شؤون دولية

الجزائر والعمق الافريقي

عندما كنت في زيارة لاثيوبيا قبل سنوات دخلت الى مسجد النور او الانوار واول ما التقيت باحدهم اقبل مسلما وسألني من أين؟ قلت له الجزائر.. فاردف مباشرة لزميل امامه انه من بلد شيخنا احمد التجاني. 

بقي ذلك الحادث البسيط يدور بخلدي حتى جلست مرة مع احدهم في مدعشقر ونحن نقفز بين التاريخ والجغرافيا والمشترك.. حتى اكتشف ان اخر ملكة مدعشقرية نفيت الى الجزائر في العهد الفرنسي. ثم لفت انتباهي الى ان السينما الجزائرية كان حاضرة بقوة في زمن مضى لانها السينما الافريقية الوحيدة التي جسدت ملاحم الصراع مع المستعمر الفرنسي.

ومرة كنت اتحدث مع احدهم من النيجر.. فكان يكلمني بالعربية ولحنه مقارب جدا لدارجة مدينتي ورقلة.. 

ومرة جلست مع احدهم من مالي وكان الصراع مع التوارق يؤرق الماليين ويؤرقنا ايضا.. فكان يخبرني بمرارة تعامل الحكومة الجزائرية مع الوفود المالية التي زارتهم مرارا وتكرارا.. ثم دكرني بحادثة من التاريخ ان اول رئيس لمالي اثناء مفاوضات الاستقلال ساومه المفاوض الفرنسي حول علاقات المالي مع الجزائر.. فرد عليه ان باماكو اقرب الي الجزائر من باريس.. (مالي والسنغال استقلوا باسم الجمهورية السودانية ثم انفصلت السينغال عن مالي بعد دلك بشهور.. 

الجزائر اليوم بلد معزول هامشي لا يبذل ادنى جهد لتوسيع مجاله الحيوي، عبر الديبلوماسية الناعمة مثلا، 

كانت الجامعات الوطنية الجزائرية تزحر بالطلاب القادمين من افريقيا، واذكر ان معاهد التكوين المهني والاداري ايضا كانت تستقطب طلاب من افريقيا.. وهاقد جاءت الحروب الراهنة لتصبح الجزائر مقصدا للهجرة الافريقية وممرا للعبور لاوروبا.. 

وهذه العوامل يمكن تفعيلها بشكل صحيح وطرح برامج الاستقطاب الفعال او الهجرة الموجهة عبر استقطاب طلاب من دول افريقية مختلفة خاصة ان السفارات الجزائرية متواجدة في كل العواصم الافريقية تقريبا.. وهو تواجد بدون طعم ولا معنى ولا رؤية ولا تاطير رغم انه لا تنقصنا الكوادر ولا الاطارات ذات الكفاءة، ولكن ما ينقصنا اننا بدون دماغ استراتيجي ينظر لمصلحة الجزائر وبدون روية وبدون ارادة سياسية.. 

العصابة الحاكمة لها نظرة قاصرة ولا تشعر بالرمال المتحركة.. ويكفي ان وزيرا من وزراء خارجية الجزائر المنكوبة قال بكل وقاحة وقلة ذوق وبكثير من التذلل والعته.. ان الجزائر كان بمكن ان تكون قطعة من اوروبا.. وهذا البهلول ماهو الا انعكاس لنوعية التفكير السائد في دوائر صناعة القرار.. 

عندما زرت كنشاسا عاصمة ثاني اكبر دولة مساحة في افريقيا الكونجو الديمقراطي بعد الجزائر ذهلت لما وجدت اكبر مدرسة خاصة ليست الفرنسية ولا البلجيكية ولا البريطانية ولكن المدرسة التركية وهي مرصعة بصور اردوغان وغول الذين زاروا المدرسة التي تغطي مراحل التعليم الاولى الى غاية الثانوية ثم تبتعث النوابغ الى جامعات تركية ولا اعتقد ان اضافة كرسي في قاعة المحاضرات لطالب من مدغشقر او الكونجو او بنين سيكلف ميزانية الدولة مبالغ ضخمة.

ولن يشعر الطالب الكونجولي او السيتغالي او النيجيري باية غربة اذا ما التحق بحامعاتنا الوطنية فنحن شعب متعدد ومتنوع.. 

وبعض العنصرية التي تتغذى اليوم من الهجرة السربة وتتسبب بعض الممارسات للمهاحرين الافارقة يحب ان تعالج فورا بالاعلام الذي يعي التحديات الاستراتيجية للجزائر واهمية احتضان الافارقة والتذكير بقيم الاسلام والاخوة والانسانية.. واجزم ان فائدة تعود على مجتمعنا ايضا .. بدلا من النظر شمالا وفقط ينظر جنوبا وشرقا.. 

الجزائر تملك من عناصر التأثير وعوامل مساعدة من عدة جوانب مع العمق الافريقي، تاريخ مشترك للتحرر من الاستعمار، وهو كان ولا يزال محل فخر للافارقة كلهم، وعوامل دينية، وبنية تحتية، وقطاع تعليم وحتى صناعات صعيرة ومتوسطة يمكنها ان تجد مكانا هاما في العمق الافريقي.. 

كل ذلك ممكن اذا كان هناك عقل استراتيجي، لا تهمه مماحكات النخب وصراعاتهم المحدودة ولا تغير بوصلته ونظرته للنظر ما مدى امتلاك الجزائر لعمق استراتيجي