الرواتب ومشكلة السيولة في مكاتب البريد
ظاهرة الطوابير أمام مكاتب البريد التي أثارت الانتباه في الفترة الأخيرة وأصبحت مشكلة اجتماعية وربما تتطور إلى مشكلة سياسية تعصف بالاستقرار الهش الذي فرضته كورونا وفشلت السلطة في استثماره ايجابيا وانتقلت من مشكلة إلى أخرى..
هنا تختلف التفاسير أمام تعقيد هذه المشكلة. وللأسف كثيرا ما تطفوا على السطح التفاسير المضللة.. وبعض المنتسبين لحقل الاقتصاد يجدون لذة في تعقيد التفسير تقنيا فيصبح غير مفهوم للأغلبية من دافعي الضرائب والنتيجة يعود الجميع إلى التفسيرات السياسية والمؤامراتية..
مشكلة السيولة هي زيادة في الطلب على الأموال وعجز عن العرض، وهذا وراءه عدة أسباب فينكمش المعروض النقدي إلى درجة تؤدي إلى الاضطراب.. لان الناس تخشى النقص المزمن فتطلب أكثر فيزيد الاشكال فيزداد الطلب فيزيد الاشكال وهكذا النقص يغذي الطلب والطلب يغذي النقص فتظهر الطوابير ويسحب الناس كل مدخراتهم خوفا من نقص السيولة او رفضا للعودة للطابور بعد يومين او ثلاثة فيتقلص العرض أكثر ويزداد الطلب أكثر على النقود.. وهكذا وقد يتسبب الوضع في انهيار النظام المالي بسبب الاشاعات والتفسيرات الغير عقلانية التي تغذي الخوف وتغذي الرغبة في الحماية.
وتأتي الصدمات الاقتصادية مثل ما نعانيه من كورونا حاليا في تغذية مزيد من الخوف ومزيد من القلق ومزيد من الارتباك.
وفي وضع مثل الجزائر حيث تغيب أبسط أنماط التكنولوجيا المعاصرة للدفع عن بعد أو الكترونيا تزيد الأمور تعقيدا ويحدث ما نشاهده في الجزائر من مشاهدة مؤلمة مثل الطوابير بالآلاف والانتظار امام المؤسسات المالية منذ الصباح الباكر مما يذكرنا بازمة العشرينات من القرن الماضي وتدل على منظومة مالية بائسة تعيش خارج التاريخ المعاصر.
الاقتصاد كما شرح شومبيتر منذ مطلع القرن العشرين هو حلقة متكاملة ودائرية.. إذا حصل مشكل في أحد الجوانب تتأثر الجوانب الأخرى.. تلقائيا.. وهذا واضح بدرجة البداهة لكل من يعمل في الحميز أو تاجنانت او سوق دبي في الواد.. لكن للأسف الكثير يصعب عليه فهم البديهيات والأخطر أن السياسي نفسه يعجز عن فهم ما يدور حوله.. فيخرج للناس ويعلن عن مجموعة قراءات غريبة ومضحكة في كثير من الأحيان.
الواقع هذه المشكلة مناسبة مهمة لفهم بعض شؤون السياسات العامة وبعض جوانب الظاهرة الاقتصادية فهما صحيحا..

و شخصيا أميل إلى مدرسة تبسيط الاقتصاد لدافعي الضرائب حتى يفهم الجميع دور صانعي السياسات العمومية في خلق المشكلات والأزمات بسبب سوء الفهم وسوء التقدير وقلة الكفاءة.
وهنا سأركز على عامل مهم يغذي ظاهرة نقص السيولة ولا نهتم به كثيرا.. ولكن يقع في صلب المشكلة.. وهذا ما جعلها متفاقمة ومفضوحة في الجزائر.
ولفهم الظاهرة نطرح بعض الأسئلة البسيطة.. وستكون الاجابة تلقائية ومباشرة. الجميع يجيب عنها بنفس الطريقة وباجماع.
السؤال الأول:
- هل مشكلة الطوابير تتعلق بمشكلة طباعة العملة لتغطية الطلب المتزايد على النقود؟ بمعنى انه لو قامت الحكومة بطباعة أوراق نقدية أكثر لن تكون هناك هذه المشكلة؟ والسؤال الذي يطرح نفسه طبعا.. ما هو المقدار الذي تطبع به الحكومة الأوراق النقدية؟ المسألة ليست عبثية.. الحكومة لا يمكنها طباعة ما تشاء من النقود إلا عن طريق معادلات رياضية دقيقة تراعي بالأساس توازن حجم النقود المتداولة مع حجم السلع والخدمات في الاقتصاد.. وأي عبث بهذه المعادلة سيكون هناك تضخم خطير.. وهذه قاعدة اقتصادية أصبحت من البديهيات..
السؤال الثاني:
- هل المشكلة تتعلق بطلب متزايد على النقود أكثر من المعدلات الاعتيادية وبالتالي تجد المؤسسات غير قادرة على تلبية الطلب الغير طبيعي خاصة مع ظروف الجائحة وتوقف عشرات القطاعات الاقتصادية؟ والإجابة عن هذا السؤال بشكل صحيح ستفسر لنا الحلقة الدائرية المتكاملة للاقتصاد.
الآن نأتي للب المشكلة لنبدأ في تفكيك الظاهرة في الجزائر.
**من يقف في طوابير طويلة أمام مكاتب البريد؟
**من هي الفئات الاقتصادية التي تقف في هذه الطوابير؟

والجواب سيكون صادما..
منتجي الثروة معظمهم لا يقفون في هذه الطوابير ولا يحتاجونها..(في معظم دول العالم ليس هناك طوابير)..
بمعنى مباشر..
**هل عمي أحمد السوفي صاحب البقالة او عمي الناصر الميزابي صاحب محل العتاد أو عمي محمود السطايفي صاحب محل قطع الغيار لديه مشكلة سيولة بنفس الخطورة والتعقيد مقارنة مع سي عبد المجيد الذي يعمل في قطاع الشرطة أو محي الدين الأستاذ الجامعي..
هل عمي السبتي الموال الذي يبيع هذه الأيام خرفان الأضحية لديه مشكلة سيولة مثل سي هشام الموظف في الولاية الذي ينتظر راتبه لشراء الخروف.
بداهة مشكلة السيولة هذه الأيام تطرح أكثر لدى فئة الموظفين والعاملين لدى المؤسسات الذين يتلقون رواتبهم آخر كل شهر.. ولا تطرح بنفس التعقيد والحدة لدى الفئات الأخرى.. خاصة أن النظام المالي الجزائري يسمح بخروج السيولة تماما من النظام المالي الرسمي لتخرج لقنوات أخرى.. (وقد كتبت مقالا شرحت فيه كيف تغذي الحكومة سوق الكاش بجهلها وقلة كفاءتها)
وبداهة تطرح هذه المشكلة لدى موظفي القطاع العام أكثر بكثير مما تطرح لدى العاملين لدى القطاع الخاص المنتج للثروة..
أعتقد لحد هذه اللحظة توضحت بعض الأمور لمن يقرأ هذا المقال.. ووصلنا إلى لب الإشكالية..
كيف تنشأ الرواتب؟.. من أين يأتي المال الذي ندفعه كرواتب؟..
لا اعتقد ان الاجابة صعبة على هذه السؤال.. لكن للأسف خاصة السياسي البليد.. يعتقد أن الدولة تدفع له الراتب.. بينما الدولة (الحكومة تقنيا) تحتاج من يدفع لها الراتب.. ومن يدفع لها الراتب هو القطاع المنتج للثروة عبر آلية الضرائب.

- راتب القطاع المنتج للثروة هو الفرق بين التكلفة وبين سعر البيع.. هو الربح..
- راتب القطاع العام (الحكومة والبرلمان والبيروقراطية والخدمات الحكومية والوالي والبلدية وقوات الأمن والجيش).. هو الضريبة التي تفرضها الدولة على أرباح القطاع المنتج بما فيها ضريبة النفط (باعتبار سونطراك المنتجة للثروة الوحيدة القابلة للتصدير والجالبة للعملة الصعبة)..
إذا فهمنا هذه النقاط جيدا.. فان الرياضيات تخبرنا أنه إذا تقلص حجم الارباح من المفروض يتقلص حجم الضرائب.. ومن ثم تتقلص حجم مداخيل الحكومة. وهذا سيؤثر على رواتب منتسبيها.
هذه رياضيات وليست فلسفة..
لكن بكل أسف نحن اتبعنا نظام الرواتب الثابتة في القطاع العام التي لا تخضع لقانون المرونة كما هو راتب عمي احمد السوفي في بقالته، اذا زادت مبيعاته زاد راتبه بعكس الموظف الحكومي (وهذا احد المشاكل الهيكلية لمالية الدولة المعاصرة)..
والأخطر من ذلك أننا ضخمنا القطاع العام بشكل كبير جدا.. حتى أصبحنا لا نملك قطاعا قادرا على انتاج الثروة ودفع الضرائب لدعم رواتب القطاع العام المتضخم.. وهذه احد المشكلات الهيكلية التي تؤثر على مالية الدولة المعاصرة ليس فقط في الجزائر بل نفس الظاهرة حدثت في كندا في عهد معاتيه الاشتراكية وفي بريطانيا في العهد المظلم للسياسات الكنزية الذي جعلت بريطانيا تمد يدها لصندوق النقد الدولي لطلب المساعدة. ونفس الشيء في صين ماوتسي تونغ او فنزويلا شافيز.
نحن هنا لا زلنا في الرياضيات..
الرواتب العامة لا تأتي من الفراغ او من مصباح علاء الدين أو من مطبعة البنك المركزي.. والا تكون الأمور سهلة
نجلس في بيوتنا .. وكل شخص تدفع لها الدولة مليار سنتيم من المطبوعات التي تسمى النقود الملونة بشكل جميل.. ونعيش في جنة الدنيا..
إذا فهمنا هذه العلاقات الرياضية البسيطة سنفهم لماذا مشكلة السيولة في الجزائر مشكلة دورية.. وهيكلية وستبقى تتكرر ولن تحل الا بإصلاح جذري للاقتصاد الجزائري. إصلاح يلمس كل الجوانب وخاصة حجم البيروقراطية وحجم القطاع العام..
وهنا نأتي إلى الاستنتاجات الكبرى والخلاصات الهامة:
- لدينا 11 مليون عامل من بينهم 4 ملايين يعملون في القطاع العام (البلدية الولاية التعليم الطب دوائر الحكومة البرلمانيين السيناتورات مستشاري رئيس الجمهورية ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والشرطة والجيش) من بين هؤلاء لدينا فقط 400 ألف يعملون في القطاع العام المنتج من بينهم 120 الف في سونطراك التي كسروا ظهرها بهذا العدد المتضخم من الموظفين (الارقام ذكرتها على الإجمال). بمعنى أن كل ستة مواطنين منتجين للثروة ودافعين للضرائب يجب ان يدعموا 4 مواطنين في القطاع العام بنسبة مستحيلة رياضيا يعني كل مواطن ونصف منتج للثروة يدعموا راتب مواطن عامل في القطاع العام.. وهذه معادلة مستحيلة رياضيا. مالم نحل هذه المشكلة لن نحل قضايا كثيرة ومن بينها قضية السيولة. فالمعدلات العالمية تتحدث عن 1:50 في كوريا الجنوبية و1:78 في سنغافورة .. وهي أرقام يجب أن تصبح منارات نستهدي بها ونسعى لها اذا اردنا حلا جذريا بعيد المدى.. ولذلك أمامنا طريق طويل لتخفيض سمنة القطاع العام.. وهناك حلول عملية. خفض سن التقاعد إلى 60 سنة في القطاع العام في جميع المجالات والقطاعات والتوقف عن التوظيف لفترة تمتد بين 3 إلى 5 سنوات بما فيها التوظيف في قطاعات الأمن. وتسريع رقمنة النشاطات الادارية والغاء كل البيروقراطيات المريضة المعششة.
- الاستنتاج الثاني.. وهو ما يضع الحكومة في موقف الحرج.. كيف ستدفع الرواتب وهي نفسها لم تحصل على الضرائب التي ستدفع منها الرواتب.. تقنيا كيف سنقوم بتبرير هذه الأوراق النقدية التي يمكن طباعتها بمجرد الضغط على آلة الطباعة وتوزيعها في صناديق على مكاتب البريد.. الرواتب في القطاع العام لا تأتي من فراغ..
- بعض الشطار يقترحون على الرئاسة طباعة النقود، كحل مؤقت، لكن الرياضيات لا تلعب.. أي كتلة نقدية أكثر من حجم السلع والخدمات ستؤدي إلى التضخم وآخر مثال دراماتيكي حدث في فنزويلا قبل سنوات.. وقد يؤثر بتداعيات سلبية على استقرار منظومة الحكم.. وروح الحراك لا تزال ترفرف فوق قصر المرادية.. وأي خطأ تقني قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية وسياسية لا تحمد عقباها وقد يكلف الرئيس منصبه مباشرة..
- مراجعة جذرية لقانون العمل، طبعا انا ادعو لتمزيق قانون العمل والغائه تمام والتخلص من هذا الإرث الفرنسي. ولكن اذا تطلب الأمر ورفقا ببقايا الستالنيين واليعاقبة في دواليب السلطة يتم مراجعة قانون العمل وإدخال بعض التعديلات من بينها فيما يتعلق بموضوعنا إلغاء الترسيم في وظائف القطاع العام وإدخال نظام العقود التي تمدد بحسب الحاجة. وهذا للسماح للبيروقراطية مسايرة دينامكية الاقتصاد ففي حالة الانكماش لا يتسبب موظفوها في التضخم. بالاضافة إلى التوقف عن التوظيف في هذا القطاع للسماح للاقتصاد والمواطنين المنتجين للثروة والدافعين الحقيقيين للضرائب بالتنفس وحتى يستطيع أن يدعموا المصاريف المختلفة لهذا القطاع يجب الإنقاص من هذه المصاريف ويمكن العودة لتجربة كندا في هذا المجال وقد تحدثت عنها أكثر من مرة.
القضايا التقنية الأخرى مثل بطاقات الدفع وتحديث النظام المالي وعدم ثقة الناس في المؤسسات المالية وسيطرة سوق الكاش هذه الأمور التقنية سرعت ظهور المشكلة وفضحت المشكلة الجوهرية التي تقع في صميم حجم البيروقراطية المتورمة والمسرطنة ومدى قدرة المجتمع على دعمها ودعم مصاريفها.
هذا العرض يتحدث عن الجانب الأساسي من مشكلة السيولة في تقديري، في بلد مثل الجزائر ولا ينفي أن هناك عوامل أخرى مثل انقاص السيولة لخفض احتمالات التضخم، لكن هذه من المفروض تتم عبر رفع سعر الفائدة وزيادة معامل الاحتياط البنكي وليس إلغاء الكاش.
