تورو كومون وتاكيشي
قالت له زوجته تاييكو
أنت أستاذ رياضيات وابننا ضعيف في الرياضيات هذا ليس بالأمر الجيد. نظر الأب كومون في دفاتر ابنه تاكيشي وراجع أسلوب المدرسة في تعليم الرياضيات ووجد أن الأمر ليس على ما يرام. الصعوبات التي يعاني منها الابن تاكيشي ذو الثماني سنوات لا تعود لضعف في الطفل بل لخلل في المنهاج. كان ذلك سنة 1954 في اليابان طوكيو.
قرر الأب كومون الاشراف بشكل مباشر على تعليم ابنه، وبدأ يعد دفاتر مدرسية ويتابع تطور اداء ابنه ومستواه. تحسن اداء الطفل بشكل جيد حتى انه بعد سنوات قليلة أصبح قادر على حل عمليات معقدة في التفاضل والتكامل عادة لا يحين وقتها الا في نهاية مرحلة التعليم الثانوي.
وقد لاحظ الجيران هذا التحسن في اداء الطفل تاكيشي وأصبح مضرب المثل، وبدأت النسوة يطلبون من السيدة تاييكو ان يستفيد ابناءهم من نفس التجربة كما استفاد تاكيشي.
وبحرص هؤلاء الأباء والأمهات على تعليم ابنائهم تعاونوا على تأسيس اول مركز تعليمي يتبنى منهجية الأستاذ كومون في أوزاكا سنة 1956 وما هي الا سنتين حتى انتشرت الطريقة في اليابان كلها وقامت مؤسسة كومون للتعليم (KUMON) سنة 1958 التي نشرت الفكرة في اليابان وفي العالم، وحسب بيانات المؤسسة يتمدرس في هذا النظام حوالي 4 مليون تلميذ سنويا في الدول التي سمحت بدخول هذه المنهجية عبر نظام الامتياز (Franchise).
والفكرة والمشروع انتشرت في كثير من الدول خاصة الأنجلوفونية، ولها شعبية جارفة في ماليزيا وسنغافورة واندونيسيا والولايات المتحدة الأمريكية وجنوب افريقيا وطبعا اليابان وكوريا والصين.
هناك دراسات امريكية كانت تعزو تفوق التلاميذ اليابانيين في مادة الرياضيات الى هذا البرنامج، وقد قاموا بدراسته بشكل مفصل، ففي كتاب التدريس والتعليم في اليابان (Teaching and Learning in Japan) يعزو المؤلفان جاذبية البرنامج الى البساطة من جهة والادوام من جهة ثانية والتدرج من جهة ثالثة مما جعل مادة عادة ينظر لها الطفل كمادة صعبة وهي الرياضيات والحساب مادة سهلة وميسرة.
الرياضيات بناء متكامل، وسلم تصاعدي، وعادة الطفل يجد صعوبة في جدول الضرب ليس لانه لا يفهم ولكنه لانه لم يتقن الجمع بصورة صحيحة وسليمة، ويجد صعوبة في القسمة لانه لم يتقن عملية الضرب وهكذا تصاعديا، من مرحلة الى أخرى. وبرنامج كومون الذي طوره الأب والمدرس كومون يقوم بالضبط على هذا المعيار وهو الاتقان والتمكن من المستوى قبل الانتقال الى المستوى الذي يليه.
وبمرور بضعة مراحل من التعليم يجد الطفل نفسه قادر على الاستمرار ويملك الشجاعة والثقة في النفس الكافية لاقتحام المواد الجديدة لأن القواعد التي تتأسس عليه المعرفة مستقرة في ذهنه عبر الممارسة والتطبيق المستمر.
وقد توسعت فكرة تورو من مادة الرياضيات الى مادة اللغة، ولذلك تجد مراكز كومون عبر العالم تدرس مادتين فقط، الرياضيات والحساب ومادة اللغة. ذلك ان اتقان الطفل لهذين المادتين كافي ليجعله يستوعب ويتفاعل مع بقية المواد. بعض الأطفال لديهم عجز في مادة التاريخ، وفي الحقيقة لديهم عجز في فهم المفردات وقاموس مفرداتهم ضعيف ولذلك ياتي استيعابهم لمادة الجغرافيا او التاريخ او العلوم ضعيف. والمواد العلمية مرتبطة بشكل او بآخر بنشاط الذهن وقدرته على ربط المعلومات وهنا تلعب الرياضيات والحسساب دورا أساسيا في خلق ثقة الطفل بنفسه وقدراته ما دام ملما ومستوعبا لمادة الحساب.
مدارس كومون، وقد سميت نسبة للأستاذ كومون تورو صاحب الفكرة، تعتبر مدارس تكميلية، يرتادها الطلاب مرتين او مرة في الاسبوع، وبقية النشاط التعليمي في البيت.
وقوة هذه المدارس تكمن في بساطتة الفكرة، ورغم ذلك قدرتها على تحقيق نتائج طيبة تثير اعجاب الأباء وترفع من معنويات التلاميذ وتزرع فيهم الأمل والثقة في النفس. يخصص التلميذ مابين عشر دقائق ونصف ساعة يوميا حسب المستوى لكل مادة (الحساب/الرياضيات واللغة) ويقوم بانجاز تمارين في كراسة يقدمها مركز كومون، وحتى الأباء يطلب منهم ان لا يساعدوا التلميذ، فقط يوفروا جوا نفسيا مريحا وتشجيعا ورفع للمعنويات، ويتركوه وحده ينجز واجبه الكوموني. ويطلب منه أن يضع في كراسته التاريخ وتوقيت الانطلاق في الواجب.. وعندما ينتهي من الواجب يقوم بمفرده بتسجيل توقيت الانتهاء.
وبالاستمرار على هذه الطريق
ة يكتسب الطفل مهارة الالتزام، ويشعر بقيمة الوقت، ويقوم بانجاز تمارينه.. وبالمداومة على التجربة يكتسب خاصية الانضباط ويبدأ يشعر بقيمة الوقت في انجاز المهام.
وهنا تأتي نقطة مهمة، حيث ان الأخطاء يقوم بتصحيحها في المركز عبر المدربين، وتوجيهه لاعادة تمارين مماثلة حتى تقل نسبة الأخطاء وتتلاشى، ويبدأ الطفل في اكتشاف انه قادر على القيام بالتمرين دون أخطاء وهذا يزيد في سعادته النفسية واقباله على الكراسات الأخرى. ومالم تكن نسبة تفوقه بين 90% و 100% فإنه لا ينتقل للمستوى الذي يليه.. أي أنه لا يتجاوز مستواه حتى يتقنه ومن ثم تكون الانطلاقة في المستوى الجديد سهلة وميسرة.
كل مستوى فيه 200 كراسة، قد يقضي الطفل فيه عدة أشهر، وبعض الاطفال يجد صعوبة في البداية، ولكن بمرور الوقت تبدأ الشهور في التقلص لأنه استطاع أن يبني القواعد الأساسية.
نشر في أسبوعية البصائر على هذا الرابط
http://www.albassair.org/journal/823.pdf
