التمويل الجماعي Crowdfunding
منذ فجر البشرية كان هناك دائما إشكالية بين صاحب الفكرة وصاحب المال (السيولة) كثيرا من أصحاب المال لا يملكون أفكارا وكثير من أصحاب الأفكار لا يملكون مالا
ولذلك تجد كثيرا من الشركات زادت عندها السيولة فتحولت إلى شركات تمويل للأنشطة.. لتحقيق أرباح إضافية من المال النائم في البنوك.
ولقد لعب التنظير الإسلامي الفقهي دورا بارزا في صياغة عشرات الصيغ التي يتزاوج فيها المال بالعمل.. ولعل أشهرها عقد المضاربة أو ما يسميه بعضهم عقد القراض
إذا كان عقد الربا هو استثمار في وقت إقراض المال بغض النظر عن نتائج المشروع سلبية أو إيجابية..
فإن عقد المضاربة هي استثمار في الجهد مع تحمل الربح والخسارة.. ومع شيء من التحكم في المخاطر (risk management) يتحول العقد إلى نوع من الثبات متجاوزا المخاطر.
وباختصار شديد عقد المضاربة هو الذي أسس فيما بعد لعقد البورصة وهو الذي تطور فيما بعد لظهور الشركة ذات المسؤولية المحدودة..
إذا تتبعنا فكرة البورصة وكيف تطورت فهي تقوم في جوهرها على عقد المضاربة.. وكانت حلا منطقيا لتجاوز إشكالية القرض الربوي. (تحديد الفائدة بغض النظر عن مخاطر المشروع وما يتعرض له صاحب المشروع من صعوبات أثناء التنفيذ). فالبورصة هي تحويل جزء من الملكية للمستثمر الذي يشتري الأسهم نظير المال وتقاسم الأرباح.
ولذلك معظم الشركات الكبرى التي نعرفها وبخلاف اعتقاد كثير من الناس لا تخضع للقروض البنكية بل لتداولات البورصة. لأن الأموال تأخذها من المساهمين الذين اشتروا الأسهم وليس من البنوك. وهذا حال ابل وفيسبوك وميكروسوفت وأمازون وغيرها من عشرات الشركات المشهورة.
الاقتصاد المعاصر هو اقتصاد البورصة وليس اقتصاد البنوك. بخلاف ما يتصور كثير من الناس وشركة أمازون وابل لها قيمة مالية أكثر من إي بنك في العالم.
لكن البورصات بلغت حدا عاليا من التنظيم والتعقيد بحيث يتعذر على الشركات الصغيرة الدخول لها.. لان الهيئة المشرفة على البورصة مضطرة للقيام بإجراءات متابعة وتدقيق مالي والتأكد من نجاعة الشركات قبل أن تسمح لها بطرح أسهم وبالتالي الحصول على المال من الجمهور الواسع. والهيئات المنظمة للبورصة مضطرة للقيام بالتدقيق حتى لا تفقد ثقة الجمهور ويهربون منها ومن ثم تخسر سمعتها. ولذلك عادة الشركات التي تدخل البورصة يجب أن تكون شركات قد أثبتت جدارتها في السوق وأثبتت نجاحها قبل أن تسمح لها البورصات بالتسجيل لديها.
لكن في السنوات الأخيرة ظهرت المشاريع الصغيرة والتي في بداية الطريق.. هذه المشاريع من المستحيل أن تدخل إلى البورصات لأنها لا تتوفر فيها الشروط الصارمة. وإذا اقتربت من البنوك فهي معرضة للخسائر أكثر ولا يستطيع تحمل التبعات المالية للإهدار المالي في حالة الخسارة.
هنا بدأت بمرور الوقت تتبلور فكرة التمويل الجماعي..

ربما لاحظتم كثيرا منذ سنوات في منصة ويكيبيديا.. حيث يظهر إعلان بسيط في صفحتك يقول لك للحفاظ على المحتوى المجاني لوكيبيديا نطلب منك أن تدعمنا بدولار أو دولارين حتى نحافظ على العمال الذين نقوم بتوظيفهم..
طبعا من حسن حظ مؤسسي ويكيبيديا أنهم مقيمون في بلد الحرية الاقتصادية الأكبر.. وليس هناك قيود على حركة المال طالما المصدر معروف والوجهة معروفة والتصريح الضريبي موجود..
كذلك هناك منصة باتريوت وهي لدعم المحتوى الهادف في ويتوب.. وهي منصة ناجحة جدا في دعم كثيرا من اليوتوبر وقد حقق بعضهم ثروات هائلة بفضل الدعم السخي من المتابعين. لو 1000 شخص يدفع كل واحد منهم 100 دولار فهو سيحقق مئة ألف دولار مباشرة.. و10 الإف شخص كل منهم يدفع 100 دولار فسيصل بسهولة إلى مليون دولار…
فكرة ويكيبيديا وباتريون بدأت تتبلور كطريقة ناجحة لتمويل المشاريع عامة ليس فقط المشاريع الخيرية أو المجانية.
وكانت الإشكالية بسيطة جدا: كيف نجعل هذا النوع من التمويل يشمل تمويل المشاريع الناشئة والشركات الجديدة..
هنا تبلورت مع مرور الوقت فكرة التمويل الجماعي..
المبدأ هو نفسه.. مضاربة.. أو بورصة .. أو تمويل جماعي.. والمقابل هو ملكية لجزء من الشركة ومقاسمة للأرباح والخسائر..
أموال قليلة من جموع كثيرة لتمويل مشاريع استثمارية
في حالة الربح يكسب الجميع
في حالة الخسارة.. الأموال المستثمرة ليست كبيرة بالنسبة لكل شخص (مجرد التخلي عن كأس قهوة لمدة شهر مثلا)
الفرق الوحيد هو كيف ستجتهد الدول في تطبيق هذه الطرق الجديدة وتجسيدها والسماح لها بالتطور..
كانت الولايات المتحدة سباقة في وضع الأرضية القانونية التي تسمح للناس بعرض مشاريعهم أقل من المستويات التي تفرضها البورصة.. طالما الناس مستعدون لدعم مشاريع خيرية لماذا لا تدعم مشاريع ربحية وفي النهاية الدولة ستستفيد عبر الضرائب. ولذلك جاء قانون جوبس ثري Jumpstart Our Business Startups Act – JOBSIII
في معظم الدول الفكرة قابلة للتطبيق بسهولة عبر الحسابات البنكية شريطة توفر جهة (موقع مضمون) لإدارة النشاط..
لكن في بلد مثل الجزائر الصعوبة تبدأ أن الأرضية المالية غير متوفرة وحركة الأموال بين الحسابات غير ممكنة بالسلاسة المطلوبة..
رغم أن الأمر يحتاج فقط إرادة سياسية ويتم تنفيذه في بضعة أسابيع.. لكن بكل أسف يبدو أنهم يخشون أن يمتلك المجتمع وخاصة الجيل الجديد استقلاله المادي وينفطم عن ضرع الريع للأبد مما يفقد البيروقراطي قيمته في الحياة العامة.
لقد تجاوزنا عصر البنوك
ولم ندخل عصر البورصة
والفرصة أمامنا لنكون من الأوائل لدخول عصر التمويل الجماعي
كل ما نحتاج له هو التخفف من الأحمال القانونية التي تمنع حركة الأموال بين المواطنين
توفير المنصات الإلكترونية (دون استعمال مال دافعي الضرائب) فقط رفع القيود سيؤسس الناس المنصات الإلكترونية المطلوبة التي توفر الضمانات الكافية للمستثمرين الصغار وتسمح له بتناقل المشاريع.
ادع الشباب لمراجعة موقع سيميد الهولندي وهو منصة لتمويل الجماعي
Symbid.com
وكذلك موقع سيدس البريطاني وهو أيضا منصة للتمويل الجماعي
Seedrs.com
الكرة في مرمى البنك المركزي
وزير المالية
والبنوك المحلية لتسهيل التدفق المالي بين الحسابات
المخاطر
طبعا هناك مخاطر
ونزع المخاطر لم يعد استثمارا.. الاستثمار مرتبط بالمخاطر