تعليقات

الغزو الإعلامي.. والإشهار المجاني

كثير ممن يزوروننا في ماليزيا يتفاجؤون انه ليس هناك دش او باربول، ونعتبر هنا في جزيرة اعلامية معزولة اقصى ما نتابعه هو عبر شبكات التواصل الاجتماعي او اليوتوب للحصص المسجلة.. وليس فقط بسبب فارق الوقت حيث لا تجد وقتا لمتابعة فيصل القاسم او احمد منصور او سامي كليب.. ولكن لانه بكل بساطة طبيعة الحياة لا تبقي لكا وقتا تقضيه مع التلفزيون.. فاوقات العمل المكثفة لا تبق مجالا كبير تقضيه امام الشاشة الملونة.. والأهم نمط الاستهلاك الآسيوي الذي يفوق مرات نمط الاستهلاك الغربي..

وتعمل الحكومات على تشجيع المواطن على مغادرة البيت والبقاء فيه بالحد الأدنى أي يكاد يكون للنوم فقط.. فاكله وشربه وفي حالة ماليزيا صلاته ووضوءه كلها خارج البيت.. فالاسواق مهيئة لاستقبال الناس طول اليوم.. وبمنطق اقتصادي بسيط.. هناك اتجاه في آسيا لتشجيع الاستهلاك الداخلي، وعدم التعويل فقط على التصدير لهشاشة الأوضاع الدولية وكل ازمة خارجية تنعكس ركودا على منتجات محلية تعتمد على التصدير..
اما الاستهلاك الداخلي فهو بمنأى الى حد ما عن الاهتزازات الخارجية والتقلبات الدولية.. ان اي وجبة غذاء تاخذها خارج البيت هي تدوير لعجلة الاقتصاد فوجبة الغداء محصلة لعدة صناعات وخدمات متراكمة توفر لك الوجبة والأهم هو تدوير المداخيل بين قطاع الانتاج وقطاع الخدمات .. فصاحب المطعم ومنشط ملاهي الأطفال وعمال الفنادق قوتهم مرتبط بالاموال التي تاتيهم من الخدمات التي يستعملها مواطنون جاؤوا للترفيه وتغيير الجو مع عوائلهم.. وفي ماليزيا ازدهرت بشكل ملفت للانتباه السياحة الداخلية.. فنهاية الاسبوع تشهد مهرجان تنقلات بين المدن.. ومحطات الحافلات والباصات تمتلئ بالرواد.. حتى اصبحت الفنادق لا تكف وتشكلت ظاهرة تاجير البيوت الخاصة ولها مواقع انترنيت تنظم العملية بصورة سلسة.. كثيرا ما اسأل زواري ونحن نتناول وجبة العشاء على التاسعة ليلا في مطعم مليئ بالمواطنين.. متى يجد هؤلاء الماليزيون وقتا ليتفرجو على فيصل القاسم؟.. بالمناسبة كثير من القنوات الخاصة افلست لانها لم تستطع استقطاب جمهور .. (ملاحظة أخيرة: المناخ الاستوائي المعتدل ايضا له دور، فانت تستطيع ان تخرج الى الشارع في اي وقت لا تخشى البرد القارس مثل البلاد الباردة او الحرارة الشديدة.. فقط الرطوبة المرتفعة التي خففت منها تكنولوجيا المكيفات)

اعرفه ان في ماليزيا ممنوع تركيب دش او بارابول.. وهناك شركة تسمى استرو تقدم خدمة لقنوات معينة تخضع لرقابة مزدوجة.. رقابة على الاشهار التلفزيوني حيث يمنع ان يمر اي اشهار لشركة اجنبية لم تدفع ضرائب لماليزيا.. وهناك رقابة اخلاقية حيث يمنع عرض كل ما من شانه المس بالأخلاق العامة.. وهذه الشركة تقدم قنوات معينة .. وحسب ما قرأته اذا كانت ذاكرتي جيدة لم يبلغ عدد المشتركين 2 او 3 مparabole-immeuble-alger-lkeriaليون مشترك.. واقل مبلغ يدفع شهريا نظير هذه الخدمة لا يقل عن 20 دولار شهريا ..

ومعظم القنوات التي تقدمها هذه الشركة هي قنوات اخبارية مثل البيبيسي وسينان والجزيرة الانجليزية وقنوات اقتصادية بلومبرغ وسيبيسي وقنوات هندية وصينية… زائد قنوات ديسكفري وناسيونال جيوغرافي.. والأعجوبة الأخرى هي ترجمة باللغة المحلية لاكثر ما ينشر في هذه القنوات.. واكاد اجزم ان معظم هذه القنوات لا تمر بشكل مباشر.. ماعدا ربما قنوات الأخبار.. بمنطق اقتصادي بحت.. القنوات الفضائية اكبر غزو اقتصادي بدون تكاليف.. فالاشهار التي تدفعه الشركة للقناة لا يستفيد منه البلد المستقبل لا عبر الضرائب ولا عبر اي طريقة أخرى.. فالبلد المستقبل الذي لا يراقب القنوات يقدم شعبه على طبق من ذهب لهذه القنوات تشهر فيه ما تشاء الوقت الذي تشاء.. لدى حكومة ماليزيا التي تحترم نفسها.. الشعب الماليزي ليس كلأ مباح يشهر فيه كل من هب ودب دون ان يستفيد من ضرائب الاشهار.