الاقتصاد

كينز.. وهايك.. 6

الاشتراكية عبر الصور

 أذكر مرة اخرى القراء أن هذه المقالات هي للحديث عن حركة الأفكار وانتقالها من مكان لمكان وتفاعلاتها المختلفة.. 
اشتباك الفكر بالواقع وتاثير الفكر على الواقع والواقع على الفكر تبقى اشكالية قائمة.. الناس يفكرون لما يختنق الواقع.. 
والاقتصاد بخلاف ما يتصور الكثير هو بمثابة التجريب المتواصل في اوضاع مختلفة.. المهندس المعماري والمهندس المدني لديه تكوين جيد وادوات علمية مهمة ولكن بحسب كل وضع عليه ان يكيف ادواته العلمية مع الاوضاع الحقيقية على الأرض.. فالارض المرتفعة تختلف عن الارض المنخفظة والارض الصحراوية تختلف عن الارض الجبلية والمناخ البارد يختلف عن المناخ الرطب او الحار وهكذا.. الميدان فيه تحديات مختلفة وتفرض مقاربات وحلول متعددة.
واقع الناس لا ينتظر حتى ينتهي الخبراء والمحلليين والمنظرين من التنظير.. حياة الناس مستمرة.. حياة الناس تتكيف عمليا بما هو موجود.. 
ولكن في نفس الوقت الأفكار الجديدة تسري في جسم الناس سريان المياه في الأرض العطشى فتحييها بعد ان كادت تهلك.
استغل الشيوعيون ظروف الحرب العالمية الأولى واستولوا على السلطة وطردوا القياصرة سنة 1917.. وسنة 1922 زحف الفاشيون بقيادة موسيليني على روما وسيطروا على الحكم.. كلاهما حل المسألة السياسية ولكن بقي امامه المسألة الاقتصادية ولم يكن بيدهم سوى التجربة والخطأ ولكن كلاهما أدركا مبكرا قوة هذا الجهاز السحري: الدولة. وسار على نهجهم هتلر لاحقا وتبعهم روزفلت.. 
ثم جاء كينز ينظر لهم.
كان هناك أستاذ اقتصاد في المانيا اسمه ولهام ريبكا بدأ ينتقد الأفكار الجنونية للنازيين.. الذي اعتبروا المانيا ثكنة كبيرة يجب ان تسير تسييرا عسكريا.. وبدأ ينتقد حتى زاره في بيته اثنين من ضباط المخابرات يطلبون منه بدل نقد المشروع الاقتصادي النازي الى دعمه والترويج له. فاضطر الى المغادرة الى اسطنبول هربا من النازيين ثم التحق بجنيف. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية تم الاستعانة به لاستعادة توازن السوق.
ولفهم السياق أكثر يمكن الرجوع لتسمية الحزب النازي كاملة: الحزب الوطني الاشتراكي العمالي لألمانيا (National Socialist German Workers’ Party) واختصر الى الحزب النازي من الكلمة الألمانية (Nationalsozialismus) الاشتراكية الوطنية.. الترجمة وحدها تجعلنا نكتشف خدعة الاشتراكيات في عالمنا العربي وفي افريقيا.. لكن شاع الاسم المختصر “النازي” دون ان نعرف بالضبط ما هو المقصود.. طبعا الاشتراكية الوطنية في السياق الالماني هو للتميز عن الشيوعيين ثم التنكيل بهم لان ولاءهم لموسكو وليس لالمانيا كما اعتقد هتلر.
هتلر كغيره من الاشتراكيين كان يملك” قفة” شعارات بدون أي برامج سوى التجربة والخطأ.. رغم انه احاط نفسه بشخصيات مرموقة مثل الاقتصادي الالماني الشهير شاخت.
كانت هناك مشاريع طموحة جدا لهتلر اقتصادية وعسكرية وتحتاج الى تمويل.. فبدأت عملية استعمال مطبعة النقود لكن الخبراء حذروه من مشكلة التضخم التي شهدتها ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية فتوقفوا عن هذا الحل السحري.. ولكن جاءتهم فكرة جديدة أصبحت تستعمل في كثير من الدول وهي التحكم في الأسعار حتى لا ترتفع كثيرا.. اعطاء اوامر سيادية للتحكم في السعر.. وهي فكرة استعملت حتى في أمريكا في عهد نيكسون في السبعينات.. لكن شاخت بدأ ينزعج من هذا الأسلوب في التسيير واعترض باعتبار ان هذا الاسلوب في التسيير لن ينجح وسينكسر الاقتصاد الألماني بسرعة ولن يصمد. فاستغنى عنه واستبدله بحرفي جديد.. وهذا الحرفي بدأ يفكر في مخرج عملي فأبدع فكرة جديدة انتشرت في كل العالم.. وهي الخطط الخماسية.. وضع مخطط خماسي للاقتصاد.
بداية مشاريع كبرى مثل مشروع الطرق السريعة autobahns
تمويلها عبر طباعة النقود
بداية ارتفاع الأسعار
اذن اعطاء اوامر لمنع ارتفاع الاسعار
السعر الجديد لم يعد قادر على تغطية تكاليف الانتاج.. 
النتيجة تراجع قطاع الانتاج وضعف الصناعات..
ضعف الانتاج يؤدي الى ظهور الندرة وقلة المعروض.. 
ولحل مشكلة الندرة بدأت عملية ترشيد الموارد.. توزيعها بشكل “عقلاني”..
ولانك لا تستطيع انتاج اشياء تخسر فيها فستتوقف.. وهنا بدأ النظام النازي اعطاء اوامر للانتاج.. سنعطيك الحديد والكهرباء وعليك ان تنتج ما نطلبه منك.
ولان الانتاج لم يعد مربح فقد تراجعت الحوافز .. فعوضها هتلر بالدعاية وصناعة صورة الزعيم الذي يرغي ويزبد ويدعي انه في خدمة الشعب الالماني العظيم وهو في واقع الحال يدمره تدميرا.
بلغ الأمر الى توجيه الأشخاص الى أعمال معينة دون غيرها.. تاخذ امر من الحكومة أين يجب ان تعمل. (ربما تعرفون هذا النموذج ولكن التسمية غير مطابقة وان كانت المسارات متشابهة)
وبسبب هذا الخلل بدأ التفكير في النزعة الاستعمارية ومهاجمة الدول الأخرى من اجل نهبها خدمة للشعب الألماني العظيم وهذا يتطلب دعم الصناعات العسكرية دون غيرها.. لمحاربة الدول ونهبها..
هكذا استلم هتلر بلدا فيه تقاليد الحرية فحوله الى دولة شيوعية رغم انه سياسيا كان يضطهد الشيوعيين. الافكار تتداخل وقد تكون معارض للشيوعية ولكن تمارس تصرفاتها دون ان تشعر.
بعيدا عن ألمانيا اذا توجهنا الى بريطانيا فقد تصاعدت الأفكار التي روج لها الفابيان وتم تدعيم المسار بالكنزية. وكينز راجع كتاب الفابيان:”هل الاتحاد السوفياتي حضارة جديدة؟” وقال ان مؤلفي الكتاب أعطوا لنا نظرة من الداخل حتى نفهم تحولات الأفكار فقد قدم مراجعة لهذا الكتاب وقال:”النتائج مبهرة.. المبدعين الروس منخرطون في مهمة ادارية لبناء مؤسسات اجتماعية واقتصادية تعمل بسلاسة وبنجاح” (the results is impressive the Russian innovators are making new set of social and economic institution that work smoothly and succefully )..
هارولد ماكميلان الذي سيصبح رئيس الوزراء فيما بعد في بريطانيا نشر كتابا سماه الطريق الوسط (the Middle Way).. الأفكار الرأسمالية لم تعد جذابة والأفكار الشيوعية مخيفة دعنا نبحث عن الطريق الوسط.. 
ودعى فيه الى ما أصبح يعرف بالديمقراطية الاجتماعية.. تاميم بعض الصناعات مثل المناجم والنقل والطاقة وتوسيع التحويلات الاجتماعية للدولة وتوسيع رقابة الحكومة على الكارتل الصناعي.
أمريكا لم تعان من ويلات الحرب العالمية الأولى وكانت آلاتها الاقتصادية فعالة والاحتياط الفدرالي هذا الكيان الجديد الذي تشكل سنة 1914 يراقب الوضع الاقتصادي كما كان مفترضا في مهمته الأساسية.
بعد الحرب العالمية الأولى ازدهر الاقتصاد في الولايات المتحدة وشهدت امواج من الهجرة والكفاءات التي تدفقت الى هذا البلد الجديد من كل بقاع الأرض خاصة اوروبا طبعا.. فر الناس من الفقر والحروب والدكتاتوريات الى بلد الفرص والتجارب.. ولعل الجيل الذي شاهد فيلم ثلاثية العراب (Godfather) سيكتشف ذلك الارتباط “بالبلاد” بين الامريكان من اصول ايطالية وايطاليا.. حتى ان اي شخص تحدث له مشكلة يرسلونه الى “البلاد” في قرى ايطاليا.
حتى عصفت بالاقتصاد ازمة وول ستريت سنة 1929 والتحقت امريكا بالركود الكبير الذي عم اوروبا بعد الحرب المدمرة. خرج هوفر الجمهوري يجر اذيال الهزيمة ودخل روزفلت حيث بدأ عهده بالغاء منع المشروبات الكحولية ولكنه لم يكن يعرف كثيرا ماذا يجب فعله في جانب الاقتصاد.
في خطاب التعيين صرح روزفلت “مشكلتنا تكمن في كثرة العرض”.. يجب التحكم في العرض لان السوق لم يستطع امتصاص العرض. الفكرة جاءت من فريق الخبراء الذين احاطوا بروزفلت ومنهم “ركس تاجوال” وقد ذكرت انه اقتصادي امريكي معجب بالتجربة الشيوعية السوفياتية وزار الاتحاد السوفياتي في 1920. وقد نشر مرة في التايم الامريكية “زيادة الانتاج تؤدي الى اختناق قنوات تصريف المنتجات” والحل يجب ان يتم التحكم في الانتاج. وسنة 1934 زار موسيليني في ايطاليا وعلق في مذكراته:”نظام موسيليني يقوم بكثير من الأشياء التي تبدو لي مهمة” “انها ادق آلة اجتماعية فعالة لم ارها في حياتي تجعلني أغار”.. والمقصود طبعا وجود قيادة ذكية تخطط للاقتصاد من المركز..
وهذا المقطع يجعل احد العقول المفكرة وراء روزفلت الأمريكي متاثرا بالتجربة السوفياتية والتجربة الموسيلينية ويحاول تطبيقها في امريكا عبر ما عرف لاحقا بالنيوديل. ليبرالي يتأثر بشيوعي وشيوعي يتأثر باشتراكي واشتراكي يتاثر بنيوليبرالي.. بحثا دائما عن السبل الفعالة للخروج من المازق. 
شكل روزفلت “الادارة الوطنية للانعاش” (National Recovery Administration).. وكانت الفكرة بسيطة جدا.. الدولة تستطيع ان ترفع الأسعار والرواتب في نفس الوقت. السعر المرتفع سيرفع الارباح وهذا يسعد الشركات وبدورها تؤدي الى ارتفاع الرواتب وهذا يسعد العمال. وارتفاع الارباح يؤدي الى توظيف عمال جدد وهذا يقلص البطالة.
بكل بساطة.. الدولة تستطيع ان تفعل كل ذلك. 
ولذلك تستطيع ان تجمع الثلاثية (نعرفها في الجزائر): العمال والشركات وباشراف الأخ الأكبر الحكومة.. ويتفق الجميع كم نصنع وكم تكون الرواتب ويخرجون أمام الكاميرات مبتسمين.
عندما ترفع الرواتب تجعل توظيف ناس جدد صعب.. وعندما ترفع الأسعار تجعل شراء هذه المنتجات امر صعب. وعندها قامت الادارة باختيار بعض الشركات الكبرى (الرأسمالية المحظوظة) حتى تطبق هذه السياسة.. وطبعا سيوافقون مادمت الحكومة تضمن لهم احتكار السوق وأحسن الأسعار بدون منافسة.. ولكن ماذا عن البقية؟ 
في 1935 تدخلت المحكمة العليا والغت هذه الغدارة الغريبة واعتبرت ان روزفلت تدخل في مجال لا يعنيه واعتدى على الدستور الذي يضمن الفصل بين السلطات وعندها تنفست ادارة روزفلت الصعداء. 
بعد الغاء هذه اللجنة قام روزفلت وجماعته باقرار مشروع واجنر الذي يعطي قوة تفاوضية للعمال. وكانت النتيجة هو ارتفاع الرواتب وتدهور مناخ الاعمال. حتى جاءت الحرب العالمية الثانية فانقذت الجميع من مأزق حقيقي. دخلوا في حرب ونسوا الاقتصاد.. لنتقاتل أولا ونموت أولا هذا اهم من الحياة.
في اليابان احد الأقطاب الدولية في ذلك الوقت بدأت تهيمن عليها أيضا النظرة الشيوعية واليسارية على الأوساط الأكاديمية.. ومع عسكرت المجتمع وظهور بوادر حرب انتقامية ارتدادية توسع دور الدولة اكثر وأكثر في الحياة العامة.. كان هناك شاب اسمه كاتسويشي ياماموتو (Katsuichi Yamamoto) طالبا في جامعة كيوتو متحمسا للدراسات الاقتصادية ولوجهة النظر الماركسية ولكنه حصل بينه وبين اساتذته بعض التجاذبات بسبب اسئلته ونقاشاته مما دفعه على البحث أكثر.. 
ولم يتحمل اساتذته مناقشاته المشاغبة فتم طرده من حلقة علمية بعد ان كتب مقالا ينتقد الماركسية. واستمر في الكتابة بمفرده رغم انه عجز عن اقناع الناشرين بطباعة منشوراته وقرر ان ينشر على حسابه.. وبعد ان حصل بعض المال سافر الى أوروبا حيث درس بعض افكار ميزس النمساوي فتأثر به وكان اول ان من ادخل الحسابات الاشتراكية لليابان.. ونشر كتابا سرعان ما تم حضره في اليابان سنة 1941. بعنوان الاختلات الأساسية للتخطيط المركزي الذي يخذل الصناعة (The Fundamental Defects of a Planned Economy Which Discourage Industry,)، ولما طالب بتخفيف القيود والتشريعات تم طرده من الجامعة بصفة نهائية. هذا الأستاذ سيكون له دور لاحقا بعد نهاية الحرب في وضع خطة انقاذ اليابان من محنتها.
لنلاحظ أنه ليس هناك وصفة سحرية.. العالم كله يخوض غمار التجارب بما هو موجود من نظريات وامكانيات ومعلومات.. 
عندما تذهب الى بلد معين وتجد نمط معين من البناء مثل الجزائر.. ذلك النمط يعكس كل المنظومة الاقتصادية ونوعية البنائين وشبكة الاقتصاد.. كل هذه العناصر تتداخل لتعطي لنا ما نراه في نمط البناءات التي نشاهدها..
مع انطلاق الحرب العالمية الثانية كانت الدولة سيدة الموقف في كل النظم مع اختلافات بسيطة.. ففي امريكا تشكلت هيئة الانتاج الحربية (World Production Board) وفي بريطانيا وزارة الانتاج الحربي (Ministry of War Production) وكما حدث في المانيا بدات عملية تقنين وترشيد توزيع المواد الاستهلاكية وتوجيه الموارد اكثر وأكثر الى الصناعة الحربية.. وهذا سيؤدي تلقائيا الى التحكم في الأسعار.. والضغط عليها حتى تبقى منخفظة. كما حدث في المانيا النازية.
في الحرب العالمية الثانية تاكدت النظرية الجديدة.. الدولة تشرف بشكل واسع عن الحياة العامة رغم ان كل واحد يدعي انه يختلف عن الاخر.. في أجواء الحرب تحولت الدولة الى غول لا صوت يعلو فوق صوتها.. وتحققت نبوءة هوبز.
ثم جاءت تحالفات الحرب الغريبة حيث اصبح الرأسمالي مع الشيوعي ضد الاشتراكي في خلط كبير للأجواء الفكرية.
طبعا بعض السياسيين في بريطانيا قالوا هذا بالضبط ما كنا نبحث عنه.. يجب اقناع الناخبين حتى يستمر هذا النظام الحربي حتى بعد الحرب.
لكن تلك الأمنية لم تتحقق.. لانه في 1944 ظهر الكتاب الذي سيقلب الاجواء الفكرية في الغرب رأسا على عقب.. ويوفر الأسلحة الفكرية الجديدة التي ستطيح بكل المنظومة التدخلية فكريا وان كانت استمرت في الواقع العملي. كتاب هايك: الطريق الى العبودية..
قبل أن أفصل في الظروف التي احاطت بهذا الكتاب ولماذا انتشر في أمريكا ولم ينتشر في غيرها.. ولماذا لم نسمع به في عالمنا العربي الا في 1993 في طبعة يتيمة نشرت في الاردن.. 
قبل ذلك ساختم هذا المقال بالحديث عن آخر مهمات كينز وهي مشروع بريتن وودز لربط الدولار بالذهب (Bretton Woods Monetary System) وظهور مؤسسات النقد الدولي والبنك العالمي. وهو الموضوع الذي يسيئ الكثير فهمه خاصة الشباب المهتمين بالاقتصاد الاسلامي…
الحرب العالمية الثانية مزقت الشعوب الأوروبية ودمرتها.. وحتى من خرج منتصرا فهو مجرد نصر شكلي بعد الدمار الذي حل بكل شيء.. وطبيعي ان تكون نهاية العملات الوطنية التي ليس لها من ضامن سوى الاصدار القانوني للدولة.
والبلد الوحيد الذي كان واقفا على رجليه هو امريكا.. وقد حدثنا الدكتور رابح بلعيد رحمه الله عن رحتله بعد الحرب العالمية الثانية في باخرة من ايطاليا الى أمريكا.. كان الهروب الكبير.. أمريكا هي كل شيء.. وبالفعل استجابت امريكا في حركة ذكية بمشروع مارشال للانقاذ الاقتصادي لاوروبا واليابان بعد نهاية الحرب.. 
قبل نهاية الحرب اجتمعت 44 دولة في أمريكا لدراسة كيفية اصلاح نظام المبادلات العالمية. كان كينز قد طور الفكرة منذ 1942 واقترح عملة دولية باسم بانكور (bancor) وهي جمع بين كلمتين: البنك والذهب (بالفرنسية banc و or) وفي اجتماع بريتنوودز كان هذا هو المقترح الرسمي للحكومة البريطانية والتي كان وفدها برئاسة كينز شخصيا.. ومن التسمية هناك عملية ربط بين النقد الجديد والذهب.. 
وسبب هذا الربط بسيط جدا حتى تتوقف الحكومات عن طباعة النقود اكثر من حجم السلع مما يتسبب في التضخم او يؤدي الى التفضيل في الصادرات لان عملتها ضعيفة.. فاذا طبعت نقودا بحسب ما لديها من ذهب تطبع بشكل محدود.. كانت هذه هي الفكرة.. ربط العملة باحتياطي الذهب لمحاربة التضخم النقدي.. وقد تبين انها ساذجة فيما بعد.. 
ولكن بعد المناقشات استطاع الوفد الامريكي بقيادة دكستر وايت اقناع الحاضرين بدلا من انشاء عملة عالمية جديدة من الاحسن استعمال الدولار فهو جاهز ونحن ضامنون له. في الحقيقة النقاش كله كان بين كينز ممثل بريطانيا وهاري دكستر وايت ممثل امريكا وكلاهما كانت لهما مقاربة واضحة لطبيعة المشكلة. 
وكما هو حال التاريخ دائما البريطانيون يقولون نحن أصحاب الفكرة والأمريكان يقولون نحن أصحاب الفكرة.
يمكن تخيل المقترحين كلاهما كتتويج منطقي لحالة الدمار العالمية فلا احد من الاوروبيين يستطيع الادعاء ان عملته مستقرة او تلقى الحماية.. ولذلك تم اعتماد الدولار بدلا من الاسم الجديد “بنكور” الذي اقترحه كينز مع ربطه بوزن ثابت من الذهب 35 دولار لكل اونصة الاونصة 28.34 غرام. 
وحسب مقترح كينز حتى يعمل البنكور فانه يحتاج الى بنك تسويات او اتحاد تسويات عالمي (International Clearing Union).. هاري ويت ممثل امريكا اقترح صندق الاستقرار الدولي (The International Stabilisation Fund) وهي الفكرة التي تطورت في النقاشات وانبثقت منها مؤسسة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي لاعادة البناء والتنمية والذي يسمى حاليا البنك العالمي.
عندما تراجع فكرة ربط الدولار بالذهب في تلك الاجواء تبدو منطقية ولكنها كانت ايضا تعكس محدودية في التفكير وضعف في البدائل.. فيمكن ان يكون اقتصاد بلد اكثر نشاطا صناعيا وزراعيا ولكن لا يملك ما يكفي من كمية الذهب.. وهذا يخنق توسعه الاقتصادي.. ويمكن ان يكون بلدا تعيسا ولديه مناجم كبيرة من الذهب وهذا يعطيه فائض لا يستحقه.. وهذا يتسبب في اختناق الاصدار النقدي أو توسعه.. 
وبالفعل لم تصمد الفكرة طويلا حتى جاءت صدمة نيكسون حيث فك الارتباط بين الذهب والدولار في السبعينات لاعطاء مفهوم جديد للنقود الورقية (Fiat Money) التي يدعمها الاصدار القانوني للدولة وليس حفنة من الذهب أو الفضة. والتي تسبب في مشاكل أخرى لا زال العقل البشري يبحث عن مخارج من مشاكلها.. وخاصة سيطرة البيروقراطية على الاصدار النقدي