الاقتصاد

تقسيم العمل: ابن خلدون، آدم سميث، لينالد ريد وفريدمان

مبدا تقسيم العمل هو المبدأ الذي تكرر لدى معظم المفكرين الذين يتناولون قضية النهوض الحضاري.. بداية من ابن خلدون رحمه الله الذي يعتبر واحد من العقول الكبرى في التاريخ الانسان والذي استطاع ان يتناول عشرات الموضوعات في المقدمة وهي ذاتها الموضوعات التي تفرعت الى علوم متكاملة كما نشهدها في عصرنا الحديث..
وتبقى المقدمات الأساسية هي نفسها حتى ولو تغير الزمن وتغيرت لغته..
ابن خلدون في كتاب المقدمة وضع جملة قواعد سماها مقدمات مثلما فعل الشاطبي في موافقاته حيث لديه 13 قاعدة جعلها مفاتيح لمؤلفه الثمين.. المقدمة الأولى بعنوان ” في أن الاجتماع الإنساني ضروري” فالانسان بمفرده لا يستطيع ان ينجز كل الاعمال.. فهو في حاجة الى غيره من بني البشر.. وهو نفس ما تناوله آدم سميث بعده بعدة قرون ولكن في سياق مختلف وبامثلة مختلفة نابعة من التطورات الصناعية التي بدأت تظهر في بريطانيا.. ولكن جوهر الملاحظات واحدة.. 
الإنسان بمفرده يعجز أن ينتج كل ما يحتاجه.. فلا الوقت كاف ولا الطاقة ولا المعرفة.. وكل واحد يتخصص في صناعة ما يتقنها يفيد منها ويجعل غير يستفيد من جهده.. 
يقول ابن خلدون: المقدمة الأولى في أن الاجتماع الإنساني ضروري
و يعبر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم و هو معنى العمران.
..
إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه و لو فرضنا منه أقل ما يمكن فرصة وهو قوت يوم من الحنطة مثلاً فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن
و العجن
و الطبخ 
و كل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى 
مواعين و آلات لا تتم إلا بصناعات متعددة 
من حداد 
و نجار 
و فاخوري 
وهب أنه يأكله حباً من غير علاج فهو أيضاً يحتاج في تحصيله أيضاً حباً إلى أعمال أخرى أكثر من هذه 
من الزراعة 
و الحصاد
و الدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل 
و يحتاج كل واحد من هذه آلات متعددة 
و صنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير و يستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد فلا بد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له و لهم فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بإضعاف”
آدم سميث في ثروة الأمم يأتي بنص مشابه لنص ابن خلدون في تقسيم العمل والجهد.. وضرب مثالا بصناعة المسامير.. فلو يقوم شخص واحد بصناعة المسمار فانه سيصنع كمية صغيرة في وقت طويل.. لكن ذا تم تقيبم الجهد بين هؤلاء الأفراد كل واحد يتقن عملا متخصصا فان العملية تكون اسرع والانتاج أوفر..
يقول آدم سميث في ثروة الأمم..
“إن العامل الذي يعد الإعداد اللازم لهذا العمل الذي جعله تقسيم العمل صناعة قائمة بذاتها ولم يألف استخدام اللآلات التي تستخدم في هذه الصناعة، قد لا يمكنه ان ينتج أكثر من مسمار واحد في اليوم، ولكنه بعد فترة من المران والتدريب يستطيع أن ينتج أكثر من عشرين مسمارا في أحسن الظروف، ولكن هذه الصناعة لم تعد صناعة واحدة، وإنما تفرعت إلى صناعات عديدة، يكاد بعضها أن يكون صناعة قائمة بذاتها، فهناك عمال يختصون بعملية 
سبك الأسلاك 
وآخرون يمددونها مستقيمة،
وغيرهم يقومون بتقطيعها، 
وفريق رابع يسن أطرافها، 
وخامس يشحذ رؤوسها ، 
وهذه العملية وحدها تنقسم إلى عمليات متفرقة، وفريق سادس يقوم بلفها في الورق ووضعها في الصناديق, وهكذا حتى صارت صناعة الدبابيس موزعة على ثماني عشرة عملية مختلفة يقوم بكل واحدة منها فريق متخصص من العمال. بينما يقوم الفريق الواحد من العمال بأداء اثنتين أو أكثر من العمليات.”..
وعلى الرغم من ان هذه الفكرة تكاد تكون بديهية.. إلا أن الكثير لا يزال يعاني في ادراك هذه الحقيقة كما ادركها ابن خلدون وآدم سميث. وفي القرن العشرين صدر كتاب للصحفي الاقتصادي ليونالد ريد الأمريكي بعنوان آنا القلم.. 
وفي هذا الكتاب يؤكد ليونالد ريد أن لا احد يستطيع صناعة قلم رصاص.. لا أحد..
وقد يقول البعض هذا جنون.. كيف لا أحد يستطيع صناعة قلم رصاص وهو مجرد قطعة خشب صغيرة في وسطها قطعة من الغرافيت وفي ىخرها حديدة تمسك قطعة من المطاط كممحاة..
لكن هازلت باسلوبه الشيق ترك مقطوعة هامة جدا أصبح الكثير يستدل بها لأهمية تقسيم العمل واهمية التبادل الحر.. وهو ما استعمله ميلتون فريدمان مرارا وتكرارا في مداخلاته..
بالفعل لا احد يستطيع صناعة قلم رصاص بمفرده ونحتاج الى تعاون آلاف الأشخاص في اماكن متباعدة وفي مناطق متباعدة..
فالخشب له نوعية معينة وليس أي خشب يصلح لذلك ويحتاج الى معرفة وخبرة ويجب الذهاب الى غابات الأشجار في الامازون أو افريقيا الاستوائية او ماليزيا واندونيسيا.. ولتقطيع الخشب انت في حاجة الى آلات حادة مصنوعة من الحديد.. والحديد يجب ان تذهب لمناجم الحديد في اوكرانيا أو الجزائر او جنوب افريقيا أو استراليا.. وهذه المناجم تحتاج الى معرفة وتكوين وآلات وخبرة وعمال.. واذا تم استخراج الحديد يجب صهره وارساله الى الأماكن التي تحوله الى ىلات قطع وكل ذلك يحتاج الى معرفة وخبرة وعلوم.. وبعد تقطيع الأشجار فهناك حاجة الى نقلها وذلك يحتاج الى سيارات نقل..
شبكة معقدة من الاحتياجات والامكانيات لمجرد صناعة قطعة صغيرة من قلم الرصاص..
ونفس الشيء حول المطاط من غابات ماليزيا واندونيسيا والارجنتين وما يلزم من المعرفة والخبرة في زراعة هذا النوع من الشجر ورعايته وسقيه ثم استخلاص المطاط وارساله الى مصانع التكرير ثم تقسيمه الى انواع الصلب والمرن حسب الاحتياجات.. 
كل هؤلاء يتعاونون فيما بينهم دون تدخل سلطة مركزية تأمرهم او تنسق جهودهم أو تنظم انتاجهم.. كل شخص يعمل على تحقيق اكبر المنافع لشخصه ولا يتم ذلك الا بتقديم أحسن ما يملك من خبرته وقدرته وعلمه حتى ينفع بهم غيره.. فمن يعرف زراعة شجر المطاط فان منفعته في زراعة هذا النوع من الشجر ورعايته والاشراف عليه وحمايته من الامراض ثم استخلاص المطاط منه وبيعه لمصانع التكرير التي تقوم بدورها بمعالجته بأحسن الطرق والتكنولوجيا المتوفرة وتوفيره لمن يريد أن يستعمله وله عشرات الاستخدامات مطاط العجلات للسيارات والحافلات والطائرات وكل واحد له خصائصه وطريقته.. ومطاط أقلام الرصاص المستعمل كممحاة.. دون ان ننسى شركات النقل البري والبحري وآلاف التجار الذي يتبادلون هذه المنافع وينقلونها من مكان الى مكان.. 
لا أحد يستطيع ان يصنع قلم رصاص بمفرده كما قال ليونالد ريد. ولكن المعجزة أن هؤلاء جميعا يتعاونون دون تنسيق ودون اوامر مركزية ودون ان يعرف احدهم الآخر..
من ابن خلدون الى ىدم سميث الى ريد الى فريدمان كل هؤلاء استعملوا نفس المقاربة والمثال لتطوير أفكار متقاربة وشرح كيف يعمل الاقتصاد وكيف يتحقق العمران..
ابن خلدون في حاجة الانسان لاخيه الانسان
ادم سميث في ضرورة تقسيم وتوزيع المهام
لوينالد ريد في ان الدوافع الفردية تؤدي الى الجهود المشتركة والنتائج الجماعية الناجحة
وفريدمان دفع الفكرة الى أفق آخر أن كل هذه الاعمال تدار دون قرار مركزي ودون وجود سلطة عليا تتحكم في كل مراحل هذا التبادل.. 
هذه هي قوة قواعد الاقتصاد عندما نفهمها بشكل جيد
وكل ما نحتاجه لاحقا هو الحرية لتطبيقها وتعميم نفعها فيحدث العمران بلغة ابن خلدون أو ثروة الأمم بلغة آدم سميث أو النمو بلغة المعاصرين