المنجزات الحضارية الكبرى.. ودورة الاقتصاد
نقف مندهشين أمام المنجزات الحضارية الكبرى للبشرية.. من سد مارب في اليمن الى منجزات الانكا والازتك والمايا التي لا تزال تشغل البشرية بحثا عن اسرارها.. من اهرامات الفراعة الى الى واد الهندو في باكستان.. من تاج محل في الهند الى مجسمات الحضارة الهندو اندونيسية في بالي في اندونيسيا.. الى مدن اليونان والرومان الى جميلة وتيمقاد الى العصور الوسيطة مسجد السلطان احمد ومسجد السليمانية والاف المنجزات في العصر الوسيط في أوروبا.. ثم جاء العصر الحديث ورأينا ثورة في المنجزات الكبرى.. برج ايفل وناطحة سحاب الامبراطورية في نييورك (Empire State Tower) ومقام الشهيد في الجزائر ومسجد الحسن الثاني في المغرب والمسجد الأعظم قريبا ان شاء الله.. ومطار اسطنبول الجديد والاف المعجزات في التعمير والبناء في الصين من ناطحات سحاب الى سدود الى طرق عملاقة الى قطارات.. شيء يفوق الخيال..
ومنذ القديم كان التعامل مع مثل هذه المنجزات يتسم بالتناقض.. رجال الدين الذين بكل أسف كثير منهم لا يفهم ولا يدرك دورة المال.. وأسوأ رجال الدين رجال التصوف.. هؤلاء الذين يحقرون المال أصلا.. ويعتبرونه شيء قذر يجب ان يتنزه منه الانسان السوي.. وهذا في كل الحضارات.. رجال الدين كثير منهم يعارض المنجزات الحضارية باسباب غامضة وواهية.. وفي العصر الحديث ظهرت التيارات اليسارية التي كثيرا ما تقف عجر عثرة أمام المنجزات الحضارية عندما تكون خارج الحكم.. ولكن بمجرد ما تدخل الى دائرة الحكم تفهم شيئا جديدا…
النقاش عموما يركز على الشكليات.. اما انتقاد المنجزات الحضارية في الماضي بسبب ان معظمها وراءه الحوافز الدينية.. أي بناء المعابد للآلهة.. أو ان وراءها الحوافز الشخصية للباطرة والعضماء خاصة انهم يخلدونها عبر اعطائها اسماءهم..
تقريبا لا يخلو حديث مع مواطن مغربي عن صرح مسجد الحسن الثاني العظيم والمدهش.. الا ويكون هناك انتقاد.. بعضه قادم من ثقافة اليسار.. وبعضه قادم من ثقافة التصوف الكارثي.. او التدين الفارغ الذي لا يفهم دينامكية الحياة..
وعادة انتفض ضد هذه الاطروحات.. لانها لا ترى الا الجانب الشكلي.. التسمية.. بنيت في عصر فلان.. مظهر من مظاهر البذخ والاسراف..
تفسيرات ضحلة ومغيبة عن الحقيقة الكلية..
لكنني تعلمت من اصدقائي الذين يدرسون في اقسام الهندسة المدنية والهندسة المعمارية مقولة بسيطة.. اذا رأيت المعمار يزدهر فاعرف ان كل شيء مزدهر..
ولذلك البشرية لا تنظر أبدا لهؤلاء المغيبين عن الحقائق.. ضحال الفكر.. الجهلة بدينامكية الحياة..
هؤلاء الذين يفكرون بطريقة ساذجة تجعل من الواجب اسكات اصواتهم الى الابد لانهم يشوشون على نمو الحياة الطبيعية للبشر.. انهم اعداء لتحسن مستويات المعيشة دون ان يشعروا.. انهم خصوم للفقراء والمساكين والمستضعفين وهم يدعون انهم يدافعون عنهم..
سذاجة التفكير لانهم لا يختلفون عمن يعتقد ان الحسن الثاني طلب من العفريت ان يبني له المسجد.. يتخيلون ان الشاذلي بن جديد عندما بنى صرح مقام الشهيد جلبه في حقيبته وبناه بمفرده.. عندما بنى مهاتير العمارتين التوأم في ماليزيا ذهب لساحر عظيم وترجاه ان يبني هذه العمارة فبناها له.. عندما شيدت تركيا اعظم مطار.. ذهب اردوغان لزعيم النقشبندية وطلب منه حلقة ذكر لبناء هذا المستشفى..
هؤلاء النقاد للصروح العظيمة تفكيرهم سطحي وساذج وغبي أيضا..
يركزون على التفاهات.. ويتركون الجوهر..
ولذلك البشرية لا تابه بهم.. لا تنظر لهم.. وهي ماضية في التعمير والبناء منذ سد مأرب وقصور بلقيس الى مسجد الجزائر الأعظم..
لن أركز على الجانب الرمزي في بناء نماذج تعبر عن العصر.. وهذه مهمة واساسية.. لم تخلو منها دولة أو حضارة..
لكنني ساركز عن الأهم..
ما يسمى في العصر الحديث الاستثمارات العمومية.. استثمارات لا يستطيع افراد انجازها بمفردهم ولكننا كمواطنين نتضامن ونتعاون عبر مؤسسات الدولة لانجازها من اجل الصالح العام..
عندما تقف امام برج ايفل.. ستقف امام الاف العمال في مستويات مختلفة الذين وفر لهم هذا البرج فرصة عمل.. داخل فرنسا وخارجها.. في مناجم الحديد وفي بواخر النقل للحديد.. الحدادين واصحاب المطاعم وناقلي العمال… خلية نحل.. تذكر هؤلاء العباقرة من المهندسين الكبار والصغار الذين شاركوا في بناء هذا الصرح.. في الانترنيت هناك هذه المعلومة البسيطة التي تخفي الاف من العمال وراءه استفادوا من هذه الصروح الحضارية.. 18،038 قطعة معدنية؛ 5،300 رسومات ورشة عمل ؛ 50 مهندسا ورساما. 150 عاملًا يعملون في مصنع Levallois-Perret ؛ ما بين 150 و 300 عامل في موقع البناء ؛ 7،300 طن من الحديد 60 طنا من الطلاء. كل هذه المنجزات لا ينجزها شخصا واحدا بل آلاف.. تفكر في هؤلاء العمال الذين خرجوا من دائرة الفقر بمثل هذه الصروح الحضارية..
ما يصدق على برج ايفل يصدق على سد مأرب.. وما يصدق على تاج محل يصدق على مسجد الحسن الثاني او مسجد الجزائر الأعظم او مقام الشهيد.. مع بعض الملاحظات التي ساشير لها في نهاية هذه الفقرة..
عندما تنظر لبرج دبي او برج خليفة لا تفكر بسذاجة وسطحية وكثيرا من الغباء في التسمية.. بل تذكر الاف العمال من الهند وباكستان ووسيرلانكا والجزائر والمغرب والفلبين الذين استفادوا من هذه المشاريع بشكل مباشر في ورشات البناء وبشكل غير مباشر في مواقع أخرى لتجهيز احتياجات هذه الصروح العظيمة..
مشروع واحد من هذه المشاريع يمكن ان يخرج آلاف الأسر من دائرة الفقر الى الابد..
ليس فقط بالمال الذي اخذه اثناء البناء فقط.. هناك شيء أهم بكثير من المال المباشر..
انه الخبرة..
تحسن القدرات في اتقان العمل..
كلما اتناقش مع مجموعة من الاخوان المغاربة الا ويكون المسجد حاضرا وللاسف الافكار اليسارية التعيسة يحملها الجميع حتى الاسلامي ولكن باسم التصوف والتقشف وكره الدنيا..
وهناك نكت لتحقير هذا الصرح الحضاري.. وكما يحدث عندنا حاليا في تحقير منجز المسجد الأعظم.. بدعوى بناء المستشفيات والمدارس.. وكأن الجن هو من سيبني المسجد الأعظم وليس مواطنين جزائريين في امس الحاجة للعمل..
عادة اشرح وجهة نظري من جانب توفير مناصب العمل بخلاف ما يدعون.. ثم اظيف عاملا مهم.. وهو ازدهار واحياء الزخرفة الاسلامية المغاربية الاندلسية.. لقد وظف المسجد آلاف الشباب الذين تدربوا وتعلموا واكتسبوا مهارة لم تكن لتتاح لهم لولا هذا الصرح العظيم..
ثم انطلق هؤلاء الشباب المغاربة يزخرفون بيوت الناس من طنجة الى جاكرتا بل الى اليابان فضلا عن بيوت الجزائريين والعمانيين والسعوديين وغيرهم.. انها الخبرة والمهارة التي تحتاجها الشعوب حتى تتحسن مستوات المعيشة..
انطلقوا في الحياة يثرونها بخبرتهم وتجربتهم..
الأهم من المال الذذي ياخذه العامل بشكل مباشر.. هو الكم الهائل من الخبرة والتجربة والممارسة في وقت قصير في جميع التخصصات.. من الزخرفة الى التنظيم.. ومن تجهيز االطلبيات الى ايصالها عبر سواقين جدد يكتسبون مهارة في تنفيذ هذه الاعمال..
أي مجتمع فيه هذه المنجزات الحضارية اعرف انه تنتشر فيه الخبرة ويتقن فيه ابسط سباك او كهربائي عمله بشكل جيد جدا.. وهذا ما نشاهده في ماليزيا واندونيسيا وحتى الهند وباكستان الذين عملوا في مشاريع الخليج.. واعرف عشرات التجارب انه عندما ياتيك سباك او كهربائي في هذه الدول كن مطمئنا فانه سيقدم لك عملا متقنا.. حتى ولو لم يعمل في مثل هذه المشاريه هو شخصيا فلربما تعلم المهنة لدى شخص كان قد عمل في مشروع متكامل متقن تشرف عليه بيوت خبرة عملية.. تجعلك فنان في مجالك في شهور قليلة..
سيبقى الصوفي الغبي والمتدين الساذج واليساري الجاهل ينتقدون هذه المنجزات الحضارية.. لكن البشرية ستبقى تسير في خطها الحضاري المزدهر في بناء الصروح العظمى.. ليس حبا في الحجارة والطين كما يتصور الغفل.. ولكن توفيرا لفرص العمل والحياة والعيش الكريم لآلاف المواطنين..
والأهم توفير المجال الصحي لتنمية المهارة والخبرة التي تنتشر في المجتمعات وتزدهر حياة الناس..
قال الصينيون: لا تعطني سمكة بل علمني كيف اصطاد..