن تدفع لك هنا يقف حمار جحا في العقبة وستجد نفسك تحتاج إلى مجلدات لتفسير كل سطر من تلك السطور الصغيرة!

والمواطن البسيط يوقع على بوليصة التأمين ومستحيل أن يفهم ما كتب على ظهر البوليصة حتى ولو حاول وهو عادة ما يكتفي بالشرح الذي يقدمه له العامل في المؤسسة..

العامل سيقول لك: اشتري بوليصة التأمين وستشتري سلامتك الصحية وأمنك النفسي! كل ما يحدث لك نحن نقوم بتغطيته؟ لا تحمل هم!

لكن الحقيقة أمر مختلف تماما..

لنحسبها ماليا:

من أين تأتي شركات التأمين بالمبالغ المالية لتغطية المصاريف الناجمة عن طلبات التعويض!

الجواب: من المُؤَمِنين

لكن هؤلاء يدفعون أقساطا هي أقرب إلى التفاهة مقارنة مع الوعود التي تقدم لهم في حالة ما حصل لهم مشكل ما، خاصة في ظل السوق المفتوح للتأمين وحيث تتنافس الشركات في تنزيل الأسعار لكسب ود المواطنين.

في حين ان شركة كبرى مثل جنرال موتورز الامريكية التي لها غلاف مالي خيالي لا تحقق نسبة نمو أكثر من 5% سنويا وفي بعض الأحيان تكون نسبة النمو سلبية بحسب ظروف السوق، في حين ان شركات التأمين التقليدية تريد أن تقنعنا بأنها دائما رابحة سواء كان السوق صاعدا او نازلا!

الواقع أن أرباح شركات التأمين تأخذها من الحسبة الرياضية التي تقول بأنه من كل مليون (او عدد معين حسب المسطرة الاحصائية للشركة) مؤمن تقع حادثة لفرد واحد، وحينئذ نستعمل جزء من أقساط التأمين لتغطية احتياجات هذا الفرد والباقي يدور في خزائن الشركة!

إذن هذا هو السر: هي مسألة إحصائية! شركة التأمين لا تدخل السوق إلا إذا كانت لديها إحصائيات مضبوطة عن احتمالات الربح والخسارة ونسب الكوارث والمصائب.

لكن المناخ الذي نشأت فيه هذه النظرية الإحصائية تغير بصورة جذرية:

تغير النسيج الصحي للبشرية ومن النادر تجد مخلوق يدب على الأرض لا “يتمتع” بمرض من الأمراض، نتيجة لعوامل تغير المناخ والتلوث.. والمناخ الصناعي والزراعي تسارع بشكل غير عاد حتى أصبح من النادر أن تجد صناعة ما دون أضرار وخسائر!

وهكذا ارتفعت الأضرار ونسبة الأمراض وأصبحت شركات التأمين تواجه الإفلاس اليومي.. ولتفادي الخروج من السوق وإغلاق دكاكينها بدأت رحلة التحايل على المواطنين والتلاعب بالمفردات والعبارات لتخفيف عدد المطالبات وإيجاد الذرائع لإلغائها تماما…

قبل سنوات كنت مكلفا بملف التأمين التجاري في إحدى الشركات الكبرى. عندما تم إسناد الوظيفة لي قدمت لي صورة معسولة زاهية براقة، فالعمل لن يأخذ منك أي وقت وهو مجرد عمل روتيني يضاف لعملك الحالي.. كنا نعمل في المناطق التي تعتبر خطيرة مثل منطقة الخليج والشرق الأوسط المؤهلة دائما للحروب فلم يعد هناك مجال للمخاطرة أو التغاضي عن التأمين التجاري للبضائع المبحرة لهذه المناطق، كما أن البضائع تتعرض دائما للإتلاف في الموانئ المتخلفة التي لا تتوفر على إمكانيات متكاملة وهذه الخسائر في حالة حصولها تصبح عبئ على ميزانية الشركة لأن الزبون لا يفهم ويريد بضاعته على أحسن ما يرام ويطالب دائما بالتعويض.

إذن كان لا بد من دخول الصف ونلتزم بقوانين السوق..

أخذت دورة تكوين مكثف مع “خبير” في التأمين واستلمت المهمة الإضافية في العمل بعدها مباشرة.

سلسلة المفاجئات بدأت من اليوم الأول، فعروض شركات التأمين متفاوتة بشكل يثير الريبة والشكوك، فبعضها يعرض 1% وبعضها يعرض 0.1% على 110% من قيمة البضاعة.

فلو فرضنا أن هناك بضاعة بقيمة مليون دولار وعلى حساب 0.1% من قيمة الفاتورة ندفع لشركة التأمين قسطا مقداره 1100 دولار زائد مصاريف إضافية، وعلى حساب 1% يكون القسط 11000 دولار زائد المصاريف الأخرى. والفرق بين العرضين رقم خيالي!

كل شركة لها نظامها الخاص في التعويض والمطالبة، وعندما يتقدم منك ممثل الشركة لعرض خدمته لا يعرف سوى الحديث عن جنة التأمين!

بعد بضعة تجارب كان علي أن أقلب الموضوع وأجهز ورقة عمل عن “جهنم” التجارة الدولية وأطلب من الشركة التي تريد أن تأكل جزءا من كعكتنا أن تذوق جزء من نارنا قبل أن ندخل جنتها!

تبخرت الجنان أمام نار التجارة الدولية، وبقي أمامنا بضعة عروض، توكلنا على الله وبدأنا عملية السير في الصف!

الشركة إياها وأمام إغراء حجم العمليات التجارية الشهرية التي تبلغ أكثر من 100 مليون دولار شهريا قبلت بشروطنا ولكن حتى “تحمي” رصيدها وضعت نفسها تحت مضلة شركة تأمين عملاقة، من الشركات إياهم التي تقع مكاتبها في لندن وواشنطن..

طبعا هم يقولون بلغة مهذبة ومعاصرة مثل تلك اللغة التي يتعلمها خريجي كلية الأعمال بهارفارد: نحن أمنا على أنفسنا..

هكذا إذن التأمين يؤمن على التأمين..

ومن يؤمن على التامين الأخير إذن؟

بلغتي البسيطة والمباشرة: شركات التأمين الصغرى تبيع جهدها لشركات تأمين كبرى !

عادة الأمور في البداية تكون مثل العرسان بعد ليلة الدخلة لكنها فيما بعد تبدأ عملية شرب كأس الليمون بدون سكر بعد صلاة الفجر.

الشركة تشعر بالفرح والنشوة مادامت كل فاتروة مؤمنة تدر دخلا عليهم لم يتعبوا في تحصيله والعرق عليه إنها مجرد أوراق يتم توقيعها هنا، ومقابل تلك الأوراق دولارات تدفع هناك لرصيدهم.

ولا شك أن مديري شركة التأمين كانوا يتفاخرون في مجالسهم بأنهم يحصلون أقساطا بقيمة كذا وكذا شهريا.. وكان يكفي لإرسال بعضهم للمستشفى أن ترفع التلفون وتقول له: هاي مايك! عندنا مشكلة في ميناء الكامرون بعض البضائع وصلت تالفة!

وهنا تظهر لغة جديدة لم تسمعها من قبل!

وتجد نفسك في حيص بيص، بين المطرقة والسندان!!

مدراء الشركة لهم تعليمات واضحة: نحن لا نفهم شيئا سوى نتيجة واحدة: أمنا على البضاعة وأعطيناهم أقساطا الآن نريد تعويض وفورا! أي تأخير نقطع عليهم صنبور الدولارات ونعيد لهم أوراقهم ونبحث عن شركة أخرى! وفضلا عن ذلك نرفع ضدهم دعوة قضائية!

يا لها من بساطة!

شركة التأمين لديها مليون طريقة لتتنصل من تبعات الإهلاك وتجد لك مئات المواد لتقول: آسف هذه الجزئية لا نغطيها في البوليصة!

حينئذ تبدو شركة التأمين وكأنها شحاذ على قارعة الطريق تتصدق له يوميا صدقة مفروضة بنظام السوق الذي جعل مكانة لهذه المخلوقات التجارية! أقول شحاذ لأنه بكل بساطة مطالبة واحدة موجبة أي قبلت الشركة تعويضها تمتص أقساط عدة شهور!

في البداية تصبر الشركة ولكنها سرعان ما تنفجر وتبدأ الإدارة في تنقية الأجواء الداخلية ويتم تغير الموظفين البسطاء لأنهم لم يعرفوا كيف يتعاملون ولم يحافظوا على حقوق شركة التأمين ولم يفهموا السر: تؤمن ولا تعوض أو تؤمن وتماطل حتى ييأس المطالب!

رغم أن الحقيقة أن هؤلاء الموظفين هم ضحايا لأنهم يعملون في مؤسسات لا روح لها في عالم التجارة، ولكنها مفروضة بفعل نظام السوق!

عندما كبرت القضايا ظهر الأخ الأكبر في الصورة، شركة التامين العملاقة التي تملك مكاتبا هناك في بلدان العالم …. المتطور.

لديهم رجال قانون وخبراء فنيين يعملون عمل خاتم سليمان فهم يقلبون الحديد ذهبا والقصدير ألماسا واللؤلؤ حجارة كربون ويطلعون بتحاليل من غرائب الخيال.. وليس أمامك إلا أن تتسلح بخبراء وفنيين يردون الكيل كيلين والخبرة الفنية بخبرتين..

عندئذ تذكرت قصة طريفة قرأتها لكاتب أمريكي – نسيت اسمه – يتحدث عن طالب خريج كلية القانون وكان يبحث عن عمل فالتقطه مكتب محاماة يصفه وكأنه وكر للأعمال اللا-قانونية وليس للدفاع عن القانون. في أول يوم للتدريب أخذه احد المحامين الضالعين في الدروب الخلفية إلى مصحة طبية للعجزة. ذهل الطالب وسأل المحامي إلى أين؟ قال له في هذا المكان ستأكل الخبز!

المصحة مليئة بالعجزة المقهورين الذين لا حول ولا قوة لهم والتي تنهشهم الأمراض، قال له كل هؤلاء لديهم بوالص تأمين ولكن لا أحد يأخذ لهم الحق، لأن شركة التأمين تعرف كيف تتملص من واجباتها ونحن علينا أن نعرف كيف نحلب ضرعها المليء الحليب  ووسيلتنا في الحلب هم هؤلاء العجزة، نحن لا يهمنا هؤلاء لأنهم لا يملكون شيئا ما يهمنا هي الشركات التي باعتهم الخيال.

يقتربون من العجوز المسكين ويظهرون له التعاطف والمواساة ثم يعرضون عليه الخدمة، سلمنا فقط المستندات ووقع لنا هنا بأننا نحن المحامين الذين نمثلك ضد شركة التأمين لن نطلب منك أية أقساط هذا وعد، ولكن إذا حصلنا لك تعويضا قضائيا نأخذ كذا وكذا في المائة من نسبة التعويض..

وليس أمام العجوز المسكين سوى تطبيق نظرية علي وعلى أعدائي!

ثم تبدأ المعركة بين المحامين الضالعين في الدروب الخلفية للقضايا وبين شركات التأمين الضالعة في التملص من واجباتها!

أصل الداء في الحكاية كلها، يبدأ من المفهوم بحد ذاته: التأمين كغطاء والتعويض كوهم يباع كل ذلك يباع في ورقة مكتوب عليها بالأحرف الصغيرة عبارة مثل:”هل لديك مرض السكر، والفشل الكلوي والطرش الجزئي والتهاب المثانة….؟” وفي سطر آخر :”هل تشكو من أي مرض أو أعراض مرض جدي آخر”

بمثل هذه العبارات تتنصل شركات التأمين من واجباتها تأخذ الفلوس ولا تعطي شيئا هذا هو الربح عندها.

لنفترض السيناريو التالي:

شركة التأمين: لقد رفضنا طلبك للتعويض لأنك لم تخبرنا أثناء توقيع البوليصة أنك تعاني من سرطان الدماغ

حامل البوليصة: أنا وقعت على البوليصة منذ سنوات ولم أعلم بالمرض إلا قبل 15 يوما.

شركة التأمين: البوليصة واضحة يجب أن تتحدث عن كل الأمراض والأعراض لأن مثل هذه الأمراض لا تنشأ في يوم واحد.

بمثل هذه الحيل يتنصلون من التزاماتهم.

وهذا مثال واقعي قرأته في منشور لجمعية حماية المستهلك بماليزيا

فقد ش سوي شاي كلتا يديه بسبب حادث مرور ومع ذلك رفضت شركة التأمين (شركة من إياهم التي مكاتبها هناك في العالم المتطور) تعويضه لأنه بكل بساطة كتب في بوليصة التأمين ما يلي :”فقدان اليدين معناه القطع” إذن حادث المرور لا يدخل ضمن التغطية!

وعندما تطور هذا الوضع ارتفعت الأصوات المنادية بوضع حد لهذه التلاعبات، وبدأت الدعوات القضائية تتزايد والمراسلات توجه للبنكك المركزي لضبط عملية اعتماد شركات التأمين وضرورة التركيز في ملفاتها المالية والتأكد من نجاعتها وليست فقط مجرد دكان.

وفي أمريكا صرحت المترشحة لانتخابات الرئاسية السيناتورة هيلاري كلينتون أن 18 ألف مواطن أمريكي يموتون سنويا بسبب غياب التغطية الصحية، وأن 47 مليون أمريكي لا يتمتعون بأية تغطية صحية أي ان هذه المخلوقات التجارية التي تسمى شركات التأمين تفشل يوميا في القيام بدورها الرئيسي بحده الأدنى، وهاو البلد العملاق “أمريكا” يتراجع فيه التأمين يوما بعد يوما وبنسب مرعبة، حتى أن دراسة دعمها صندوق الكومينولث يقرر أن المشكلة التي كان ينظر لها على انها تعني فقد محدودي الدخل في أمريكا أصبحت الآن مشكلة عامة. وتخلص الدراسة للنتيجة المريرة التالية:”من الواضح أن العناية الصحية ومن ثم صحة وانتاجية المواطنين الامريكيين تتراجع يوما بعد يوم بسبب ما يترتب عن استمرار مشكلة التأمين” (ص 27)[1]

الناس تدفع التامين (خاصة الصحي) والحكومة تخصم الضرائب على الرواتب والتي من المفروض ان جزء منها يذهب لتغطية التكاليف

الصحية التي تتحملها الحكومة. إذن نحن أمام عملية دفع مزدوجة! وها هو الرقم المرعب الذي يدخل الفزع في كل القلوب: أكثر من 50% من حالات الافلاس الفردي المعلن في أمريكيا تتسبب فيها المصاريف الصحية!

التأمين هنا يصبح دوره كمن يلقي كأس ماء على نار ملتهبة في غابة المدينة. والنتيجة أن التأمين موجود والمشكلة تتفاقم يوما بعد يوم حتى في الدول “العظمى”!

قلت أن أصل مشكلة هذه المخلوقات التجارية تبدأ من المفهوم: التأمين كغطاء والتعويض كوهم يباع.. ثم تغير العصر والظروف والملابسات والمنافسة الحادة أصبح من غير المنطقي الحديث عن شركات التأمين كما كانت في البدايات..

وقد بدأ الكثيرون يتحدثون عن ضرورة تغيير أسلوب عمل هذه المخلوقات التجارية وتغيير المفهوم نفسه

لنبدأ بالمفهوم التالي:

التضامن كغطاء والمضاربة كمصدر للربح لتحسن مداخيل التضامن

ذلك ما سنعالجه في مقالة لاحقة عن تجربة مؤسسات التكافل الاجتماعي في ماليزيا كنموذج بديل عن التأمين والتعويض.

**********************

[1] يمكن الحصول على نسخة من الدراسة عبر الرابط التالي: http://www.commonwealthfund.org/usr_doc/Collins_gapshltins_920.pdf?section=4039 (6 أفريل 2008)