النجاح هو ثمرة التراكم
كتب: رياض حاوي
وقف احدهم امام رسام وطلب منه ان يرسم له لوحة شخصية.. مسك الرسام القلم والورقة وبعد بضعة دقائق اعطى له الرسم فاعجب به ايم اعجاب.. وبقي يتامل ملامحه المرسومة بكل سرور.. ثم سال الرسام بكم الرسم؟؟ فقال له ١٠٠ دولار.. هنا فزع الرجل.. وتراجع الى الوراء.. يقلب نظره بين اللوحة الجميلة والرسام الذي يطلب مبلغا كبيرا.. استجمع بعض الشجاعة وعقب.. نعم اللوحة جميلة .. ولكن المبلغ مرتفع جدا؟؟ انك انجزت اللوحة في خمس دقائق؟؟ ابتسم الرسام بكل هدوء ورد عليه.. انت مخطيء سيدي.. اللوحة اخذت مني عشرين سنة وخمس دقائق..
هذا الحوار الطريف يعكس الفارق في تقدير ما معنى الخبرة؟؟ وما معنى الاستثمار الذي يأخذ وقتا طويلا من الجهد والمال والطاقة وسنوات العمر قبل ان ترى الانجازات قائمة وعائد الاستثمار وفوائده.. فهذا الرسام قضى سنوات طويلة يتعلم الرسم ويعلم الله كم جاع وتعرى ونام دون عشاء حتى يسقل موهبته ويرفع مستوى ادائه ويحسن من كفاءته في الرسم ويصل الى مستوى يستطيع ان يرسم لوحة جميلة في خمس دقائق..
لكن الرجل لم يرى كل ذلك الجهد وكل تلك السنوات.. فقط خمس دقائق..
الحوار بين الرجل والرسام يعكس الفهم المختل لمفهوم الاستثمار ومفهوم الخبرة.. بعضهم يريد ان يذهب الى جراح مشهور ويدفع ملاليم.. او طبيب ذائع الصيت ويعالج مجانا او محاميا مسموع الكلمة ويرافع له دون مقابل.. متجاهلا ان الجراح المشهور استثمر في ماله وعمره وربما باع ابوه بقرات العائلة حتى يرسله لبريطانيا او المانيا حتى يتعلم.. وربما غسل الصحون في المطاعم والسيارات في ورشات التنظيف حتى يكمل تعليمه.. واشتغل بربع الراتب سنوات حتى يكسب الخبرة ويحسن اداءه ويقوي مهارته ثم ياتي احدهم ليقيم ساعات العمل ويستكثرها..
ومن ذلك ان بعظهم يتصور الاستثمارات الاجنبية والشركات العابرة للدول تبدأ في ادخال الارباح من اللحظة التي تؤجر فيها مكتبا في باب الزوار.. وهناك بعض اغرار الفيسبوك من يتعامل مع الاستثمارات الاجنبية مثلما يتعامل صاحب اللوحة مع الرسام وهم معذورون لانهم لم يجلس يوما في مجلس ادارة شركة يناقش صعوبات وعوايق الاستثمار التي تؤدي في احيان كثيرة الى سنوات من النزيف المالي قبل ان يسجل الاستثمار اول سنة توازن ثم ينتقل درجة درجة لتسجيل بعض الارباح.. هذا اذا لم تحط به كارثة اقتصادية تعيده لنقطة البداية..
والسبب في تقديري ان اعلام الصورة ركز بشكل غير متوازن على شقين في حياة الانسان.. افلام ومسلسلات محورها العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة..
وقنوات الاخبار التي تركز على المشهد السياسي.. وهو مشهد المناورات والصراعات والدماء.. وهذا عام في الغرب والشرق..
حتى ان من بين الاف القنوات هناك قناتين فقط بلومبرغ وسي ان بي سي التي تتناول الشان الاقتصادي وتحاول تقريب رجل الاقتصاد من الشارع العام رغم ان هذا العنصر يساهم في اهم شيء وهو قوت المرء..
وحتى هوليود على براعتها واتساع نشاطها افلام قليلة تناولت وتعاطت مع الظواهر الاقتصادية ومعظمها افلام رائعة جدا.. ولكنها لا تلق رواجا ولا تشجيعا.. واذكر هنا الفيلم الجميل وهو قديم الذي مثل فيه ايدي مورفي الفكاهي واحد من اطرف فلامه حيث قام مجموعة من السماسرة بانتشاله من الفقر والشحاتة في الشارع وتوظيفه في البورصة.. او فيلم التاجر الاخرق ويحكي قصة سمسار بريطاني خرب بيت واحد من اكبر بنوك بريطانيا وهي بالمناسبة قصة حقيقية..
السينما وحتى كتاب القصة والرواية يقتصرون على صورة واحدة نمطية صورة المستثمر الجشع المتسلق الفاسد المحتكر.. الذي يقيم جل نشاطه في النوادي الليلة وبين احضان النساء.. وهي الصورة الراسخة المرادفة لكلمة مستثمر او رجل اعمال.. او حتى تاجر.. صورته لديه قرني شيطان واسنان دراكولا.. يسيل منها دم المواطن..
ولا نحتاج القول انها صورة خاطئة جدا.. لان الحياة الحقيقية تقوم على سواعد هؤلاء.. وهؤلاء قضو سنوات يستثمرون اوقاتهم ومواهبهم.. ويواجهون صعوبات الحياة الحقيقية منفردين.. حتى يبلغوا شانا من شؤون البناء..
ولذلك الجزاير اليوم ليست فقط ربراب وتاحكوت وحداد وكل رجل اعمال مشبوه.. وتعميم هذا النموذج خطأ وتبسيط بل هناك عشرات الفنيين والمستثمرين الصغار الذي يصارعون تغول الادارة البيروقراطية وتخلف الانظمة القائمة وخاصة النظام البنكي.. ويبذلون جهودا جبارة حتى يصنعوا الفارق في سطيف وواد سوف ووهران وعنابة وقسمطينة بمشاريع تستحق التشجيع والدعم… وياليت رجال الادب وكتاب الرواية ومنتجي المسرحيات والافلام يتوقفون عن تصوير رجل الاعمال والتاجر والمستثمر على انه شيطان رجيم ووحش كاسر وعنصر فاسد.. حتى ترسخت هذه الصورة في اذهان الاجيال الجديدة.. امنيتي ان ارى فيلم او مسلسل يحكي قصة كفاح شاب بدا بفكرة وباع حصته من ميراث ابيه واشترى الة صغيرة وجابه مشكلات الادارة وقلة المال والبيروقراطية وضعف اليد العاملة سقط ونهض وبلغ حد الانهيار ثم قام من تحت الانقاض من جديد.. هؤلاء هم بناة الاوطان وليس قصص حداد وربراب وما شابه