الاجتماع

الفكرة المسمومة

اخطر ما تتعرض له الحركات هو تسرب افكار تعمل عمل الفيروسات داخل تلافيف دماغها، حتى تفقد عقلها، والحركة الإسلامية في الجزائر تعرضت الى هذه الضربات من داخلها عندما تسربت أفكار بمثابة قنابل موقوتة انفجرت فيها قبل أن تكمل انفجارها في المجتمع..
لقد ذكرت آنفا ان الحركة الإسلامية انجزت مهمة تاريخية عندما حاربت الخرافة والدجل ووعدات الأولياء وفلكلور المقابر واخرجت السدنة من دائرة التأثير الاجتماعي.. وحاربت ثقافة الطلبة وكتبة الحروز ومعلقي التمائم والتعاويذ..
ولكن فجأة بدأت تظهر فكرة غريبة وساذجة في بدايتها لكنها سرعان ما تحولت الى ظاهرة ثم تكبر حتى تتحول الى مصيبة بآثارها الاجتماعية..
كان جيلي يرى الرقية هي دعاء يتعوذ به المؤمن ويستعين بالله في شانه كله يرقي الأب ابنه والأخ اخيه أي تدعو له .. متمنيا له الشفاء.. ولم تكن مهنة ولا وظيفة.. لكن بدأت تتسرب كتيبات عن الرقية اشرعية من الشرق وحكايات هناك رقية شرعية ليس كتابة حروز وخطوط غامضة ولكنها بالقرآن والحديث الصحيح ..
واذكر شريط يقال انه سجل في واد سوف عن داعية يرقي امرأة فوجد فيه فيلق من الجان وهذا الجان له مملكة ومقيم في تبسة؟؟.. كان ذلك في أواسط الثمانينات..
ماهذا؟؟
كل ذلك العمل الجميل في محاربة الخرافة والدجل.. بدأ يستبدل بعمل جديد وهو راقي شرعي.. وظهر دعاة كان كل همهم هو توعية الناس بالآفات الاجتماعية اصبح همهم هو رقية المرضى والموسوسين والمنكوبين في حياتهم الخاصة والمأزومين بعقدهم الذاتية..
لكن الخرافة ضحكت على الحركة الإسلامية ولبست لها لباسا جديدا من الكتاب والسنة واعادت انتاج نفسها .. حتى ان ابو جرة سلطاني كان اصدر كتيبات بها المعنى مسايرا الموجة الجديدة وكانت ضربة في مفصل… لانها ضربة في عقل الحركة الاسلامية وجهازها المفاهيمي..
ثم جاءت الأحداث السياسية التي جرفت التيار العام للحركة الإسلامية في ميادين النضال السياسي والاحزاب والمؤتمرات والحملات الانتخابية.. واصبحت نخب الاسلامين لا تهتم كثيرا بهذه الأشياء.. لكن في الخلفية كان يكبر التيار السلفي خاصة السلفية العلمية وهو تيار يبدع ويفسق كل من نازع السلطان حقه سياسة او غير سياسة واستفردوا وحدهم بمجتمع التخوم جاعلين من الرقية اداة جديدة لاختراق المجتمع واعادته الى عصر الحروز والماء المرقي والزيت المرقي والجان الذي يسيطر على الإنسان وغيرها من الخزعبلات.. ورويدا رويدا ازدهرت من جديدة كل اشكال الشعوذة التي لبست لبوس الرقية الشرعية ممهورة ومختومة باوهام ابن تيمية عن الجان وعلاقتهم بالانسان..
وتلك سنة الحياة وقوانين الفكر اذا لم تحمي الأفكار النيرة وتواكب تطورها وازدهارها تاتيك أفكارا مسموعة وتتشكل الأساطير في شكل جديد وتعيد عرض نفسها لتسترجع مكانتها في المجتمع..
وفي مجتمع مستباح كمجتمعاتنا ظهرت قنوات، ولانني منذ سنوات مقيم خارج المنطقة العربية، واحتكاكنا بالقنوات معدوم، فوجئت اثناء زيارة مرة بوجود “بولحية” يلقي تعاويذا في التلفزيون، ولما سالت اكتشفت ان هناك قنوات و”مشائخ طحالب” يرقون الناس على الهواء مباشرة…
رباه الهذا الحد تعيد الخرافة انتاج نفسها..
وانا استرجع الشريط بين ذلك الطالب الذي يكتب الحرز ويخط مربعات ومثلثات بقلم الدواية.. ونحن اطفال صغار نتسلى بتمزيق الحروز لنكتشف ما بداخلها.. وهذه الكائنات التلفزيونية التي ترقي الناس وتلقي التعاويذ على الهواء مباشرة وتبيع في العلاجات … والماء المرقي… هل عدنا لنفس المربع؟؟.
هل هذا لان التيار الإسلامي فقد المبادرة؟؟ أم ان التيار المهيمن اليوم هو تيار له في تلافيف عقله جيوب تعشش فيها الخرافة..
كان الشيخ الغزالي قد استقر في الجامعة الإسلامية وقد سمح لعمار قرفي صاحب مطبعة الشهاب بطباعة كتبه وقيل دون مقابل.. رحمه الله.. والشيخ الغزالي كان لا يؤمن بتلبس الانس الجان ويتحدى من حوله بذلك.. وهنا بدأ الفضاء العقلي الاسلامي ينقسم بين من يؤمن ومن لا يؤمن.. انصار هيئة كبار العلماء يؤمنون والبقية مترددة واقلية لا تؤمن ولكن ترى انه ليس مهم ستزول بمرور الوقت..
لكن الذي حدث أن ظاهرة التعلق بالغيبيات والماورائيات ابت الى ان تتحور وتعيد انتاج نفسها انتاجا جديدا.. وتظهر في ثوب اسمه الرقية الشرعية واخراج الجان.. والادوية الشرعية والماء المرقي الذي يباع على قارعة الطرق وامام المساجد.. ظاهرة التعلق بالغيبيات والماورائيات ابت الى ان تتحور وتعيد انتاج نفسها انتاجا جديدا.. لقد زاد الأمر حتى مقارنة مع ما كان عليه حال كتاب الحروز السذج..