تربية وتعليم

الجامعة وفوضى الحرية

رياض حاوي

فوضى الحرية وفوضى الديمقراطية لا حدود لها… حتى اذا طلعت الشمس تضربون واذا غربت تضربون… 

لا ادري كيف تسربت لنا من محيطنا ان خروجنا من الثانوية إلى الجامعة.. سيؤدي إلى التحرر من القيود، التي يفرضها التعليم… كانت الباكالوريا (الثانوية العامة) هي قنطرة للتحرر… هذه هي الرسالة التي يوصلها لنا بعض الجامعيين لما كنا في الثانوية… وكنا نتداول قصصا بغرابة.. كيف يمكن ان تذهب للجامعة والمحاضرة او لا تذهب؟ وكيف يمكنك ان تحضر للدرس او لا تحضر؟؟ انت على الخيار… فالثانوية فيها انضباط وصرامة، انا اتحدث عن جيلي، والغياب غير مسموح بدون مبرر.. والشباب الجامعي يتحدثون عن الحرية… 

للأسف لما دخلنا الجامعة اصطدمنا بالمفاهيم المقلوبة.. الطالب يقاطع جل المحاضرات لأنها لا تسجل فيها غيابات.. ويحضر فقط التطبيقات التي تعتبر الوحيدة الملزمة.. 

كان هذا اختلال كبير.. 

وتزامن ذلك الخبل.. مع ظهور عصر الفوطوكوبي (التصوير الضوئي).. وكانت كارثة على التعليم الجامعي خصوصا… فاصبحت المحاضرات خالية من الطلبة.. يكفي ان يحضر طالب واحد ويقوم البقية بنسخ المحاضرات… وتطورت الامور الى ان الاستاذ يتبرع بنسخ المحاضرات وكفاه عناء الشرح والتوجيه…

واذكر ان استاذ زائرا من جامعة أخرى .. كل مرة يأتي لا يجد العدد الكاف من الطلبة بضعة يقلون عن اصابع اليد.. فقال لنا .. اذا لا تاتون بلغوني.. واعطيكم الكتاب وراجعوا بانفسكم.. 

ثم ليس هناك اهمية للكراس ولا للقلم ولا للمحفظة.. ولو فتحت مقلمتك أمام زملائك وكان فيها قلم أزرق وأحمر وأخضر… لشبعوا عليك ضحكا واستهزاءا.. والصقوا بك لقبا خطيرا .. خباش.. (يخبش بزاف).. وينادونك به في كل مكان.. 

لا ادري كيف تشكلت هذه المنظومة التعليمية الجامعية التي يتم فيها تحقير غير عادي للاجتهاد و للمجتهد.. حتى يشعر بالغربة.. وربما يشكل فريقا يتضامن مع اصحابه الذي يجتهدون مثله… وينأى بنفسه عن جو التحقير… 

ثم كانت المشكلة الثانية وهي أن الجامعة هي المكان الوحيد الذي تمارس فيه الاحزاب والجمعيات والمنظمات نشاطها وكلها كانت سرية ومحضورة.. الإسلامي والشيوعي .. والجهوي .. والعنصري.. 

فالصراع انتقل إلى الجامعة.. وكل تكتل يجب ان يجند اكبر قدر من الطلبة.. مما ياخذ وقتهم من التعليم والتحصيل ويزج بهم في اتون المعامع السياسية التي تفوق قدراتهم وحتى اوقاتهم.. ولكن ليس ذلك مهما ما دامت الجامعة أصلا مجعولة لمثل هذا…

كانت الحركة الإسلامية عبر قنواتها التربوية تطرح اهمية الجامعة لتكوين نخب المجتمع الذين يكونوا قدوة… وتحاول ان تعدل الصورة السلبية التي ينقلها المحيط عن الجامعة… المحيط يعتبر الجامعة هي مكان للـ”فلاسة” (من الإفلاس).. والحركة تحاول ان تجعل من الجامعة مكانا للتكوين والترشيد وبناء الذات… لكن هذه الجهود سرعان ما تغرق في الصراعات.. حول التعريب.. حول اماكن الصلاة.. حول التردي الأخلاقي في المحيط الجامعي… حول اللجان الثقافية… ثم حول التوجهات السياسية الكبرى.. لما جاء عصر الجلاسنوست واحداث اكتوبر وظهور الاحزاب العلنية…

اختلط الحابل بالنابل واصبحت الجامعة ليست مكانا للنقاش العلمي والتأمل في حركية ودينامكية المجتمع والتفاعل الاكاديمي المستقل مع مختلف ظواهره.. بل عنصر فاعل ومنفعل وجزء من دينامكية الصراع… واحد ادوات مختلف القوى والتيارات ومحل صراع ضروس.. ثم مع الديمقراطية التي اطلت علينا… أصبح حق الاضراب مكفول ودستوري.. وهنا كانت طامة الطوام… حيث كل شرذمة من الطلبة لم يعجبهم الأستاذ او الامتحان او وجبة الغداء … يعلنون الاضراب.. أو يخططون له ويستعدون له .. فاذا كان الامتحان في متناولهم يستمرون والا خرجو من قاعة الامتحان في اضراب ويخلقون أية حجة مهما كانت…

وكانت القوى السياسية حتى تثبت تفوقها وقدرتها على التجنيد تثبت ذلك بقدرتها على تنظيم الاضرابات الجامعية عبر اجنحتها الطلابية .. فكل حزب سياسي له جناح طلابي … تابع له وياتمر بامره .. مرة اضراب على البيداغوجية ومرة على التعريب ومرة على الخدمات الجامعية… ومرة على فلسطين ومرة على البوسنة ومرة… ولا تزال ترن في أذني كلمة نائب عميد جامعة، انتم تعملوا اضرابات على كل شيء، حتى اذا طلعت الشمس تضربون واذا غربت تضربون… 

فوضى الحرية وفوضى الديمقراطية لا حدود لها….

هذا دون الحديث عن الممارسات السلبية.. فالشاب ياتي إلى الجامعة في حالة انفجار مرحلة المراهقة، وبحكم فوضى البرنامج والبيداغوجية والتسيب في الحضور للمحاضرات يجد المجال مفتوحا لكل ما يصرفه عن التحصيل العلمي والالتزام بالمكتبات.. وتبرز التصرفات الطائشة في الاعتداء على الأساتذة وتمزيق نتائج الامتحانات.. والسلوكات المخلة بالحياء .. 

أذكر ان زميلا لنا من المسيلة ونحن خارجون من صلاة العشاء لفت انتباهه شاب وشابة في وضع لا اخلاقي داخل حرم الجامعة فقال بصوت عال خل بنت الناس روح تقرا هذي جامعة ماشي كباري (مرقص) .. فغضب الشاب الأحمق.. واقترب من غضبان وضربه على وجهه بشفرة تركت فيه جرحا غائرا… وكانت الحادثة كافية بان تقلب الجامعة راسا على عقب.. زميلنا انتقم لنفسه وترك الجامعة والتحق بالأكاديمية العسكرية.. وزارنا بلباسه العسكري بعد فترة…

ومرة نضمنا رحلة جامعية إلى اعالي الشريعة.. واول ما ركبا في الحافلة.. استلم احدهم فتاة او استلمته فكلاهما سيان..

لم تعط دولة الاستقلال قيمة حقيقية للجامعة وتركتها نهبا للفوضى والتسيير العشوائي.. حتى زالت الحدود.. الطالب يمكنه ان يتدخل في البيداغوجيا.. وفي البرنامج.. وفي اوقات الدراسة… وهذا الجو من الضغط اثنى الأستاذ على اداء مهامه.. واصبح ضحية التسيب القائم في كل الجبهات.. ثم الأستاذ عنصر نفسه في دوامة الفساد..

عندما وصلت ماليزيا.. وجدنا مناخا جامعيا مختلفا… فاول شيء ممنوع على الطلاب ان ينخرطوا في العمل السياسي المباشر.. او ينتموا إلى الاحزاب.. فضلا عن ان تقوم الاحزاب بانشطة داخل الجامعات هذا من المستحيلات العشرة… لديكم ثلاث اربع سنوات تخلصون الدراسة الجامعية وبعدها اسسوا الاحزاب واسسوا الجمعيات وانخرطوا لا مشكلة… الجامعة مثل مؤسسة امنية.. يمنع حتى على الغرباء دخولها.. اذا تريد الدخول إلى الجامعة مثل الدخول إلى ثكنة عسكرية او وزارة.. وقبل أيام قرأت تعليق طالبة جامعية ماليزية كتبته على صفحتها.. حيث يلزم الطلبة باللباس المحترم، الذي يدل على انك في جامعة وليس في مرقص أو ملعب كرة قدم.. قالت الطالبة الماليزية من اصول صينية أنها ارادت ان تذهب إلى حديقة في أيام العطلة.. وارادت ان تلبس لباسا يليق بوقت العطلة حسب تصورها ولكن لأنها في الحي الجامعي لا تسطيع ان تخرج او تدخل امام الحارس بذلك اللباس واضطرت ان تغير في مكان آخر.. تدخل بعض الجامعات تجد كثير من الطلبة مكرفتين مكستمين..

والغريب أن الأساتذة لا يشتكون من اخلاق الطلبة المحليين بل جل شكواهم ومعاناتهم مع الطلبة الاجانب.. حيث تضم ماليزيا اليوم قرابة 200 الف طالب اجنبي اذا لم يكن اكثر.. بل ان الاساتذة الاجانب يفضلون الطلبة المحليين على طلبة اجانب.. واذا كان في فصلهم طلبة اجانب قالوا يا ويلنا ويا ويحنا..

واذكر ان الأساتذة في جامعاتنا كانوا يعانون في تعليق نتائج الامتحان، لان اول طالب يرى النتيجة يمزقها.. 

وفي ماليزيا كنا نمر على مكاتب الاساتذة نجده أخرج كرسيا امام باب مكتبه ووضع فوقه اوراق الامتحانات مع النتائج… وياتي الطلبة كل منهم ياخذ ورقته ونتيجته ولا يمس ورقة طالب آخر..

كانت تلك المشاهد ملائكية.. وكانني أشاهد الملائكة امامي وليس طلبة في الجامعة..

كنا نركب في سيارات نقل من المكان الذي نسكن إلى الجامعة.. ويركب معنا سواق المركبة ولا يأخذ منا فلسا.. بل لديه كأس صغير فيه بعض السنتات والرينجيتات الماليزية.. وبمجرد ما يجلس امام المقود يسلمه للذي يليه من الطلبة… وهذا يقوم بدفع الحساب في الكأس ويحاسب بنفسه اذا لم يكن معه صرف ياخذ من ذلك الذي في الكأس .. وهكذا دواليك حتى يعود الكأس إلى السواق ولم يسأل أحدا هل دفعت ام لم تدفع… 

كانت تصرفات ملائكية.. 

هؤلاء أين تعلموا وأين تربوا حتى اسأل زوجتي هل هناك علاقة مع الجينات.. يعني جيناتنا نحن مختلفة.. وجيناتهم لها هذا المفعول الملاكي ام ماذا؟؟

واقارن ذلك بايام النقل الجامعي (الكوس) في بلادنا وحالات الهستيريا.. وخاصة انفجار الغرائز اما الطالبات في مناظر عجيبة غريبة..

لا ادري هل تلك المرحلة هي بسبب الفوضى في ادراك معنى الحرية والديمقراطية.. أم بسبب خلل في الأرضية الثقافية.. كل شخص وكل حزب وكل مواطن يرى انه هو الدولة وهو القانون وهو صاحب الحق…