المقاول.. Entrepreneur
الثقافة اليسارية الماركسية متغلغلة.. رغم ان كثير من المفاهيم تم تفكيكها في الغرب منذ عشرات السنين.. ولازلنا نسمع حكاية البرجوازية والطبقات الغنية.. والصراع مع الكادحين.. تقريبا من مطلع القرن العشرين قام جوزيف شمبيتر بتفكيك الخطاب الماركسي الذي ينتمي للعهد الاقطاعي والملكيات التي أفلت.. كان شومبيتر أول من تحدث عن ظهور نموذج جديد لشخص لا برجوازي ولا اقطاعي ولا بيروقراطي..
يسمى المقاول.. entrepreneur..
المقاول هو الذي يصنع الثروة.. وهو المحرك الأول للنمو.. وهناك آلاف النماذج من المقاولين جاؤوا من العدم ولا يملكون لا دولار ولا قطمير… المقاول يملك فقط فكرة صغيرة.. يتحمس لها ويغرق في محاولة انجاحها حتى تصل ثم تغير تاريخ البشرية.
آلاف المقاولات تنشأ وتموت وتقريبا بنسبة 30% تفشل في سنتها الأولى و50% في السنة الرابعة.. وتستمر فقط 50%.. وكثير من الشركات الكبرى بعد تحولات عظيمة في احتياجات الناس وعجزها عن التكيف تندثر وتحل محلها شركات جديدة تقدم خدمات مبتكرة.
يجب ان نفرق بين زبون تحميه البيروقراطية وتختاره من خدمها تفتح له خزينة المال العام وتدخل يده في ضرائب الشعب وتعطيه أراضي بدون دفع ثم تطلق عليه اسم رجل مال.. هذا ليس مقاول.. ولا يمت لمفهوم المقاولة بصلة.. هذا خادم للبيروقراطية.. هذا واجهة لعصابات البيروقراطيين.. لا يستطيع أن يفعل شيئا دون دعم البيروقراطية وحمايتها ورعايتها.
أما المقاول الحقيقي فهو عنصر مغامر.. يشق طريقه بأفكاره الجديدة باحثا عن الفرص التي تجعله خادما ملبيا لتلك الاحتياجات.
يكتشف ان الناس في حاجة لمطعم في هذه المنطقة فيفتح مطعما.. يرى ان الناس يتسمرون امام مسلسل ارطوغل فياتي بالطاقية الارطوغلية ويبيعها..
انه عنصر اساسي في تحسين مستوى الخدمات في المجتمع وخلق الثروات..
هل ستيف جوبز ينتمي الى عائلة لها تاريخ في البرجوازية بتعبير كارل ماركس.. وهل زوكلبيرغ مدير الفيسبوك له تاريخ في العائلات البرجوازية.. هل جاك ما له تاريخ في العائلات البرجوازية التي تراكم الثروة..
هؤلاء هم كبار المقاولين الذين غيروا مسار البشرية وفتحوا امامها آفاق جديدة.. دون الحديث عن ملايين من امثالهم من صغار المقاولين الذين يصنعون امجاد الهند والصين وتركيا وامريكا والبرازيل وماليزيا واندونيسيا وفي كثير من دول العالم الأخرى..
هل انجازات ستيف جوبز وبيل غايتز تقارن مع انجازات عائلة روتشيلد التي يتداول اسمها كعائلة تحكم التبادلات العالمية كما يدعي البعض.. هل القيمة المضافة التي احدثها جاك ما تقارن مع الثروة التي يدعي البعض ان عائلة روكفيلر تملكها..
هذا التفسير الاسطوري والذي دائما تغذيه “الثقافة الروسية” في ان هناك كيانات تحكم العالم وتسيطر عليه.. هذا العبث الفكري ضد منطق التاريخ وضد تطور الأفكار وضد تطور التجارب الانسانية.
ألا تتكون أمريكا اساسا من مهاجرين قادمين من أوروبا ولم يقرروا الانفصال الا لان الملك البريطاني عندما فرغت خزائنه قرر فرض ضرائب على المهاجرين فحدث الصدام وقرروا الانفصال عنه.. هم يتعبون ويتعذبون ويكافحون ويأتي الملك يأخذ الاموال بدون تعب..
أمريكا التي نراها اليوم ليست الا نتاج سياسات ضريبية فاسدة للملكية البريطانية.. واستغلت فرنسا الثورة في أمريكا ودعمتهم وتم اقرار الانفصال في مؤتمر فرساي نكاية في الانجليز.. لكن هؤلاء المهاجرون المقاولون الأذكياء استغلوا دخول احمق فرنسا “نابليون” في حرب مدمرة في أوروبا وحاجته للمال واشتروا منه ثلث امريكا ب 15 مليون دولار.. واشتروا اجزاء اخرى من المكسيك.. واشتروا اراضي الفلبين من الاسبان..
كان الملوك مفلسين وأغبياء يمولون أنفسهم ببيع اراضي الأوطان.. وللأسف هذا ما يتكرر مع بيروقراطي آخر الزمان.. من اجل أن يستمروا في السلطة مستعدين ان يبيعوا الأوطان ولديكم نموذج بشار الأسد والسيسي وغيرهما من الأغبياء..
لا ادري أين يقرأ هؤلاء التاريخ..
هل هناك عصابة من الأشرار قررت في اجتماعات ماراطونية أن يصنعوا لنا الطائرة؟ أم ان هناك شابين يعملان في اصلاح العجلات هما الأخوين رايت كانا يحلمان بصناعة الطائرة.. وقاما بعشرات المحاولات للطيران وتعرض احد الاخوين لكسر كاد ان يهلك فيه بعد ان سقطت طائرته التجريبية.. عمل في قطاع الصحافة وكانت لهم جريدة وعندما فشلت فتح محل بيع واصلاح العجلات (سيكليست).. ورغم انه لم يكن لهما تعليما كبيرا فلم يتخرجا من الجامعة ولكن حاولا بمجهود شخصي دراسة حركة طيران الطيور ومحاولة تقليدها وبعد محاولات وفقا في ذلك.
ولماذا نجحا؟
هذا هو السر وراء نجاح هذين المقاولين لانهما وجدا مناخا يشجع على المقاولة.. مثل حقوق الملكية الفكرية واحترامها.. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتسرع في تطوير هذا القطاع لاغراض حربية.
لم يكونا برجوازيان بمنطق ماركس.. بل كانا أصحاب تطلع وأفكار جديدة وحب المغامرة.. التي كادت تؤدي بهلاكهما..
هذا هو المقاول..
هل هناك جماعة من الأشرار اجتمعوا في لقا سري قريبا من لندن حتى يقرروا ان على البشرية أن يكون لها كمبيوتر شخصي..
لا
هناك شاب أبوه مهاجر سوري وتربى يتيما في حضن عائلة متواضعة تبنته وكان مغرما بالهيبي ولم يتابع حتى دراسته وكان له زميل شغوف بالكمبيوتر وازنياك ففتح له مأرأب بيته وكانوا يلعبون ويسلون انفسهم بمحاولة صناعة كمبيوتر صغير ولا يدرون انهم سيغيرون تاريخ البشرية.. فظهر ابل واحد وابل 2 .. وكان هناك شاب ىخر اسمه بيل جايتس حاول تقليدهم واخذوا مسارين مختلفين واكتسبنا نحن كمبيوترين بمواصفتين مختلفتين..
هل كان وراء بيل جايتس وجوبز عصابة الماسونية الأشرار الذين يحرضونهم على تغيير وجه البشرية حتى يكون لكل شخص كمبيوتر شخصي ويزداد مستوى التعليم ويمكننا اليوم ان نشاهد محاضرات الحاصلين على نوبل دون ان ندفع دينارا واحدا..
هؤلاء هم المقاولين يا بقايا الماركسيين..
من هو المقاول؟
المقاول هو مواطن بسيط وجد سيارة قديمة اشتراها بمدخرات أبيه ثم قام باصلاحها وتزيينها وحولها الى سيارة اسعاف.. وكان يطوف بها في كل مكان ويقدم خدمة الاسعاف بسرعة البرق.. ومرة يتحدث مع صاحبه في المقهى قال له لقد رأيت في دبي سيارات جميلة برخص التراب سعرها كذا وكذا.. فقرر شراء اربع سيارات..
ولكنه لا يملك المال.. فذهب عند عمه يطلب منه ان يقرضه.. وبقي يطوف عليه وعمه يتمنع.. وهو يحببه ويعرض عليه نسبة من الربح ويزين له المشروع انه مربح وانه يمكن توسيع النشاط الى ولايات اخرى.. ثم ذهب الى عمته وطلب منها ان تساعده في اقناع عمه.. وقرر عمه ان يساعده ولكن بنصف المبلغ لان زوجته بقيت تحذره من تهور هذا الصعلوك الذي لم يكمل دراسته..
ثم ذهب عند صديقه يعده ويمنيه.. واستكمل بعض الاموال.. ولما ذهب الى دبي لم يجد بالسعر الذي توقعه وكان يعتزم شراء 4 سيارات.. وسب صاحبه الذي لم يعطه معلومات دقيقة.. وبقي محتار هل يعود خائبا أو يشتري سيارتين جديدتين بدلا من اربعة.. وماذا سيقول لصاحبه وعمه.. واظلمت الدنيا في وجهه.. وفي الصباح فتح الجريدة فوجد اعلان عن بيع عتاد مستشفى وظهرت سيارات اسعاف للبيع.. فذهب له ووجد سيارات شبه جديدة لان المستشفى حدثت فيه مشكلة مالية واضطر لبيع العتاد.. فاشترى بدلا من اربعة سيارات 6 سيارات.. بمواصفات دبي وبرخص التراب.. ولما عاد كلم صاحبه في التلفون وسبه وقال له معلوماتك لم تكن دقيقة.. ولكن مع ذلك انا عازمك على خروف اليوم.. فلولا خطأك لما وجدت هذه الفرصة.. ولما جاء صاحبه قبل رأسه واعطاه ساعة رولكس عرفانا بخطأه الذي هو احسن من صوابه..
ثم بقي يرتجف لما وصلت البضاعة خوفا من بيروقراطيي الجمارك ووخوفا من البنك والتوطين البنكي ومشاكل الميناء وتكاليف الارضيات.. وهو لا ينام.. ويذهب للبنك.. تعال غدا.. ويترجى الموظف البليد.. ويقول له كل يوم تاخير سيكلفني 400 دولار.. والموظف يقول له يا اخي المدير سافر لفرنسا.. واذا سافر المدير أموت انا..
ويترجى ويتصل بصاحبه القديم الذي يعمل في مصلحة الاستعلامات ولكن التلفون لا يرد.. ثم تاتي مشكلة التعرفة الجمركية.. ويعمل حسابه على اساس مبلغ معين فاذا به يجب ان يدفع مبلغا مضاعفا.. وهو لا يملك الرصيد الكامل.. من اين ياتي بالمال.. فيتصل باخيه ويقول له خذ سيارتي للسوق وحاول تبيعها باي ثمن.. يجب ان اخرج السيارات او تزيد علي تكاليف الميناء.. احتاج 40 مليون.. ثم يتصل بصاحبه.. ويقول له انني في حاجة مستعجلة لأربعين مليون انا في الميناء واقف.. وغدا اخي يأتيك بالمبلغ.. ثم يتصل بشقيقه ويقول له هل بعت السيارة.. فيرد عليه شقيقه لقد اتصلت بي الآن.. السوق غدا.. فيغلق السماعة بغضب شديد.. ويقول في سره “ما هذا الحظ”.. فيعيد صديقه الاتصال به.. ويقول له معي فقط 20 مليون.. فتظلم الدنيا في وجهه.. فيتصل بزوجته ويقول لها حاولي ان تبيعي الذهب الذي تملكينه وساعوضك “راني حاصل”.. فتخبره المسكينة لقد بعته كله لا املك شيئا..
ياربي
فيتصل بشقيقته.. ويقدم لها نفس الرجاء.. فتقول له والله ما املكه من ذهب لا يغطي ما تحتاجه وانت تعرف هنا في هذه المدينة الذهب ليس غاليا يجب ان ناخذه لقسنطينة او العاصمة..
ثم فجاة يتصل به المخلص الجمركي ويقول له لقد راجعت الفاتورة لقد اخطؤوا.. يجب ان تكمل المبلغ فقط 20 مليون فيفرح.. وكانه ولد من جديد..
وعندما يخرج السيارات وياخذها للبلدة من اجل تشغيلها تبدا المعاناة مع الادارة المحلية والاوراق..
وعمه كل يومين يتصل به أين انت؟ انا منتظر للمال الذي وعدتني..
والناس في البلدة يقولون.. هذاك بخيل عنده 6 سيارات والله فرنك ما يتصدق به.. وهم لا يعلمون ان الرجل يحتاج نفسه الصدقة لولا الكفاف
هذه هي الحياة اليومية للمقاول..
وأنا متاكد أن آلاف من هذه النماذج نعيشها يوميا بصيغ مختلفة..
اذا لم تعد قيمة العمل
واذا لم نثمن جهد مراكمة الثروة
واذا لم نشجع المقاولين
من أين تاتينا الثروة
لو عاش ماركس حياة المقاول فانا متاكد انه سيغير كل افكاره
