التاريخ للعبرة وليس للعيش فيه
كتبت مرارا التاريخ للعبرة.. لأخذ الدروس.. لبناء سياق الأحداث.. للأسف بعض الشباب يزور التاريخ ويغوص في صفحاته.. وهذا جيد وممتاز ورائع ويدل على حالة من الوعي والاهتمام.. ولكنه يخرج لنا من صفحات التاريخ وقد تموقع مع رجاله.. فمن قرا تاريخ الحركة الوطنية قبل الاستعمار بدلا ما يستفيد من دروس تلك المرحلة كنوع من العصف الذهني وتنمية حس الذكاء بقراءة الحاضر على ضوء الماضي، يستفيد من صراعات المصاليين ضد المركزيين.. او العكس.. احداث مفيدة جدا في قراءة الماضي وانعكساته على الحاضر.. ولكنهيخرج لنا من صفحات التاريخ يدافع عن المركزيين ضد المصاليين وكاننا في بداية الخمسينات او الاربعينات.. او يتبنى حجج المصاليين ضد المركزيين وكأنه مستشار لمصالي الحاج.. او يتبنى وجهة نظر احمد قادة رحمه الله الذي سمعته مرارا يردد مؤتمر الصومام هو مؤتمر السموم.. او يتبنى موقف كريم بلقاسم وبلوصوف الذين استدرجوا عبان رمضان الى القنيطرة في المغرب وخنقه كريم بلقاسم في فيلة هناك… ثم نشروا بيانا قالوا فيه انه استشهد في ميدان الشرف ضد الجيش الفرنسي…
هذه القراءات التي تتقمص الماضي بشكل مرضي ويلبس الشباب اثواب مصالي الحاج وفرحات عباس وبلوصوف وعميروش ويتقاتل الجيل الجديد على احداث مضى عليها نصف قرن .. هذه حالة مرضية ضد بناء الوعي الصحيح وضد التطلع للحاضر.. انها غرق في ماض لا يعود.. بدلا من ان تكون تطلعا للمستقبل…
من حق مصالي الحاج ان يختلف مع المركزيين.. وله حججه ومبرراته.. ومن حق الشباب بوضياف وبن بولعيد وبن مهيدي يختلفون مع شيخهم مصالي الحاج وينظمون انفسهم ويغامروا بتفجير الثورة.. ويتقاتلوا مع اصحابهم … من حق هؤلاء لانهم يتحركون في ظل سيرورة تاريخية…
اما ان ياتي جيل جديد ويلبس نفس الأثواب ونفس القبعات ويتبنى نفس المواقف.. فهذا نوع من التيهان المعرفي، والفوضى الفكرية، والتأسيس للفتن بناء على التاريخ.. بدلا من التطلع للمستقبل… لا تلعبوا بالتاريخ ولا توضفوه في صراعات اليوم.. ليس هناك مصاليين ولا مركزيين ولا مؤتمر الصومام.. هناك بن غبريط بوتفليقة التوفيق ربراب قايد صالح الاسلاميين اليسار بو شكارة… هذه عناصر اللحظة التاريخية… التاريخ يتقاطع ويتداخل يعيد بعض مهازله.. ربما.. لكن لا نعود بعقارب الساعة مئة سنة او مئات السنين ونعيد تلك الاحداث حرفيا…
حافظوا على حرمة تاريخ الجزائر ولا تهينوا مروزها فهذا احسن ما يحبه الاستعمار، وما عجز عنه يحققه شباب لا يقل حماسة لكن ينقصه الوعي ويسقط في شباك الصراع الفكري ..
حافظوا على حرمة الرجال.. وانني اكبروا جدا هؤلاء الأشاوس.. كل في موقعه.. واحترمهم وارفع لهم قبة التبجيل دون تقديس ودون تخوين ودون لعن.. فقد ادوا امانة جيلهم.. وعلينا ان نكون شطارا في مستوى اللحظة ونؤدي امانة جيلنا..