باراك حسين أوباما
هل سيمد من عمر أمريكا؟
بقلم. رياض حاوي
المشهد في أمريكا سريالي بمعجزة الانتصار “التاريخي” الذي حققه القادم الجديد لسدة
البيت الأبيض والذي تجتمع فيه مركبات متنوعة فأبوه مسلم أسود من كينيا وأمه مسيحية بيضاء من ولاية كنساس تلقى تعليمه الأولي في مدرسة اسلامية باندونيسيا… ثم… أصبح أول رئيس بملامح افريقية للدولة العظمى “أمريكا”..
تابعت كلمته لحظات بعد اعلان فوزه الساحق بالمقعد الرئاسي على منافسه الجمهوري، كانت كلمة مؤثرة، في مشهد ينتمي للخيال أو احلام اليقظة عند مالكوم إكس ومارتن لوثر كينج وغيرهم من زعماء الحقوق المدنية، والمشهد ذاته كابوس مزعج لجماعة كو كلكس العنصرية التي كانت تهدف إلى اخلاء أمريكا من السود عبر الاعدامات العشوائية والشنق جهارا نهارا.. ولذلك حق للنائب الأمريكي جون لويس من جورجيا الذي ضربته الشرطة الأمريكية ضربا مبرحا في سيلما في الاباما خلال مسيرة مطالبة بالحقوق الانتخابية للسود في الستينيات من القرن الماضي “هذه ليلة عظيمة. إنها ليلة لا تصدق”..
إعدامات عشوائية للسود
قال باراك حسين أوباما بأن “أمريكا هي المكان الذي يمكن ان يحدث فيه كل شيء، ومن يشك في الديمقراطية الأمريكية أو يشك في كون أحلام مؤسسي امريكا لا تزال حية فإن اليوم هو الجواب على كل تلك الشكوك”، جواب “سجله مئات المواطنين الذين انتظروا ساعات طويلة حتى يدلوا بواجبهم الانتخابي، ليس من أجلي ولكن من أجل الواجبات التي تنتظرنا حتى ننجزها”..

هو حدث تاريخي بكل ما تعنيه الكلمة في تاريخ أمريكا بالنظر إلى ماضيها القريب المليئ بروائح دماء المواطنين السود والهنود الحمر، الذين منعوا من استعمال حافلات الطريق وحنفيات شرب الماء، وهاهي أمريكا تتغير اليوم ليصبح المستحيل ممكنا والخيال حقيقة واقعية. تضاربت أقوال المحللين وكانت هناك فئة غير قليلة تجزم بأن باراك أوباما “لن” يصل إلى البيت الأبيض، و”لن” هنا زمخشرية معتزلية أي لن الاستحالة المطلقة، لكن الشعب الأمريكي بكل فئاته وطوائفه وشعوبه قرر بشكل مختلف وراوغ هؤلاء المحللين وأعلن أنه بدوره يتوق للتغيير ويرفض الرتابة والتكرار والاستكانة للأوضاع ويطمح ككل شعوب الأرض لمستقبل أفضل.
انتصار اوباما أعاد الأمل في النظام الديمقراطي المفتوح الذي يضمن الفرص للجميع بغض النظر عن اللون والدين والعرق والانتماء بعد أن بدأت تزيغ الأبصار عن هذا المنجز البشري بسبب التلاعب الكبير الذي تسجله جماعات الضغط في كثير من الديمقراطيات العريقة والتي وفرت الذرائع السهلة أمام المشككين في نزاهة وحيادية المسار الديمقراطي.
إن نجاح أوباما هو حماية للفكرة الديمقراطية وبعث جديد لها يمد المناصرين للتعددية السياسية والتداول السلمي على السلطة والمنافحين عن حقوق الانسان وعلى رأسها حقه في الانتماء السياسي وواجبه في حماية السلم الاجتماعي والسياسي، تمدهم بطاقة دفع جديدة لأن الأمل ممكن في انجاز ديمقراطية تشبه الديمقراطية التي جاءت باوباما بالرغم من أصوله العائلية وانتمائه للطبقى الوسطى وبعده عن جماعات الضغط واللوبيات النافذة. إنها ديمقراطية تحترم قرار الشعب، وتعزز وحدته وتقوي أواصره ولحمته الاجتماعية وتبيض صورته أمام العالم. ولذلك لا غرو أن يكون انتخاب الرئيس الأمريكي هو بمثابة انتخاب رئيس لكل العالم. وبانتصار اوباما تصبح هذه الديمقراطية حلما من أحلام اليقظة في العديد من الد
ول والمجتمعات وخاصة مجتمعاتنا الاسلامية المنكوبة بأنظمتها ورؤسائها ونخبها السياسية والثقافية..
نجاح اوباما حسين يسجل مدى قدرة وسائل الرصد الاجتماعي والسياسي والاستبيانات واستطلاعات الرأي المطبقة في أمريكا على رصد ومتابعة توجهات الرأي العام، وأن قناعات الجماعة الوطنية وحدها هي التي تصنع المسار الوطني وليس العلاقات العصبوية وزبائن الأنظمة المتعفنة هم من يصنعون التوجهات السياسية والثقافية والاقتصادية. وقد جاءت النتيجة النهائية مطابقة لما تنبأت به وسائل الرصد واستطلاعات الرأي العام، وليس مخالفة لها وهذا درس آخر من دروس “الوثبة الأمريكية” مع فوز اوباما..

سيفقد أنصار نظرية المؤامرة والتي يفسرون التاريخ بالجزئيات والتصريحات الهامشية والعابرة من هنا وهناك ليدللوا على خط سير السنن التاريخية بشكل مقلوب ومغلوط، فأوباما ليس حليفا للوبي اليهودي، ولا مناصرا للشبكات المؤيدة للكيان الصهيوني، ولا عضوا في محافل مشبوهة، بل هو مواطن بالدرجة الأولى يبحث عن مصلحة وطنه وطالما انتقده غرماؤه السياسيون بقولهم أن خبرته الوحيدة تتلخص في كونه “منظم حشود الشوارع” (Street crowd organizer) وانه ليس إلا “صنيعة كاتب الخطابات” ليس له مؤهلات تؤهله لاعتلاء عرش البيت الأبيض.
ليس هناك دور للوبي اليهودي ولا لجماعات المصالح بالقدر المرضي التي تصوره بعض الكتابات التي تجعل المؤمرات غلابة على سنن التاريخ ونواميس التغيير الاجتماعي وكلها عوامل ساهمت في تضليل عامة الناس عن الفعل الحقيقي واغراقهم في أساطير “حكومة العالم الخفية” لتبرير فشلهم في صناعة التاريخ وانجاز المهمات الحضارية بكل فعالية وكفاءة.
إن الشعب الأمريكي لديه طموحاته وآماله وكغيره من الشعوب متى ما أعطيت له الفرصة فإنه وهو يأمل أن يتجاوز حالة الحرب والصدام مع العالم فجاء اختياره بأغلبية ساحقة لرجل من عامة الناس لا يزال يدفع الأقساط الشهرية لبيته المتواضع..
وإذا كان هناك كثير من يزعم ان دور امريكا الريادي قد انتهى منذ زمن بعيد، فإن الحدث الانتخابي الذي تابعه العالم باهتمام شديد وخرج الناس مهللين في دول مختلفة حتى وكأن الرئيس المنتخب هو رئيس ذلك البلد وليس بلدا آخر بعيدا وراء المحيط، هذا الحدث يدل على المكانة التي لا تزال تتبؤها الولايات المتحدة في صناعة المسار العالمي، وشعور مواطن القرية الصغيرة اليوم مدى ارتباط مصيره اليومي بالدور الخطير الذي يمكن ان تلعبه السياسة الأمريكية في يومياته الخاصة بداية من مفردات واقعه السياسي والمعاشي وحتى مفرداته الثقافية والاجتماعية.
سيطلب من الرئيس الجديد أن يغير كل شيء، وفي زمن قياسي، وطبعا ذلك مستحيل، وخفض التوقعات من هذه الناحية لا يعني التقليل من قيمة هذه الليلة التي لا تصدق على حد تعبير جون لويس.. فالتغيير لن ينجزه شخص مهما علا قدره، حتى الأنبياء يكونون الجماعات التي تدعمهم وتؤآزرهم وتقف إلى جانبهم أيام الشدة والرخاء وتعينهم على ابتلاءات الطريق.. لكن وجود هذا الرجل في البيت الأبيض هو منعطف بالنظر إلى ماضي أمريكا القريب، فالمزاج العام تغير، وتطور نظرة الأمريكي للانسان بدل العرق والدين واللون تعززت وجهود حركة الحقوق المدنية لم تذهب سدى..
نجاح اوباما في سباق البيت الأبيض يذكرنا بالسباقات الرئاسية السوداء في بلادنا العربية والاسلامية، وأقرب مثال على ذلك ما أعلن عنه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة عن ادخال تعديلات “جزئية” على الدستور عبر بوابة البرلمان، وجوهر هذا التعديل الجزئي هو جعل العهدات الرئاسية مفتوحة.. ولست أدري من هو المستشار الأحمق الذي قدم استشارة غبية للرئيس الجزائري حتى يختار نفس فترة الرئاسيات الأمريكية حتى يقدم مشروع تعديل الدستور لتذكرنا في الجزائر بخيبتنا وعودتنا إلى عالم القطيع السياسي الذي يساق ولا يسوق.. في نفس الفترة التي يحتفل فيها العالم بانتصار رمزي على بقايا التخلف السياسي واللامساواة وخيبة الأمل وكل أشكال التهميش والاقصاء تتفتق عبقرية صناع القرار

في الجزائر لاتخاذ هذه الخطوة المشؤومة التي زادت البلاد معاناة واحباطا وحيرة..
وبدلا من ان يفكر الرئيس في تقديم هدية رمزية للشعب الجزائري يستحقها في عيد ثورة التحرير وهو الذي مارس السلطة إلى درجة التخمة وزيرا ورئيسا لفترة امتدت لثلاث عقود كاملة نجده يساير زمرة النفعيين الذين لا يعرفون فرقا بين المناصب الادارية والتوجهات النفعية الوصولية… أما مصلحة الجزائر فهي آخر شيء يستحق التفكير والمعاناة.. تهنئة للشعب الأمريكي على هذا المنجز التاريخي، وعزاء للشعب الجزائري على هذا المنعطف الدستوري الذي سيفتح بابا جديدا من أبواب التهور السياسي والحماقة الادارية.