الغرب والغرب.. كينز وهايك (3)
الحرب العالمية الأولى شكلت منعطفا في تاريخ الأفكار.. فالدمار الذي خلفته في الارواح والاموال لا مثيل له وتفككت معظم الدول التي دخلتها مباشرة مثل الامبراطورية الروسية القيصرية والامبراطورية النمساوية الهنغارية والامبراطورية الالمانية والخلافة العثمانية كلها تفككت وشهدت النمسا وألمانيا ظاهرة غريبة جدا.. التضخم.. وبعد الدمار الذي تخلفه الحروب عادة يبرز الديماغوجيين الذين يعتقدون ان معسول الكلام يمكن ان يحل الدمار الذي خلفته الحرب.. فاذا اقترن معسول الكلام بالقرارات التي لا تقوم على أسس صحيحة عندئذ انتظر الخراب..
“مينار كينز” كان من ضمن الوفد البريطاني الذي حضر اشغال معاهدة فرساي ولكنه لم يكن راضيا عن مخرجات المعاهدة التي تلزم بلدا مدمرا مثل المانيا بدفع تعويضات عن الحرب للجميع. ولما رجع من باريس استقال من وزارة الخزينة وعاد الى كلية كينغ في جامعة كمبريدج والف اول كتاب يفكر في مشكلة دولية وسياسية بمنظور اقتصادي وكان عنوان الكتاب:”النتائج الاقتصادية للسلام”. وفيه توقع ان مثل هذه المعاهدة لن تقود الا الى مزيد من الانتقام والغضب.
كانت “مؤسسة” الدولة لا تزال شيئا جديدا في اعقاب انهيار الامبراطوريات التقليدية.. وهذه المؤسسة ورثت مؤسسة سحرية غير عادية تشبه مصباح علاء الدين.. تسمى البنك المركزي الذي بمقدوره أن يطبع الأوراق النقدية.. كانت المطابع تضخ الأوراق النقدية بالملايين الورقية وكانت اليد الخفية للاقتصاد تؤدي مهمتها بنجاح.. التضخم.. ويبدو ان لا أحد يعرف ما هي العلاقة..
بين نهاية الحرب العالمية الأولى في 1918 وسنة 1923 ارتفع مؤشر المعيشة في النمسا الى 1.2 مليون بالمئة.. وانهارت الحكومة وتم وضع حزمة اصلاحات مستعجلة كتب جزء منها الاقتصادي النمساوي لودوينغ فان ميزس وذلك باصدار عملة جديدة بديلا للكرونة وربطها باحتياطي الذهب ومنع الحكومة من طباعة النقود.. وما حدث في النمسا تكرر في المانيا حيث لم تنفع طباعة الأوراق النقدية سوى في اشعال نار التضخم في السلع والغضب وحب الانتقام في القلوب التي اعتبرت ان السبب هو معاهدة فرساي بالضبط كما توقع كينز حتى قيل ان المواطن الالماني كان يجمع كل مدخراته ليشتري طابع بريد أخير حتى يكتب رسالة الوداع لعائلته قبل ان ينتحر. لم يخب توقع كينز فقد اثمرت معاهدة فرساي الاقتصادية الحرب العالمية الثانية بسبب النتائج المتوقعة للمعاهدة.
كان الشاب هايك الذي يدرس الاقتصاد في جامعة فيينا ويحضر سيمنارات ميزس يعيش تفاصيل هذه المأساة الأولى من نوعها في تاريخ “الدولة” المعاصرة.. الأمور شبه واضحة بالنسبة لمن عاش هذه التجربة.. الدولة.. البنك المركزي.. الاصدار النقدي.. حجم السلع والخدمات.. التضخم.. هذه العناصر التي ستصبح جزء من الأطروحة “الهايكية” فيما بعد.
أسست الغرفة التجارية النمساوية معهد دراسات صغير اسمه “المعهد النمساوي للدورة الاقتصادية” (Austrian Institute of economic Cycle) واصبح الشاب هايك مديرا للمعهد.. كان علم الاقتصاد يخطو خطواته الأولى لفهم الظواهر المعقد التي جلبتها مؤسسة “الدولة”..انشغل الشاب هايك بفهم ظاهرة صعود وافول الاقتصاد او بشكل ادق ما هو سبب الكساد.. وكيف تنفجر الفقاعة (Boom and Bust) ووجه اهتمامه لصعود الاقتصاد الأمريكي.. الظاهرة الجديدة على مسرح الأحداث العالمية. كان المعهد يصدر تقاريرا شهرية معظمها كان يكتبها هايك والتي شكلت بدايات النظرية الهايكية حيث أن بذور الكساد تزرع في سنوات الفقاعة.
من جهة أخرى كانت أمريكا بعيدة عن الدمار الذي حل بالعالم خاصة المنطقة الأوروبية.. وتدفق آلاف المهاجرين الفارين من الدمار من كل الدول الأوروبية كانت اللهجات واللغات الأصلية للمهاجرين من ايطاليا والمانيا واوكرانيا وروسيا واسبانيا وهولندا وغيرها لا تزال لغات محكية ومتداولة في شوارع المدن الامريكية بل ان كبار المفكرين والعلماء الأمريكيين والى زمن قريب كانوا يتحدثون انجليزية مطبوعة باللهجة الأصلية التي تعكس جذور المتحدث ولعل اشهرهم كيسنجر وماركوزة القادمين من المانيا بلهجتهما الألمانية والكاتبة أيان راند بلهجتها الروسية.
من الواضح امام انكماش أوروبا بعد الحرب هو صعود الاقتصاد الأمريكي، وتخيل الجميع ان هذا الصعود أبدي.. لكن هايك توقع أن الموسيقى الصاخبة القادمة من أمريكا لا بد أن تتوقف.. وكان ذلك أهم توقع لانه بحلول اكتوبر 1929 حتى شهد العالم الانهيار الاقتصادي الأعظم وبداية سنوات الكساد الكبير..
وكان الوضع برمته يحتاج الى تفسير..
والتفسير الجاهز في ذلك الوقت.. هو التفسير الماركسي.. مع تعديلاته الاشتراكية.. حيث اعتبر الانهيار الكبير هو تحقق نبوءة ماركس في حتمية نهاية الرأسمالية.. فنظرية “دعه يعمل” وصلت الى نهايتها.. في ألمانيا وايطاليا كان الخطاب الوطني جاهز لتعبئة الناس.. لكن المشروع الاقتصادي لا يمكن ان يكون مستوحى من “دعه يمر” التي انتج الكساد الكبير.. يجب البحث عن طريقة جديدة.. وكانت الانظار كلها تتجه الى هذا الكيان السحري الجديد “الدولة”.. 
في محاولة تفسير الظاهرة كتب كينز مقالا مميزا في تلك الفترة بعنوان “الامكانات الاقتصادية لأحفادنا (Economics possibilities for our grandchildren) سنة 1930 في بداية الازمة الاقتصادية العالمية.. كان واضحا أن التفسير الماركسي المهيمن بدأ يضغط على أنصار “دعه يمر” ولا بد من تفسير لما حصل..
كينز في مقاله بدى متفائلا ذلك ان المشكلات الاقتصادية الكبرى يمكن تجاوزها ويتحقق الرفاه لابنائنا واحفادنا لان الاقتصاد دوره جلب الرفاه للجميع. في هذا المقال المهم حاول كينز ان يفسر الازدهار بالعودة للتاريخ منذ 4000 آلاف سنة.. الماركسية أيضا تعيد قراءة التاريخ.. وبالنسبة لكينز لم يحدث نمو لانه ببساطة لم يتوفر عاملين: الازدهار العلمي الذي ادى الى تطور وسائل الانتاج وعدم تراكم رأس المال. واستنتج الى ان تسارع التكنولوجيا يؤدي الى انخفاض المعروض من فرص العمل أي البطالة. ليس هناك صراع طبقات ولا فائض قيمة.
بيد انه في نفس الوقت تاثر كينز بتجربته الشخصية فعلى الرغم من انه كان مولعا بعلم الاحتمالات والاحصاء مما جعله يثق في نفسه ويغامر بدخول البورصة معتقدا ان العلم سيساعده.. لكنه شعر بخيبة امل لانه لم يستطع توقع قدوم انهيار السوق وحلول الكساد الكبير. عندها اكتشف ان الاقتصاد ليس فقط هو الارقام والاحصاءات بل هو اداء الناس أيضا والذين تصدر منهم قرارات متجانسة مع قرارات الجموع أكثر من قرارات ذات طابع عقلاني خاصة في أوقات عدم اليقين وعدم وضوح الرؤية كل واحد يحاول ان يقلد الآخر معتقدا أنه أفضل منه ويتخذ القرار الصحيح. فاذا تغلبت الافكار السلبية على الجموع كيف يمكن ان يخرج الاداء الاقتصادي من هذه الحلقة المفرغة. وباختصار اذا غرق الاقتصاد فمن الصعب ان يصعد فوق السطح دون مساعدة. 
وفي سنة 1931 وجه نداءا عبر الاذاعة ملخصا فكرته بأن “العلاج هو في استعادة النشاط على مستوى الشركات وكذلك على المستوى الوطني”.. بالنسبة لكينز لم تعد المسألة أكاديمية لفهم الاقتصاد بل يجب أن نجد حلا لحالة الركود والبطالة.. ليس هناك انتاج لانه ليس هناك هناك استهلاك وليس هناك استهلاك لانه ليس هناك اجور وعمل.. والكيان الوحيد القادر على توفير العمل بسرعة هو “الدولة”.. ولكن كيف ستمول الدولة العمل.. يتم ذلك عبر استعمال اداة “السياسة النقدية” وتخفيض نسبة الفائدة وتوسيع الاستثمارات العمومية..
منذ ذلك الحين أصبح كينز شخصية عامة مشهورة وصعدت أسهم جامعة كمبريدج ومعهد كينج.. وهنا بدأ رجال معهد لندن للاقتصاد، الذي أسسه الفابيان الاشتراكيون، يبحثون عن شخصية علمية تستطيع ان تناقش “كينز” وقد عثروا على الشاب النمساوي فريدريك هايك..
ستبدأ أهم معركة فكرية اقتصادية لا تزال تؤطر الغرب الى اليوم.. محورها التضخم والبطالة.. مرة يقفز الغرب في مركب سفينة يقودها كينز وعندما تبدأ السفينة في الغرق يسارع بالقفز في سفينة أخرى يقودها هايك.. وعندما يعلوا صوت الجماهير والكادحين يغادرون سفينة هايك ويعودون لسفينة كينز التي تكون قد طفت على السطح مرة أخرى.
(يتبع)