الاقتصاد

العبارات الطنانة لا تصنع الثروة

رياض حاوي

من السهل “انتاج” العبارات الطنانة والجمل المفخمة بالكلمات الكبيرة ذات الوقع الثقيل على الأذن، لكن التقييم الحقيقي هو للأعمال الميدانية والأقوال التي تسندها الأفعال، والعبارات التي تخدم الوقائع وليس العكس.

ولعل مرض إنتاج الكلمات والجمل والعبارات قد طغى في حياتنا اليومية إلى درجة أحالت كل واقعنا إلى عالم افتراضي مصنوع من قواميس الساسة الذين يتقنون فن زخرفة الكلمات والعبارات ليغطوا على واقع مليئ بالبؤس السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

والأدهى والأمر هو انتقال عدوى “انتاج” الكلمات من الجانب السياسي إلى الجانب الاقتصادي، وغدا واقعنا الاقتصادي لا تسنده لغة الأرقام الحيادية والمؤشرات التي تعكس الحقائق الملموسة في حياة المواطن اليومية، بل لغة الساسة ذات الطبيعة الموغلة في الخداع والمكر والتدليس وقلب الوقائع.

وإذا كان من الممكن “انتاج” واقع سياسي فيه شبه ديمقراطية وشبه وتعددية أو فيه حتى ديمقراطية ديكورية ويمكن التعايش مع هذا الواقع لفترة طويلة أو قصيرة فإنه يتعذر في أكثر من مستوى إنتاج واقع اقتصادي فيه شبه نشاط اقتصادي، وشبه انتاج صناعي وشبه محاصيل زراعية والتعايش مع ذلك لفترة طويلة. لأن الواقع الاقتصادي المزيف سيمس مباشرة معيشة الناس وارزاقهم وقدرتهم على تحمل تبعات التخلف لفترة لا نهائية وإلى أجل غير مسمى. وما الاضطرابات الاجتماعية الحادة التي تشهدها بعض المناطق من ربوع الوطن إلا دليل على أن الافلاس الاقتصادي في مشاريع التنمية والنهوض بمستويات معيشة المواطن لا يمكن ان يبقى بعيدا عن ردات الفعل.

والنهضة الاقتصادية المطلوبة لا يمكن ان تصنع بمجرد انتاج نظام من الكلمات التي تبيع الأوهام بينما أمم العالم تتقدم وتتطور وتزدهر نجد بلادنا لا تكاد تخرج من ورطة حتى تقع في أختها.

وليعجب المرء من هذا النظام المتداول من العبارات والجمل فقد وردت تصريحات عن منتدى رؤساء المؤسسات المعروف اعلاميا “بالباترونا” تؤكد ان الهيئة تعكف على اعداد خارطة طريق الاقلاع الاقتصادي والتي ستعرضها على الحكومة في أقرب فرصة.

ما يجعلنا نؤكد على أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد نموذج جديد من نماذج “انتاج” الكلام وتوزيعه هو ان البلد غارق إلى أذنيه في مشكلات هيكلية وبنوية تمس قدرته على التوازن الاقتصادي على المدى البعيد بينما المؤسسات المعنية بالنهضة لا تزال تفكر في وضع خارطة طريق؟!

مصداقية هذه المؤسسات العجيبة يمكن أن نكتشفها بمجرد النظر في موقعها على الانترنيت، لأن الأفعال تغني عن الأقوال.. وموقع هذه المؤسسة كغيره من المؤسسات التي تغرق الفضاء ببحر من كلمات النجاعة الاقتصادية والفعالية لا أثر لها على ارض الواقع، يعاني حالت جمود بل موت سريري منذ فترة طويلة تنبئ على أن التجمع عاجز عن تطوير مجرد موقع اعلامي على شبكة الانترنيت يمثل أكبر كتلة من رجال الاعمال المفترضين في الوطن. فما بالك بالحديث عن خارطة الطريق تخص النهضة الاقتصادية والعمرانية والصناعية والزراعية الشاملة.

إذا كان تنشيط موقع صعب ومتعذر ويكاد يكون مستحيلا على هيئة يفترض انها تمثل القوى الفعالة “ماديا” في المجتمع، فكيف سنهضم أن هذه الهيئة قادرة على المساهمة في النهضة الاقتصادية؟؟..

فمن نصدق؟

الكلمات الفخمة والرنانة أم واقع الحال الذي يعكسه موقع الهيئة.

ما لم يتم توقيف “مصنع” الكلام ومؤسسات “العبارات” الطنانة عن ملء الفراغ وتجميدها إلى أجل غير مسمى وتعويض ذلك بهيئات قادرة على العمل والفعل الصغير لكنه يؤسس للمستقبل فسنظل في وضع كارثي، فلا الحاضر أحسنا فيه الصنع ولا المستقبل جهزنا له عدة التحدي والاستمرارية.