الاقتصاد

الرأسمال الأجنبي والمناخ الاستثماري.

رياض حاوي

هناك قاعدة بسيطة تتعلق بـ”الاستثمار الأجنبي” تقول أنه لا استثمار حيث لا أرباح، فليس هناك رجل أعمال يقدم على ضخ ملايين الدولار في أرض قاحلة إلا إذا كان رجلا معتوها سرعان ما يحجر عليه. والذين يتصورون ان الحل الذي لم يطبق بعد هناك اتاحة المجال للاستثمار الأجنبي أو بعبارة أوضح: رفع كل القيود عن الرساميل الأجنبية حتى يتم توظيفها في الأنشطة الاقتصادية المرخص لها قانونيا وتعود بالنفع على البلد المستفيد وطبعا على صاحب الاستثمار.

وبكل صراحة وضع الجزائر لا يسمح بفرض أية شروط على المستثمر الأجنبي لأنه بكل بساطة القاعدة التفاوضية للطرف الجزائري هشة إلى أبعد الحدود ولا يستطيع الصمود طويلا أما الشروط أو المناخ المثالي الذي يطالب به المستثمر الأجنبي مهما كانت جنسيته.

المستثمر الاجنبي يطلب بكل بساطة سوقا حرة مفتوحة ليس فيها قيود، ويطلب غض الطرف من السلطات الادارية عن المخالفات التي هي أصلا جزء من “الخطة” الاستثمارية، ورقابة معدومة على حركة الاموال دخولا وخروجا، وضرائب منخفضة أو بالأحرى قريبة إلى الصفر وفترة سماح لا تقل عن خمس سنوات، وتدخل ضعيف من البيروقراطية المحلية، وقانون عمل مليئ بالثغرات لصالح المستثمر، وإضعاف روح الحركة النقابية في المؤسسات التي ينشؤها الرأسمال الأجنبي.

بمثل هذه الشروط او الحوافز يمكن للمستثمر الأجنبي أن يبدأ في التفكير في دخول السوق الوطنية، وعلينا طبعا أن نلاحظ باننا لسنا في مقام الحديث عن شروط وحوافز بقدر ما نحن نتحدث عن رفع للقيود، أي مجرد توفير مكان لنشاط المستثمر الاجنبي بشروطه وحسب مزاجه.

هذا السقف المرتفع للمستثمر الأجنبي مدعوم بالمناخ الاقليمي عموما حيث لم تتردد دول من الغاء القيود والشروط شكليا ومن قامت بوضع بعض التقييدات في اللوائح نجد أن هذه التقييدات زالت أثناء التنفيذ في أرض الواقع بسبب شبكة البيروقراطية المستنفعة من الأجنبي والتي تقوم بخدمته وحمايته وتسهيل كل الخروق القانونية –ان وجدت قوانين- أمامه حتى يعمل براحة بال. ولذلك يرفض المستثمر أن يذهب لبلد متشدد أو حتى صارم ويفضل المناخ المتسيب والمفتوح على كافة الاحتمال ما عدا احتمال القانون وهيبة القضاء.

وعلى الرغم من هذا كله لم تتدفق الاستثمارات الأجنبية والرساميل بالشكل المأمول، وتسجل معظم الاحصائيات أن هذه الرساميل ذات طابع شكلي ومعظمها يتركز على نواحي محدودة وضيقة وفضلت معظم المشاريع الذهاب لدول واعدة مثل جنوب شرق آسيا كفيتنام وتايلاندا وماليزيا أو أمريكا اللاتنية كالبرازيل والمكسيك والأرجنتين وغيرها.

والسر وراء هذا الاحجام هنا والهرولة هناك، هو المناخ الاستثماري، والمناخ هنا ليس القوانين وتعاون الحكومة كما يروج بعض فهذا جزء بسيط من المعادلة، المناخ الحقيقي للاستثمار هو وجود بنية اقتصادية قوية جاذبة للاستثمار الأجنبي كمصدر للدخل الاضافي للمستثمر، أي ان السوق المحلي مدعوم بقدرة شرائية قوية وعمالة مؤهلة هي المناخ الحقيقي والتصدير هو تحصيل حاصل من باب زيادة الخير خيرين.

وبمعنى ىخر الاستثمار الاجنبي هو نتيجة النهضة الاقتصادية المحلية وليس هو عنصر في هذه النهضة، يأتي كي يستفيد منها وليس العكس كما يتوهم الواهمون.