الغرب.. والغرب.. كينز.. وهايك (2)
شكل ماركس منعطفا في التجربة الثقافية للغرب، فقد كانت امواج المزارعين والبدويين الزاحفين نحو المدن الكبرى تثير كثير من الشفقة والخيال الابداعي والتساؤلات الفلسفية.. كانت الثورة الصناعية زاحفة بقوة وبسرعة لم تواكبها ثورة في التنظيم والهيكلة والادارة.. فظهر المانفستو الشيوعي سنة 1948 في بريطانيا مهد الثورة الصناعية وانفجر الخيال الادبي الابداعي فكانت قصة البؤساء لهيكو تتويج لهذا الانقلاب الاجتماعي والصناعي.. كان واضحا ان هذا التسارع الصناعي بدالة أسية هو مصدر بؤس وشقاء آلاف العمال المنكوبين الذين لم يعرفوا كيف يبقوا في مواقعهم مزارعهم ام يلتحقوا بالمدن الجديدة ويعملوا في مصانع النسيج ومناجم الفحم وبيوت الأغنياء.. ويتحملوا الشقاء المصاحب لهذه التحولات.. شقاء التكيف من عصر النهضة الجديد. وهو شقاء نابع من كون تسارع التكنولوجيا والصناعة رافقه تباطؤ في التنظيم وتنسيق الجهود وادارة المصانع وتباطؤ في الفلسفة والفكر.
ولذلك تحدث ماركس عن “الاغتراب” الانسان المسالم الذي يبدأ يومه مع شروق الشمس وينتهي بغروبها ويحتضن دجاجاته وابقاره وخنازيره في فضاء يتعايش معه أصبح مطالب بحياة جديدة فيها الانضباط الاداري والتراتيبية والاوامر والانجاز والتنافس والظلم والسرقة، وربما لم يصفه بأجمل مما وصفه هيكو مع بؤسائه الذين يتجرعون المرارات دون علم لماذا وما هو مصدرها.
زعزع ماركس المنظومة الفكرية في ذلك الوقت وتحدى النهضة الصناعية في عمقها.. وأصبح صوت العمال الذين هم محور العملية الصناعية. اذا اكتسب هذه الفئة فقد سيطر على القوة المستضعفة التي يمكن ان تتحول الى مهيمنة.
كانت قوة الأفكار التي طرحها ماركس كافية لتزعزع المنظومة السائدة.. من له حق ملكية وسائل الانتاج؟.. الطبقات.. صراع الطبقات.. دور العمال في التغيير.. واهمية الثورة في تغيير الوضع السائدة..
ولعل أهم فكرة استعملها ماركس بذكاء هي “نظرية قيمة العمل” التي اخذها من رواد الرأسمالية آدم سميث وركاردو واظاف لها بهاراته فتحولت الى فائض القيمة.. من اين يأتي ربح البرجوازي (صاحب العمل).. من فائض الجهد الذي يبذله العامل ولا يحصل على مقابل له.. وهنا دمج ماركس بين مفهومين مفهوم “القيمة” ومفهوم “السعر”.. وتخربط تاريخ البشرية منذ تلك اللحظة.
في فينا (النمسا) سارع مجموعة من رجال الاقتصاد التقنيين لتدارك الأمر.. كان واضحا أن علم الاقتصاد سيلعب دور كبيرا في القرن المقبل.. واذا ترك العلم للفلاسفة والحركيين الاجتماعيين والسياسيين فستحدث كوارث.. نشر كارل منجر النمساوي كتابه “مبادئ الاقتصاد”..
وأهم ما ذكره ان السعر هو ما يتفق عليه طرفان في تبادل حر بغض النظر عن قيمة الشيء. لان قيمة الشيء نسبية.. فزجاجة خمر بالنسبة لشاب ايرلندي له تراث في معاقرة الخمر تسوى الدنيا وما فيها.. ولو جمعت الدنيا كلها ووضعتها في كفة ووضعت زجاجة خمر في كفة ثانية لشاب مسلم فانه سيرمي بهما معا.. لان الخمر لا قيمة له بالنسبة للشاب المسلم.. فليس هناك قيمة حقيقية لأي شيء.. وكاس ماء بالنسبة لعطشان في الصحراء يشتريه بماله كله رغم ان سعر كاس ماء في وضع عادي لا يستحق كل هذا العناء.
ما سمي المدرسة النمساوية في الاقتصاد كانت تتطور بمعزل عن الدينامكية التي خلقها ماركس في بريطانيا والمانيا ولاحقا في فرنسا.. دول المركز الغربي.
وفي بريطانيا مهد الثورة الصناعية كان جيل جديد من المثقفين يتشكل في ظل هذه الثورة الفكرية التي تحولت الى مظاهرات ونقابات عمالية ومحاولات لزعزعة انظمة الحكم.. فتشكلت جمعية الفابيان سنة 1884، التي استلهمت من الماركسية ابعادها الاجتماعية ولكنها بدلا من الثورة فانها تهدف الى التغيير السلمي والمتدرج عبر الطرق الديمقراطية.. وكان من أشهر شخصيات هذه الجمعية الكاتب البريطاني الشهير الساخر برنارد شو.. وكان يكتب العبارات الرنانة المركزة التي تخصتر قضايا فكرية معقدة ولكنها تلقى رواجا كبيرا لدى الجمهور.. مثل قوله: “الرأسمالية حطمت إماننا بكل انواع القوة باستثناء المصلحة الشخصية المدعومة بالقوة”.. او قوله:”مادام لم تفهم الرأسمالية فلن تفهم المجتمع الانساني” او مقولات دعم للاشتراكية :” التقدمية غير ممكنة دون تغيير، والذين لا يغيرون افكارهم لن يستطيعوا تغيير أي شيء”..
كان اشكال “العدالة الاجتماعية” مهيمنا على طرح الفابيان.. وفهم الرواد أن العالم لن يتحسن ما لم يتم ترتيب بيت الاقتصاد ولذلك أسست الجمعية بجهود السيدة بياتريس واب مدرسة لندن للاقتصاد (Economic London School).. هذه المدرسة التي ستكون محل أهم نقاش فكري في القرن العشرين.
مع مطلع القرن العشرين كان اغتيال الدوق النمساوي أدى الى انفجار الحرب العالمية الأولى واستغلت عصبة الشيوعين بقيادة لينين تفكك جيش روسيا القيصرية واستولوا على الحكم سنة 1917 وظهرت الدولة الشيوعية الموعودة بقيادة الحزب الطليعي الثوري الماركسي اللينيني.
جمعية الفابيان البريطانية وأمام هذا التحول الدرامي في التاريخ ارسلت بعثة استطلاعية لروسيا.. ونشروا كتابا بمثابة التقرير عن هذه الرحلة بعنوان: هل الاتحاد السوفياتي حضارة جديدة؟ بعلامة استفهام وبعد سنوات نشروا نسخة جديدة دون علامة الاستفهام. كانت الأفكار الشيوعية ونسختها المعدلة الاشتراكية هي سيدة الفضاء المعرفي الغربي.. خاصة بعد ان انتهت الحرب وقفز الشيوعيون ليعتبروا الحرب العالمية هي ثمرة الرأسمالية. (قدم كينز عرضا للكتاب في الاذاعة البريطانية مشيدا بمحتواه).
لم يذهب فقط الفابيان الى مهد الشيوعية لاكتشاف الحضارة الجديدة فقد كان هناك مثقفا امريكيا شابا نشيطا هو راكسفورد تاجوال قرر هو بدوره زيارة الاتحاد السوفياتي في العشرينات ويبدو اعجابه ليس فقط بالانضباط السوفياتي بل ايضا بالتسيير المركزي لموسيليني الذي زاره في ايطاليا.. وهذا الشاب سيقفز لاحقا في مركب الحملة الانتخابية لروزفلت الامريكي ويصبح جزء من “عقول الثقة” (مجموعة مسؤولة عن التفكير مساهما في صياغة ما عرف بالاتفاق الجديد (New Deal) والذي يلخص المشروع السياسي لروزفلت مزيدا من التخطيط ومزيدا من تدخل الدولة في تسيير الاقتصاد حتى ولو تطلب ذلك الغرق في الديون العمومية.
وفي ألمانيا وايطاليا كان التيار الهتلري والفاشي يزحف ايضا خطوة بعد أخرى بخلطة ايديولوجية تجمع بين النزعة الوطنية في التعبئة والاشتراكية في الاقتصاد والرأسمالية في الخطاب والدكتاتورية في السياسة (ربما تعرفون هذا النوع من الانظمة جيدا).
سنلاحظ انه منذ هذه الفترة أفل نجم المنصة الفرنسية.. فبعد روسوا وتوكفيل كان الصوت الفرنسي اما تابع للمنصة الالمانية او المنصة الروسية.. باستثناء مثقف مجهول في فرنسا ظهر فيما بعد في القرن العشرين من المنصة الامريكية وهو فريدريك باستيا. ولعل هذا ما يفسر انبهار جون بول سارتر بالتجربة الهتلرية وقلق ريمون ارون الفرنسي من عجز الفرنسية عن استيعاب المصطلحات الالمانية وكان يرصع كتبه في السياسية بالمصطلحات الالمانية التي يرى انها اكثر عمقا واقوى في التعبير.
في معاهدة فرساي والتي عرفت بمعاهدة اذلال المانيا شارك في المداولات خبير اقتصادي من الجانب البريطاني مبتدئ اسمه “مينار كينز”.. وعندما عاد من جلسات المعاهدة كتب مقالة قلقة عن كون هذه المعاهدة ستتسبب في كوارث أخرى.
كان وقت كينز موزغ بين جامعة كمبريدج ومعهد الاقتصاد وبين التزاماته في الحكومة.
كانت النمسا اول متضرر من الحرب العالمية الأولى فقد تفككت الامبراطورية النمساوية الهنغارية التي عمرت خمسة قرون وشهدت اكبر عملية تضخم بسبب طباعة النقود.. حتى قيل ان الناس كانوا يسمعون صوت المطابع في الليل وهي تطبع النقود لتفقد قيمتها في الصباح.
كان السياسيون يحاولون اصلاح الوضع ولكنهم لا يملكون الزاد المعرفي الكافي بل لم يستوعبوا ما يحدث بالضبط.
على الرغم من ظروف الحرب المدمرة كانت جامعة فينا في النمسا لا تزال تزخر ببعض الدينامكية.. وقد التحق بها شاب اسمه “فريدريك هايك” صاحب الاهتمامات المتعددة (ولد سنة 1898).. كان هناك اقتصادي نمساوي رئيسا للغرفة التجارية يقيم سيمنارات اقتصادية اسمه لودوينغ فان ميزس والذي يمثل الجيل الثاني من رواد المدرسة النمساوية فالتحق به هذا الشاب لينفتح على بعد جديد في النقاش العام. كان التيار الشيوعي يتقوى في الفضاء النمساوي وكانت هناك نقاشات جارية عرفت فيما بعد بـ نقاش الحسابات الاشتراكية (Socialist calculation debate).. وملخصها.. هل يمكن تطبيق الاشتراكية.. هل معسول الكلام له ما صدق في الواقع؟
في الوقت الذي كانت فيه دول المركز الغربي بريطانيا وفرنسا والمانيا تتأثر أكثر وأكثر بالافكار الشيوعية وتعديلاتها الاشتراكية كانت تتشكل في النمسا مدرسة اقتصادية تعتبر النشاط الاجتماعي هو ثمرة النشاط الفردي.. ليس هناك مخرجات اجتماعية دون مدخلات فردية.
كان من الواضح أن بعض الأفكار الاجتماعية الرنانة اذا ما تم تطبيقها فانها تتطلب مخصصات مالية.. وهنا تظهر مدى قوة هذه الأفكار على الصمود.. أي اختبار واقعيتها.
الى هذه اللحظة كانت الموجة العامة هي الموجة الشيوعية ونسختها الملطفة الاشتراكية.. كانت الأسلحة الفكرية في يد العصبة الشيوعية وادوات ماركس توظف يمينا وشمالا.. ثم تعززت الفكرة بالنموذج السوفياتي.. والغرب كله اما يبياع لينين وستالين او يبايع هتلر.. وكلاهما مع “هيبة الدولة” وان الدولة هي الاكتشاف الأهم في التاريخ المعاصر لتحقيق العدالة الاجتماعية.
(يتبع)