انقاذ الاقتصاد من الصدمة
انقاذ الاقتصاد من الصدمة
لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي في الجزائر دون التطرق إلى مسألتين في غاية الأهمية
العجز في الميزانية العامة
إطلاق الآلة الإنتاجية
أولا : العجز في الميزانية
العجز في الميزانية عجز جوهري وهيكلي وجزء من عقلية السلطة السياسية التي تسير هذا الملف دائما بالعجز سواء كانت طفرة مالية بسبب تحسن أسعار النفط أو انكماش بسبب انخفاض أسعار النفط. وكثير من الدراسات تؤكد أن كل الميزانيات العمومية طيلة الأربعين سنة الماضية أي منذ الثمانينيات وربما قبل ذلك سجلت عجزا بعضها بلغ نسبا تكاد تصل إلى النصف في السنوات الأخيرة.
وهذا لأن الحكومات المتعاقبة دائما تريد أن تنفق دينارات لا تملكها ولا تعرف كيف تحصل عليها، على مشاريع لا تستطيع أن تتحكم فيها ولا تستطيع تسييرها. وبلغ الأمر تضخما مرضي في المصاريف.
والسنوات المقبلة ستكون تحدي حقيقي لان شبه الاستدانة على الأبواب، لتغطية المصاريف العمومية، وفي غياب تحسن في الواردات فإن خطر خدمة الديون سيكون كارثيا ونحن نعرف خروب البلاد والعجز عن فهم المشكلة فضلا عن القدرة على تسييرها وإدارتها فقد تصبح الحكومات تستلف لخدمة فوائد الديون. وقد تصل فائدة الدين إلى مستويات كارثية كما حدث في كثير من الدول آخرها لبنان.
هدف أي حكومة ناضجة هو الوصول إلى توازن الإيرادات والمصاريف في غضون سنوات معدودة. في كندا مع بول مارتان استطاعت الحكومة أن تصل إلى تقديم ميزانية معتدلة في غضون أربع سنوات. ولذلك العجز في الميزانية عجز في ترتيب الأولويات وتحديد الضروريات بدلا من الغرق في الحاجيات والتحسينيات.
الخطر الآخر أننا بسهولة نكون ضحايا للتقلبات الدولية والأزمات الاقتصادية العالمية لأننا لازلنا رهينة سوق النفط. ولذلك بسهولة تنعكس الأزمة على سعر العملة وعلي مستويات التضخم التي تنتقل لنا. لان الدينار المحلي لا قيمة له في السوق الدولي الذي يحتاج إلى دولار. خلق التوازن بين حجم الدولار الذي يتآكل بوتيرة متسارعة وقيمة الدينار تحدي حقيقي سنواجهه قريبا.. وأي محاولة للدفاع عن الدينار للحفاظ على القدرة الشرائية محليا سيؤدي حتما إلى تبخر الدولار سريعا وأكثر مما يتوقع أي خبير.
بعض التقارير التي تحتاج إلى تثبت تتحدث عن عجز موازني يبلغ رقمين مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي وهذا رقم كارثي. في الدول إذا بلغ العجز 4% يتم إطلاق صفارة الإنذار فما بالك الحديث عن 20% وربما أكثر.
ولذلك من الأحسن أن تتحرك الإرادة السياسية بسرعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل حلول الصعوبات الحقيقية. وذاكرة السياسيين لازالت حية فهم يعلمون أنه مر وقت على الجزائر تحتار في دفع مستحقات شحنة قمح تقترب من الميناء. والمغرب اليوم وحسب تصريح لمحافظ البنك المركزي تمر عليهم فترات يسجلون عجزا لدفع المستحقات يصل إلى ثلاثة أشهر. وقد مروا بفترة قبل سنوات كادت تتوقف عنهم الإمدادات بالوقود بسبب العجز عن سداد المستحقات. هذه حقائق وليس أساطير وهي مسجلة بالصوت والصورة لكل من يريد أن يصارح مجتمعه. يمكن العودة لتصريحات والي المغرب أو حوارات رئيس وزراء كندا السابق بول مارتان أو تصريحات مارغريت تاتشر عندما استلمت دفة الحكم بخزانة عمومية فارغة وعليها ديون من صندوق النقد الدولي.
النقطة رقم واحد هي تخفيض جميع المصاريف الممكن تخفيضها. التخفيض يجب أن يتطرق إلى كل المجالات بالتوازي والتساوي وتوزيع عادل للأعباء على الجميع. ويجب أن يتم بطريقة متكاملة وجذرية ودون تردد حتى لا تضطر الحكومة أن تقوم بنفس الإجراء مرة أخرى بعد مرور سنوات قليلة في حالة تم القيام به بنصف الطاقة أو كنصف إجراء.
ولذلك يجب مراجعة كل بنود الصرف بدون استثناء من التعليم إلى الدفاع.. وتوقيف كل صرف لا يدخل تحت سقف الضروريات. مراجعة لا تستثني أي بند ولا أي سطر.
وعلي سبيل المثال لا الحصر:
*توقيف كل المشاريع العمومية الضخمة المزمع إطلاقها وتحويل ما هو قائم منها للقطاع الخاص لأن ضعف نظام المحاسبة والمراجعة المحاسبية والرقابة الفنية أدت باستمرار إلى الإهدار والمحسوبية والفساد وإرباك شبكة العلاقات التبادلية والقطاعات الإنتاجية حيث تخلق طلبا وهمي وتوجه الموارد المحدودة لخدمة قطاعات غير ربحية ولا إنتاجية تأكل فقط الميزانيات العمومية، وفي حالة تأخر المشاريع يزحف عليها التضخم تحتاج إلى اعتمادات جديدة. ومؤخرا تم الحديث عن 800 ألف شقة في قطاع السكن خالية تم تسليمها ولم تستغل. فإما هذه السكنات لم يكن لها ضرورة أو ذهبت لغير مستحقيها مما يؤدي إلى بقاء المشكلة الأصلية.
* تجميد التوظيف المرضي في الإدارات والدوائر الحكومية وقطاعات الأمن لفترة لا تقل عن خمس سنوات.
* التوقف عن تقديم أي حزمة إنقاذ للمؤسسات العامة الإنتاجية وتوفير المبالغ للقطاعات الإنتاجية الأخرى.
*إلغاء ميزانية النشاط الرياضي. الرياضة نشاط خاص وليست نشاط عاما. الدولة عبر وزارة الصحة تروج للحياة الصحية المتوازنة وتشجع على الرياضة الشعبية ولا علاقة لها بالنوادي الرياضية ولا بالأنشطة الربحية للنشاط الرياضي.
* وتبعا إلغاء وزارة الثقافة والاحتفاظ بمديرية ملحقة بالحكومة تعنى بالمؤسسات العمومية مثل المتاحف والمواقع التاريخية. أشكال من الثقافة مثل الغناء والمسرح وغيرها تعتبر خدمة خاصة تخضع لقانون العرض والطلب وليست خدمة عمومية تغطى بأموال دافعي الضرائب.
*مراجعة ميزانيات الدعم كليا أو جزئيا بهدف إلغائه نهائيا في سنوات معدودة. دعم القطاع الفلاحي، دعم النشاط الصناعي، دعم قطاعات الخدمات، دعم الأسعار.
* إلغاء ميزانية الدعم الفلاحي. وهي ميزانية تتعرض للإهدار وساهمت في تحريف الأسعار في السوق وإرباك شبكة العلاقات التبادلية ودفع الفلاحين لإنتاج منتجات مكلفة وبسبب الدعم تبدو غير مكلفة وبعض هذه المنتجات يؤثر على احتياطي المياه الجوفية في بلد لديه مناخ قاري وجاف وقليل الأمطار على مدار السنة.
*مراجعة الأسعار التي تفرضها البيروقراطية وتصحيحها في أقرب وقت خاصة سعر البنزين والكهرباء والماء وباقي الخدمات. وفتح المجال أمام الخواص للاستثمار في القطاع وتقديم الخدمة في هذا المجال. وقد نشر بعض الشباب عن تجربة رائدة في أزمة كورونا كيف استطاع الخواص فتح 30 مخبرا في ولاية واحدة فقط ولاية سطيف يقدم خدمة تحليل لا تتعدى 10 دولارات وخدمة تحليل في البيت لا تتعدى 30 دولارا إذا حسبناها بسعر صرف البنك أما بسعر صرف السكوار فهي 6 دولارات و 20 دولار (سعر صرف 180). وما نجح فيه مقاولو سطيف الذين يواجهون جائحة كورونا سينجح فيه مقاولو الكهرباء والماء وغيرها من الخدمات إذا أقرت البيروقراطية بعجزها وأنها أسوأ من يقدم الخدمة للمواطن.
* من أهم مظاهر تصحيح الأسعار هو السماح للدينار بالدفاع عن نفسه أمام العملات الدولية للوصول إلى سعر صرف حقيقي غير مدعم، لأن هذا الدعم يذهب بالملايير للمصدرين الدوليين.. سعر الصرف الحقيقي هو الذي يجعل البلد قابل للإنتاج محليا وهو الذي يمكن المستوردين الأجانب من رؤية الفرص الحقيقية لشراء المنتجات الجزائرية خاصة الفلاحية. وأي تضخيم في سعر الصرف يقتل فرص التصدير ويقتل فرص الاستثمار المحلي باستعمال مواد محلية عندما تصبح الواردات الخارجية غالية فتظهر فرص الإنتاج المحلي. السماح للدينار بالدفاع عن نفسه سيؤدي تدريجيا إلى اكتساب المهارة الفنية قبل أن يفرض علينا التعويم الكامل وبشكل فجائي.
*إصلاح المنظومة المالية وعصرنتها وتحديثها في أقرب فرصة.. سهولة تداوله السيولة وبكميات كبيرة وبشكل آمن يجعل الاقتصاد يتحرك بسرعة وبسهولة. وهناك عشرات الطرق الممكنة مثل فرض دفع الفواتير الخاصة بالإنترنيت والماء والكهرباء إلكترونيا ودفع المصاريف الحكومية المختلفة إلكترونيا مثل رسوم السيارات.
*إعطاء فترة سماح ضريبي على الأقل سنتين مع تخفيض الرسوم الضريبية لتشجيع الناس التسجيل في النظام الضريبي. ومن ثم تحسين التحصيل الضريبي.
*الربط بين بعض الخدمات والرقم الضريبي مثل التسجيل المدرسي فيفرض على الأولياء تقديم الرقم الضريبي لتسجيل أبنائهم بما فيهم من لا يملك عملا، وكذلك الخدمة الطبية مرتبطة بالتسجيل في النظام الضريبي بما فيه من لا يملك عملا. كل مواطن يجب أن يكون مسجلا ضريبيا.
*تتحمل الدولة تمويل التعليم كليا من السنة الأولى إلى نهاية مرحلة المتوسط. أما التعليم الثانوي فيجب مراجعة جذرية للميزانية، وقد ذكرت مرارا يمكن البداية بتمويل السنة الناجحة من الضرائب ولكن السنة المعادة يفرض رسم الإعادة لأن دافعي الضرائب يساعدون التلميذ في السنة المدرسية التي ينجح فيها ويتحمل أولياءه مسؤولية في سنة الإعادة.
*نفس الأمر لما يتعلق بالتعليم الجامعي، دافعي الضرائب يملون سنة جامعية مشروطة بالنجاح أما السنة المعادة تكون مدفوعة الرسوم.
كثير من هذه المقترحات تحل عبر البوابات الإلكترونية والتطبيقات الذكية ولن يحرج أي شخص. ولن يحرم أي مواطن من الخدمة العمومية الممولة كاملا من موارد دافعي الضرائب إذا كان ملتزما على الأقل بالتسجيل لدى مصالح الضرائب.
(يتبع)