الاجتماع

الشيخ الأستاذ مراد مزالي.. عندما يفتقد الرجال 

رحم الله الاخ العزيز والمربي الخلوق الأستاذ الصديق الشيخ مراد مزالي.. انه من الرجال القلائل الذي تتمنى أن تفديه بروحك لما تعلمه من خصاله الحميدة ونفعه المبارك العام.. هناك من يغادرون الدنيا فيغادرونها فرادى أوحادى عاشوا لانفسهم ولاهلهم ولكن هناك من يغادرها فتغادر معهم خبرة انسانية عظيمة ومنافع جليلة سخرهم الله لها واختارهم من دون عباده حتى تاتي على أيديهم ويعم نفعها غيرهم. الشيخ والأستاذ المربي مراد مصباح اذا انطفأ فقد انطفأ النور الذي يشع في الآفاق رجل لم يعش لذاته بقدر ما كان مهموما بشؤون امته ومن اجل ترقيتها ورفعتها.

كان يحمل عشرات المشاريع ولا ينتهي من تأسيس مشروع الا وتجده يساهم في غيره يبني ويحشد الطاقات والامكانات ويؤلف القلوب ويحتضن الكفاءات ويشجع ويدعم بالمال وبالكلمة الطيبة وبحسن التوجيه والحث على فعل الخير. 

رزقه الله القبول وحسن المعشر ودماثة الاخلاق.. وله شبكة علاقات واسعة من اهل العلم والثقافة والسياسة لا تكاد تعرف شخصية علمية او ثقافية او شخصية عامة والا وللشيخ مراد له به صلة او معرفة.. 

مستحيل تطرح امامه فكرة والا ورغب في تحويلها إلى عمل.. واذا نسيت فهو لا ينسى وقد يذكرك بها ويحثك عليها ويسهلها لك.. 

ولعلمي بحجم الصعوبات وتعقيدات الواقع الجزائري خاصة لمن اصابته سهام السلطة وضيقت عليه وسلبته حريته في عز شبابه مما اصاب الشعب الجزائري من محنة مدمرة ومع ذلك لما خرج لم يهنأ له بال ولا ارتاح له مقام.. يؤلف القلوب ويجمع الطاقات ويحرض على فعل الخيرات.. 

الشيخ مراد من الجيل الذي آمن ان الجزائر تستحق الأفضل.. الأفضل في كل شيء.. في الاعلام وفي السياسة وفي الثقافة وفي الاقتصاد وفي الكفاءات..

مستحيل تطرح امامه فكرة والا ورغب في تحويلها إلى عمل.. واذا نسيت فهو لا ينسى وقد يذكرك بها ويحثك عليها ويسهلها لك.. 

كان هاجسه دائما هو القيام بواجب نحو الجزائر.. وكثيرا ما يكرر “رانا مقصرين في حق الجزائر” 

جمع ما تيسر من الإمكانات والقدرات والطاقات مع ثلة من اخوانه اهل السابقة رغم التضييق والحصار والتفقير الممنهج الذي يعاني منه الشعب الجزائري حتى يسر له الله مع اخوانه اطلاق جريدة المحرر الأسبوعية على أمل أن تتحول إلى جريدة يومية..

كان رحمه الله كتيبة اعلامية في رجل يحث الجميع على الكتابة وتحضير المادة وعلى تصفيف الجريدة واعدادها للنشر ثم توزيعها.. وقد شرفني الله تعالى ان اكون معه في هذه المهمة النبيلة واعتبر ذلك من القربات ان جعلني في صحبة مثله. ورغم ان الجريدة تكاد تكون جريدته ولكن لم يظهر اسمه ولو مرة واحدة فيما اذكر حفاظا عليها حتى تستمر ولا ينالها التضييق والحصار وبطش السلطة.. في علامة فارقة على نكران الذات وتسبيق مقاصد المشروع عن اي كسب ولو مجرد اعتراف بسيط. ومن يعرف الظروف الصعبة التي يمر بها الاعلام الحر والمستقل والاجراءات الملتوية التي تفرضها البيروقراطية على المواطنين لتاسيس الجرائد يعرف قيمة التضحية والجهد الذي كان يبذله امثال الأستاذ مراد.

كان رحمه الله كتيبة اعلامية في رجل يحث الجميع على الكتابة وتحضير المادة وعلى تصفيف الجريدة واعدادها للنشر ثم توزيعها..

وتوقفت الجريدة بسبب قلة ذات اليد وحصار الاشهار وظهور ثورة وسائل التواصل التي جعلت الجرائد الورقية تحتضر ما لم تكن مدعومة من المنظومة.. وهذا لم يثنيه فتعلقت همته بمشروع آخر وهو إنشاء قناة تلفزيونية.. كانت لديه قدرة عجيبة على جمع الطاقات واكتشاف المواهب وربط بعضها ببعض مما وهبه الله من القدرة على حث الناس على الأعمال الصالحة واكتشاف الخير الكثير في معدنهم الطاهر. ورغم ان مشروع القناة يكاد يكون مستحيلا على امكانياته وقدراته ولكنه كان مثل المقاول الشاطر الذي يريد أن يحقق أكبر النتائج بأقل المصاريف.. فجمع مادة هامة وعلاقات اهم وتصور لا بأس به لإمكانية إنشاء قناة ولو بحدها الادنى يزاحم بها ويساهم بها في التنوير والتحديث الاجتماعي. ومن يعرفه يوقن ان الرجل سيحقق امنيته ولو بعد حين. فهو صاحب همة وصاحب شبكة علاقات وقادر على توفير شروط اطلاق المشروع في حينه.

وقد انشأ دارا للنشر دار الشاطبية تكاد تقول إنها دار لدعم الباحثين وتشجيعهم وتوفير منبر لنشر اعمالهم وانتاجهم الفكري. فكل ما يقع بين يديه يسخره لنشر ما يقدر عليه من كتب او مؤلفات. 

ولعل اهم ما كنت اسمعه منه دائما هو حرصه على تكوين وتأهيل الكفاءات العملية وتشجيع الشباب على طلب العلم وتوفير ما يستطيع من المساعدات المادية لنخبة كبيرة منهم بما يستطيعه حتى اذا لم يجد ما يقدمه يشتري تذكرة سفر.. وقد كتب الله له ان جعل كثير من الكفاءات واهل العلم والمعرفة حسنة من حسناته وقبسا من جود يده وقطعة من روحه اودعها فيهم من أجل ان تكون الجزائر في مستوى التحدي الحضاري. فارسل الشباب في البعثات العلمية بعضهم بكلمة وآخر بتزكية وثالثة بشراء تذكرة طائرة ورابع بتغطية مصاريف ما استطاع وكلهم يحفظون له الود ويقدرون له عظيم المكانة.. لانهم يعلمون معدنه الطاهر فلو كان يملك بيع عضو من اعضاء جسمه لباعه في سبيل ان يهيا لهم الحد الادنى من السفر الكريم في سبيل الع

لم والمعرفة والترقي في المراتب. ولو اعاد الله له عضوه الجسدي لباعه بدل المرة الواحدة كل مرة احتاج ان يدعم كفاءة.

وقد كتب الله له ان جعل كثير من الكفاءات واهل العلم والمعرفة حسنة من حسناته وقبسا من جود يده وقطعة من روحه اودعها فيهم من أجل ان تكون الجزائر في مستوى التحدي الحضاري.

ومن مشاريعه التي لا يعرفها ربما كثير من الناس هو انشاء موقع مالك بن نبي وهو ومن المواقع العربية والاسلامية القليلة التي يحتفى بها بمفكر مسلم فلا الجابري ولا الغزالي ولا اركون ولا ايا من المفكرين يملك موقعها مثل الموقع الذي انشأه الشيخ مراد خدمة للمفكر مالك بن نبي رحمه الله. ولما كان يريد تصميم الموقع للمرة الثانية لم يعجبه التصميم الذي قدم له وقدر انه لا يليق بمقام مالك بن نبي حتى سمع بمصمم ماهر في المغرب الشقيق فاخذ الطائرة وسافر اليه حتى يحثه على انجاز الموقع واعداده بما يليق وحتى يكون قريبا منه فيزداد حرصه على انجاز المهمة في احسن حلة.

كان رجلا كريما سمحا بشوش الملامح رؤيته تبعثه على الفرحة والسرور والحديث اليه مملوء بالحماسة للخدمة العامة وتحقيق مقاصد الخير ونشر المنفعة العامة.. 

وكان قد انشا موقعا باسم الموسوعة الجزائرية لجمع امهات الكتب والمواد وتحويلها إلى عالم الديجتال حرصا على ادخال المؤلفات الجزائرية إلى هذا العالم الهام وحتى تكون في متناول الباحثين والمهتمين. 

ولما كتب الله له واعطي له جواز السفر زارنا مرتين في ماليزيا في ايام مباركة.. وقد احب هذا البلد الطيب وقال لي في واحد من اخر المكالمات معه انني اشتقت لماليزيا واذا زال هذا الحضر  فان شاء الله سازوركم.

كان رجلا كريما سمحا بشوش الملامح رؤيته تبعثه على الفرحة والسرور والحديث اليه مملوء بالحماسة للخدمة العامة وتحقيق مقاصد الخير ونشر المنفعة العامة.. 

رحم الله الصديق العزيز الشيخ مراد وتقبله مع الشهداء والصالحين وجزاه الله عنا وعن الجزائر خيرا .. اللهم ارحمه برحمتك الواسعة واكرم نزله وتجاوز عنه واسكنه الفردوس الأعلى واجعل قبره روضة من رياض الجنة

توفي يوم الاثنين 21 ديسمبر 2020

انا لله وانا اليه راجعون