التواصل المعاصر.. والمعرفة
لاادري لماذا هناك نبرة تشاؤمية في تقييم دور وسائل التواصل المعاصرة، والانترنيت، وهي نزعة تضليلية تشاؤمية تصل الى تسمية وسائل الاتصال المعاصرة بانها وسائل عبودية وان الانسان المعاصر اصبح عبدا لها..
انزعج كثيرا من المصطلحات ملغمة.. التي تفقد الأشياء روحها.. وتحول الأبيض الى أسود.. الفيسبوك والوتساب واليوتوب والانتنريت ليست وسائل عبودية،
وبالمناسبة عادة ما يكرر بقايا اليساريين المتحولين هذه الاسطونات، فالشركات التي توظف الناس يعتبرونها سجون للعبودية، والفيسبوك الذي سمح بتقارب الأفكار وتلاقحها بين الكتل المتنافرة والكانتونات الايديولجية المتباعدة.. كان الحزب او الجماعة او التنظيم هي مصادر المعرفة وعادة كيانات معزولة متقوقعة لها برنامجها الفكري وقراءتها وكتبها ومنظريها، وكل خروج عن النمط التنظيمي هو اللامفكر فيه، وهانحن نشاهد في هذا الفضاء تلاقح وتبادل ونقاشات ونضج وفهم متبادل، مع ما يصاحب ذلك من تشنجات ومعارك طبيعية في أي تفاعل انساني..
الفيسبوك والوتساب واليوتوب والانترنت.. ادوات تواصلية.. جعلتني انا البعيد في المهاجر قريبا من مواقع واشخاص ما كان ليتاح لي بشكل مختلف…
قبل عقود كان الناس يقبلون على الجرائد اقبالهم على فطور الصباح كحاجة بيولوجية لكنها تمس الفكر.. وكانت جرائد تطبع بالملايين.. وجاء عصر التلفزيون والفضائيات واليوم اليوتوب والوتساب.. ثورة اليوتوب في الاستماع لمحاضرات وندوات وملتقيات لكبار العلماء في مختلف التخصصات ما بعدها ثورة.. ومتعة ما بعدها متعة.. وربما تقضي وقتا مع مسرحية ترفه بها عن نفسك..
وجاء الفيسبوك واعطانا ابعاد تواصلية اجتماعية.. والوتساب ابعاد تواصلية مجموعاتية وعائلية فاعرف اسر لديها مجموعات واتساب تواصلية جمعوا فيها عشرات الافراد من فروع العائلة الصغيرة والكبيرة القريب ومن هو في المهاجر.. فواحد مقيم في ماليزيا يشارك صور طبق الاكل مع صديقه او والدته او شقيقته المقيمة في الجزائر او المغرب.. ومرة طبخت امي وصورتها زوجتي وارسلتها لباقي افراد العائلية في حميمية عابرة للقارات… هذه ليست عبودية..
اعرف شابا اذا بدأ يتحدث الانجليزية وكانه قادم من كاليفورنيا.. وهو لم تطأ قدمه يوما امريكا.. فلما سالته عن السر وجدته داوم على اليوتوب في برنامج مكثف حتى اكتسب المهارة.. وقال لي انه ركز على لهجة كاليفورنيا.. هذه ليست عبودية…
اسمتعت الى أمين خان وهو من تجار البورصة كيف اراد ان يعلم ابناء عمومته في البنغلاديش تجارة الاسهم فكان يسجل اشرطة الفيديو ويضعها في اليوتوب وقد اعجبوا بالفكرة، بل قال لهم احدهم في الحقيقة اليوتوب احسن من انك انت شخصيا متواجد وتعلمنا.. لانه ببساطة يمكننا ان نعيد الشريط كلما نريد حتى نفهم الفكرة وتترسخ في اذهاننا.. وقد اوحت له هذه التجربة فاسس اكاديمية خان للتعليم عبر الفيديو.. كل العلوم والتخصصات..
واعرف شابا حقق اعلى النتائج في اختبرات دقيقة جدا وهو لم يخرج من بلدته.. بالمثابرة والعزم وقوة الارادة..هذه ليست عبودية.. هذه قمة توسيع المدارك ونشر المعرفة بشكل لم يكن مسبوقا من قبل..
وهناك مجموعات العمل في الوتساب في الشركات حيث يشكل العاملون فرق عمل يتبادلون كل صغيرة وكبيرة وينضجون افكارهم ومعلوماتهم ويقيمون اداءهم حتى اذا نزل منتج جديد في دولة بعيدة تناقلوا الصور وشجعوا بعضهم بعضا.. هذه ليست عبودية.. هذا قمة عصر التواصل واقتراب الناس بعضهم من بعض..
هناك دهشة اللقاء مع هذا النوع من الابعاد الجديدة التي تضاف للانسان، وهي دهشة تجدها في كل ما يشبه، اذا احببت كرة القدم داومت عليها، او الشطرنج او المطالعة او مشاهدة الافلام.. وسرعان ما يعود الاغلبية الى التوازن في التعامل مع هذه الابعاد الجديدة.. واقلية تغرق في ادمان مشين وحب مرضي لكرة القدم او للفيسبوك..
دائما أردد انني سعيد بأنني عشت هذا العصر.. وسعيد اكثر ان جيلي عاش معطيات وظروف اربعة قرون في اربعين سنة.. فقد عشت فترة مع جدي وجدتي في قمار على نار الحطب ومصباح الغاز.. والتلفزيون المتواجد لدى فرد واحد من الحي ويستقبل كل سكان الحي في بيتهم في مواعيد محددة.. عصر ماقبل الكهرباء والتلفون وما بعد التلفزيون الابيض والاسود والراديو وراديو كاسيت والولكمان ثم الفيديو ثم الفاكس الى عصر الايميل والانترنيت والوتساب واليوتوب..
انها ثورة باتم معنى الكلمة وليست عبودية.. شيء من التوازن في العلاقة مع الاشياء يؤدي الى نتائج باهرة.. فطوبى لمن أفاد واستفاد