فكر اسلامي

الحركة الإسلامية و”وهم” الأسلمة؟

رياض حاوي

على خلفية التجربة الاقتصادية لحكومات الربيع العربي

الأفكار تأتي في سياقات.. وقلما تقرا الأفكار خارج سياقها… والقراءة التي هي خارج السياق تبقى قراءة جزئية ومشوشة… وبتباعد الأزمان تصبح الأفكار خارج واقعها التاريخي نشاز واصطحابها الى سياق تاريخي جديد يحدث صدمة بين فكرة ولدت لغير الواقع المراد تغييره بها.. وواقع يبحث عن فكرة غير تلك التي تريد التفاعل معه… فهما مختلفان… وعنصر الاختلاف الرئيسي هو اختلاف “التاريخ”

غربيا لم يخلو تاريخ الفكر من صبغ الأفكار بلون الايديلوجية… وازعم ان مهنة الصباغة الغربية للأفكار التي ولدت غربيا في احضان اليسار والماركسية هي التي تأثر بها رواد “الأسلمة” وامتهونها في سياق حضاري مختلف… فميلاد دولة البلوريتاريا في روسيا ثم الصين ثم كوبا وباقي البلوريتاريات دفعت منظري اليسار للحديث عن الفن اليساري، والاقتصاد اليساري، والأدب اليساري ، والسينما العمالية وغيرها من الموضوعات ..

والذين يخشون من انعكاسات مقولة اليسار او الشيوعية خاصة في البلدان المحافظة يتحدثون عن الاقتصاد الاشتراكي والفن الاشتراكي والسينما الاشتراكية (الجزائر، مصر، اندونيسيا..)… وبعضهم يبتعد عن هكذا تصنيف ويتحدث عن سنما العالم الثالث وفن العالم الثالث واقتصادات العالم الثالث، وادب العالم الثالث… وهكذا من اشكال التصنيف..

اذن ظاهر “الأسلمة” ليست بالضرورة ظاهرة خاصة بعالمنا الاسلامي.. وبمجالنا التداولي، بل لها سوابق في تاريخ الفكر وميلاد مصطلح الأسلمة ميلاد متاثر بمناخ سائد وربما له علاقة بطبيعة تشكل الأفكار وتطورها حتى لا نقول مقلدين فقط…

بالعودة الى مؤلفات رواد امثال سيد قطب وشريعتي والبهي الخولي فانه بسرعة سنكتشف النزعة اليسارية الثاوية وراء وخلف الخطاب المصبوغ بصبغة دينية اكثر.. حتى لو قمنا بتحليل لمفردتي المستضعفين والمستكبرين قد لا نجد تباعدا بينهما وبين مفردتي عمال وبرجوازية، اطار اديولوجيا اليسار… 

وطالما شعار الأسلمة بعيدا عن الممارسة والتطبيق والتنفيذ سيظل شعارا له جاذبية وانصار والحجة دائما هي ان الفرصة لم تتح بعد لتطبيق وتنفيذ “الأسلمة”…

ستكون تركيا مهد تجربة فريدة من نوعها، وذلك عندما تحمس اربكان ومن معه منذ نهاية الستينات لدخول العمل السياسي، خاصة ان تركيا تتبنى رسميا النهج الجمهوري بتعدد الأحزاب وتعدد المرجعيات وهو ما لم يكن متاحا في غيرها من البلاد الاسلامية، سوى تجربة محدودة في ماليزيا، تبلورت مع بداية الثمانينات، عندما اندمج احد اجنحة الحركة الاسلامية في ماليزيا، حركة الشباب المسلم أبيم بقيادة انور ابراهيم، في آلة الدولة الحديثة.. 

في سياقنا العربي بدأت مراجعات تكييفية مع محاولات حسن الترابي تكييف التراث القطبي والالتفاف عليه للاندماج في المجال السياسي السوداني الذي كان تعدديا الى حد ما ليتحول الترابي ومن حوله الى فاعلين اساسيين في الحياة السياسية السودانية ولا يزالون وسرعان ما تاثر به راشد الغنوشي ومن معه وسارعو للاندماج في النسق السياسي التونسي مطلع الثمانينات، وهو النسق التعددي أيضا والذي يعترف بتعدد الاحزاب السياسية ولو بصورة ملتوية تحت عباءة الزعيم الأوحد… وبدا الغنوشي في انتاج مقولات لتطابق بين الوعي الديمقراطي المعاصر وبين مفردات التجربة الاسلامية التاريخية ومحاولة اعادت قراءة التراث وفقا لهذا النسق الجديد…

من المفيد التذكير ان الاكثر يسارية في جسم الحركة الاسلامية في تونس لم ينسجمو مع التيار “البرجوازي الجديد” وانشقوا ، فيما كان يسمى جماعة 15-21، بقيادة صلاح الدين الجورشي وحميدة النيفر.. و15 – 21 هي مجلة كان يصدرها هذا التيار ، ولا زلت اذكر انني اطلعت على بضعة اعداد وهي طافحة بالنفس اليساري المتدين والمتأسلم… 

تخلت المدرسة الاربكانية الحاكمة اليوم في تركيا تماما على شيء اسمه الأسلمة… في ماليزيا تم تبني مقولات الأسلمة بشكل اكثر مؤسسي، وتسربت هذه الافكار لنمط من التفكير الأسيوي شديد الانضباط والتنظيم واصبحت شائعة في الخطاب الثقافي الماليزي فترة من زمن لتتوقف بسبب خلافات السياسة ولكنها بقيت ثابتة فيما يسمى بالمالية الاسلامية.. التي تجد دعما لها في دواليب السلطة.. ولكن تراجعت فكرة “الأسلمة” كشعار نضالي عما كان عليه الأمر سابقا.. وحتى رواد الاسلمة مثل انور ابراهيم فهو اليوم يقود حزبا يريده ان يكون نسخة مكررة من العدالة والتنمية التركي، ولا يتبنى مقولات طالما شكلت رصيده السياسي قبل 40 سنة عندما كان شابا يافعا…

ايران التي قامت فيها ثورة اسلامية كاملة الاركان وكنست معاقل النظام الشاهنشاهي لم تتمكن من بناء بديل فقد دخلت في مواجهة طاحنة مع عراق صدام حسين وانكمش النظام الاقتصادي الى نظام ريعي يقوم ويدور على النفط كغيره من الدول الريعية مع توفر مساحة كبيرة لمقولة النظام الاسلامي…

في السودان انقسمت الجماعة الحاكمة وسرعان ما نفى كلاهما عن الآخر صفة تمثيل الفكرة الإسلامية…

في المغرب وتونس وقوس مرسي في مصر وفي تركيا.. وامام تحد الاقتصاد.. نجد اداء هذه الحكومات لا يختلف عن اداء اية حكومة من تيار مختلف… 

فعمليا تبين ان الشان الاقتصادي يتشكل من الاجراءات الفعالة التي تغير الواقع وليس من المقولات التي تعبأ الفكر والوعي… 

سنخلص في هذا التتبع انه كما حدث لليسار والشيوعية والنظم الاشتراكية المندثرة التي أوتيت من بوابة الاقتصاد.. سنلاحظ اليوم ان مقولة “الأسلمة” تتراجع امام تحد الاقتصاد… كما ان الفكرة الشيوعية تكسرت تحت صخرة الرفاه الاقتصادي الذي لم يتحقق.. وحتى الصين تعيش ازدواجية.. نظام سياسي شيوعي هو اقرب الى تنظيم حديث للامبراطوريات الصينية القديمة .. واقتصاد رأسمالي يتعارض جوهره مع طبيعة التنظيم السياسي الحاكم… ولكنه تحت السطح يتناغم مع المنافع التي يدرها على الطبقة الحاكمة…

وهنا نطرح التساؤلات التالية: هل اشكالات التنمية تنتمي الى قضايا الحضارة (بمعناها البنابوي) وان الاقتصاد طبيعته الحياد امام الصراعات الايديولوجية، فالاقتصاد ينتمي الى العلوم الدقيقية وليس الى الفلسفة او العقيدة؟؟ ومن ثم فان مقولات اسلمة الاقتصاد ما هي سوى “وهم”.. أو في احسن الاحوال مقولات للتعبئة والحشد وليس مقولات للبناء والتعمير…

هل نحن امام تاكيد مقولات نهاية التاريخ كما طرحها فوكو ذات يوم عندما اكد ان اتجاه التاريخ اعطى الغلبة للفكرة الرأسمالية… وبعضهم يحورها لاقتصاد السوق.. او ما سماه آدم سميث اليد الخفية التي لها القدرة على تنظيم الدورة الانتاجية بفعالية دون تدخل قسري وتعسفي..؟؟

ام ان الأمر لا يعدو ان يكون بسبب خلو الاحزاب الاسلامية من البرامج والافكار القادرة على اظهار تميزها وتميز ما تدعو له؟؟