العمل كاستحقاق
عندما التحقت بسوق العمل مبكرا في ماليزيا لفت انتباهي وانتباه كل مهاجر مثلي تلك المرونة غير العادية التي بتميز بها العامل الماليزي في اختيار العمل والتنقل من وظيفة الى أخرى دون خوف ولا وجل ولا قلق.. في البداية فسرت الموضوع على أنه بسبب اتساع النشاط الاقتصادي وتوفر فرص العمل بشكل متواصل بحيث لا يمكن لمواطن ماليزي ان لا يجد عملا الا اذا كان معتوه ذهني او متعاطي مخدرات كل اليوم لا يصحى من الغيبوبة.. وكنت اقارن ذلك بالشعور الذي جلبته معي من بيئتي وهو ان الوظيفة مثل العصفور اذا فتحت يدك تطير الى غير رجعة..
وكنت اعجب كثيرا من اناس بلغوا العقد الخامس من عمرهم الوظيفي ولا يزال يتنقل من منصب الى منصب ومن وظيفة الى أخرى.. وبعد سنوات من النضج بدات افهم بعض المعادلات التي تسمح بهذه المرونة.. هناك سوق للعمل وهناك سوق للعمالة .. وهذا السوق يحكمه قانون العرض والطلب.. كأي سوق.. والمستهلك لهذا السوق وهم هنا الشركات والمؤسسات الاقتصادية يتخيرون ما يناسبهم وبحسب امكانياتهم الاستثمارية.. ليس هناك قوانين حمائية بالشكل الموجود في دول اخرى بحيث يصبح الموظف غير الكفؤ عبأ على المؤسسة التي وظفته ولا تستطيع تغييره بمن هو أكفأ بسبب القوانين ..
وفي ماليزيا لم يكن هناك حد ادنى للأجر فالامر يخضع للتفاوض بين العامل ورب العمل.. وفهمت من التجربة ان وجود حد ادنى للاجر قد يحمي العامل الموظف .. ولكنه لا يوفر فرصة اخرى لطالب العمل الذي ينتظر منصبا.. وقد حدث ان نقابات العمال في شركات النقل الحضري فاوضت علىى رواتب مرتفعة للسائقين مما ادى برؤساء الشركات التفكير في دمج حافلات النقل بحيث سائق واحد يسوق حافلة كبيرة مكونة من حافلتين مترابطة بدلا من سائقين يستعمل كلاهما حافلة صغيرة..
ودار الزمن دورته واصبحت في موقع اجلس لتوظيف طالبي العمل حيث اعمل.. فما الذي يدور في الذهن من يجلس في هذا الموقع ببساطة هو هل طالب العمل هذا لديه القدرة على ان يؤدي مهامه من اليوم الأول.. هل المستثمر في بداية مشواره قادر على الانطلاق بمبتدئيين لا يفقهون شيئا ام في حاجة الى كفاءات تساعده على الانطلاق والتوسع بسرعة.. وعائد الاستثمار هل ياتي بعد يوم او يومين او بعد سنوات من النزيف المالي قبل ان يتحقق التوازن المالي للاستثمار ثم يبدأ في تحقيق العائد.. العقد الدائم عادة يخلق مشكلة حقيقية في تغيير العناصر غير الصالحة.. فتجد مدير منشأة يعجز عن طرد عامل لأنه مرسم رغم انه غير صالح للعمل.. وفي جنوب افريقيا بمجرد ما ادخلت العقود الدائمة حتى انخفضت وتيرة التوظيف لان صاحب المنشأة لا يريد ان يتيح الفرصة لأيا كان ما لم يمر على محك التدقيق ويكون متاكد انه اضافة نوعية.. وجنح بي الخيال بعيدا.. هل يمكننا في الجزائر ان ندعوا اليوم لفتح سوق العمل والتخفيف من القوانين المقيدة لمرونة الاستثمارات والغاء فكرة الاجر القاعدي.. ومن ذلك الغاء عقود التوظيف الدائمة.. سيبدو هذا الكلام بمثابة الكفر.. وقائله مبايع للامبريالية العالمية والرأسمالية المتوحشة.. والحقيقة تغيير الذهنيات ليس بالأمر الهين.. وقد يكون اكبر معارض هو المثقف والمتعلم نفسه.. وعندما تستولي افكار مسمومة على الأذهان يصعب تغيير الأوضاع مادامت تلك الأفكار سيدة الموقف ولها الجاذبية .. وقبل سنوات حاولت فرنسا معالجة مشكلة البطالة التي تجتاح الشباب وقد بلغت ٢٤ ٪ وهي نسبة كارثية.. وذلك باقتراح ادخال العقود المؤقتة وتجاوز مشكلة الاجر القاعدي..
كان اول من عارض هو النخب حيث خرج طلاب الجامعات في عدد من المدن الفرنسية رافضين لمقترحات ساركو الامريكي.. والحقيقة البسيطة والمباشرة ان الراس المال الاستثماري يهاجر حيث البيئة الجاذبة وعلى رأسها تحرير سوق العمل.. وبالعودة الى ماليزيا نجد انه بعد سنوات من النمو كانت النتيجة هي تحسن مداخيل الاغلبية الساحقة للمواطنين وتوفر الاف الفرص لعمالة اجنبية تقدر حاليا باثنين مليون.. واصبحت الكفاءات الماليزية مطلوبة في دول اخرى ومنها الخليج..