جاري بيكر: اقتصاد الجريمة..
التفكير كخبير اقتصادي: دليل القرار العقلاني (10)
النظرة الاقتصادية للجريمة وللعقاب قد تبدو مختلفة نوعا ما عن النظرة الاخلاقية والنظرة القانونية، والنظرة النابعة من علم الاجتماع او علم النفس.. وبالفعل فقد سيطرت الرؤى القادمة من هذه المجالات على مفهوم الجريمة والعلاج المطلوب وتصور منظومة العقاب.. لكن بمجرد ما بدأ خبراء وعلماء الاقتصاد يعالجون هذا الموضوع حتى حدث انقلاب شامل في مفهوم الجريمة ودراسة الدوافع المرتبطة بها وتصور الحلول تبعا لذلك.
عندما اصدر الاقتصادي الأمريكي جاري بيكر دراسته” الجريمة والعقاب، مقاربة اقتصادية” (Crime and Punishment: An Economic Approach) فتح ثغرة في الوعي الانساني للمشكلات التي تواجهنا كتجمع بشري..
قبل أيام كنت استمع الى تقرير طريف من اليابان.. بعنوان الجريمة والغباء.. يقول التقرير ان ديوان الاحصاء لاحظ زيادة نوعا من الجرائم الغريبة وهي سرقات كبار السن من المساحات التجارية..
التفكير البسيط سيربطها بالاخلاق أو يربطها بالظروف المالية لهذه الفئة..
هل انحدرت اخلاق كبار السن.. أي كلما يكبر الانسان كلما تنحط اخلاقه؟
هل الظروف المالية لكبار السن تجعلهم في عوز مما يضطرهم الى السرقة لتغطية حاجاتهم؟
في الحقيقة لا هذا ولا ذاك..
بعد التحري تبين ان كبار السن المتورطين، يحتاجون الى الرفقة والعناية الحسنة.. ولن يجدوا احسن من السجون خاصة ان معدلات السن ازدادت واصبحت تتجاوز الثمانينات بسبب تحسن التغذية.
وما هو مصدر الغباء اذن؟
الغباء هو في القانون الذي يعاقب سارق سندويتش من مساحة تجارية بسنتين سجن.. ثمن السندويتش دولارين.. وثمن رعاية مسن في السجن يكلف دافع الضرائب (المجتمع) 78 الف دولار سنويا وسنتين في السن فان المبلغ لن يقل عن 156 الف دولار..
هنا المفارقة..
لو يعطي المجتمع الف دولار لصاحب المحل الذي تعرض للسرقة حتى يرضيه.. ويترك المسن يذهب لحال سبيله بعد ان يخصم منه الفين دولار الألف الأولى تعويضا لصاحب المحل والثانية تعويضا للمجتمع عن الازعاج.. فان المجتمع سيوفر 156 الف دولار تكلفة الرعاية في السجن (لان مبلغ الغرامة دفع من جيب المسن)..
هذه الحادثة في اليابان تعطي لنا كيف يفكر رجال الاقتصاد في الجريمة (ما هي الجريمة؟) وفي العقاب.. ما هو العقاب المناسب بحسب طبيعة الجريمة؟..
وما هي الموارد التي يجب ان يخصصها المجتمع لمكافحة الجريمة (المجتمع عبر جهاز الدولة)..
كما ذكرت جاري بيكر يعتبر من علماء الاقتصاد الذين احدثوا ثورة في الدراسات الاقتصادية وزعزع أسس الحقول المعرفية الأخرى مثل علم الاجتماع وعلم السياسة وحتى علم النفس.. وبمرور الصدمة اكتشفت هذه العلوم ان جاري بيكر قدم لها اضافة نوعية وليس تحديا معرفيا.. فقد استطاع ان يفتك عشرات الموضوعات التي كانت حكرا على الدراسات في علم الاجتماع وعلم النفس والسياسية وغيرها ويحولها الى موضوعات اقتصادية.
هل يمكن النظر للتمييز العنصري من منظور اقتصادي؟
هل الجريمة هي تصرف يقوم به مجنون أو مريض نفسي كما يدعي علم النفس أو سلوك عقلاني له دوافع مادية؟
هل الجريمة هي بسبب انهيار المنظومة الأخلاقية في المجتمع؟
أم هي بسبب توفر الحوافز الاقتصادية التي تشجع على ارتكاب الجريمة (عصابات الباركينغ مثلا)؟
هل عصابات المخدرات التي اخترقت كل الانظمة الأمنية حول العالم في الدول المتخلفة وفي الدول المتطورة على حد سواء يسيرها رجال معتوهين أم أشخاص عقلانيين الى أكبر حد وقادرين على اختراق هذه المؤسسات بكفاءة عالية؟
لماذا بخلاف ما كانت تدعي السوسيولوجيا ان تحسن مستويات المعيشة وتحسن مستويات الدخل سيؤدي الى تحسن في نسبة المواليد والخصوبة ولكن نجد على العكس انحدار في الخصوبة وضعف في نسبة المواليد في الدول ذات الدخل العالي الى درجة انهيار الهرم السكاني؟
هل من تفسير اقتصادي لهذه الظواهر التي كانت حكرا على مجالات علم الاجتماع وعلم النفس وعلم السياسة وادت الى فهم غير متكامل للظواهر بسبب اهمال البعد العقلاني وامادي فيها..
هنا لعب جاري بيكر دورا محوريا في توسيع مجال الاقتصاد الى قضايا جديدة لم تكن محل تناول قبله..
المسار العلمي لجاري بيكر يبدأ في جامعة شيكاغو عندما درس عند ميلتون وكما يحكي هو شخصيا فقد طرح عليه ميلتون سؤالا في بداية مشواره كطالب في التدرج فلما اجاب رد عليه ميلتون قائلا: انت لم تجب انت اعدت صياغة السؤال.. ومنذ ذلك الحين قرر جاري دراسة الاقتصاد واصبح من كبار تلاميذ ميلتون وتحصل على نوبل في الاقتصاد سنة 1992.. وعندما يتذكر تلك السنوات فانه يقول أن ميلتون علمه كيف يمكن للاقتصاد ان يفسر كثيرا من الظواهر حولنا. وهذا ما جعله يركز على تقديم تفسير اقتصادي للسلوك الاجتماعي. وقد انجز رسالة الدكتوراه اقتصاد التمييز العقلاني (The economics of rational discrimination) حيث بين فيها أن رفض توظيف السود برواتب متدنية اقل من البيض وعلى المدى البعيد سيؤدي الى تراجع الانتاج وتقلص الارباح..
فالسلوك العنصري من وجهة نظر اقتصادية هو سلوك يؤدي الى الخسارة المادية. فالتمييز العنصري لا يؤثر سلبا فقط ضد السود وذلك بحرمانهم من العمل ولكن يؤثر سلبا أيضا على الشركات التي تمارس التمييز.
وهذا قلب للمفهوم الماركسي الذي كان مسيطرا والذي يعتبر ان التمييز سيفيد الشركات ويضر فقط بالمميز ضدهم. وباختصار اذا كانت الشركة لا توظف الأسود صاحب الكفاءة وتفضل بدلا عنه الأبيض الأقل كفاءة.. فان قلة كفاءة الأبيض هي تكلفة اضافية تتحملها الشركة في التكاليف التي لا ترى ولكنها تؤدي الى نتائج سلبية كمحصلة نهائية.
كانت هذه اول دراسة منهجية رياضية اقتصادية موثقة عن خطورة التمييز العنصري على الاقتصاد وعلى كفاءة النشاط الاقتصادي.
ويقول جاري عن هذه الدراسة ” لقد سطرت مساري الذي مضيت فيه لاحقا وهو تطبيق الاقتصاد على القضايا الاجتماعية” وكتب في مذكراته “معظم علماء الاجتماع وعلماء النفس لم يكونوا يتصورون انني اساهم بجدية في اثراء حقولهم المعرفية”..
سنركز هنا عن دراسته الجريمة والعقاب (استعار عنوان من قصة ديوفسكي) والتي اثرت على حقول معرفية كثيرة وخاصة القانون ودور المؤسسات العقابية وكم يجب ان نتحمل كمجتمع من تكاليف حتى نقاوم الجريمة..
“المقاربة التي تم اعتمادها هنا تتبع التحليل الاقتصادي في الاختيار وتفترض ان شخصا ما يرتكب مخالفة اذا كانت المنفعة التي يحصل عليها من ارتكاب المخالفة تتجاوز المنفعة التي يحصل عليها اذا استعمل نفس الموارد في نشاط آخر”..”البعض يصبح مجرما ليس لان لديه دوافع مختلفة عن شخص آخر ولكن لان المنافع والتكاليف مختلفة”..
هذه المقاربة شكلت انقلابا كبيرا في فهم عالم الجريمة خاصة عالم تجارة المخدرات والعصابات المنظمة.. وأثرت على الفهم الاجتماعي والقانوني لهذه الظواهر وكذلك على تصور العقوبات المرتبطة والرادعة.
الجريمة من منظور اقتصادي لها دوافع اقتصادية وتحكمها نفس المعادلة الاقتصادية معادلة الربح من ارتكاب الجريمة ومعادلة التكاليف والمخاطر في حالة الفشل في تنفيذ الجريمة او عدم تنفيذها. المجرم المحترف هو بالدرجة الأولى شخص عقلاني، من منظور اقتصادي، وقد بلغ المجرمون الكبار شانا في التاريخ فاصبحوا يتحكمون في الشرطة والاعلام والسياسيين وربما حتى رجال الدين وهذا لا يقوم به شخص معتوه. ومثال شخصية ال كبون الأمريكي عندهم وقد تجسدت منظومة المافيا في ثلاثية العراب وهي فيلم أمريكي عن عالم المافيا والنوازع التي تحكمه داخليا.. وفي مجالنا شخصية البوشي الذي ظهر اسمه فجأة على مسرح الاحداث، وأصبح واضحا ان الرجل له نفوذ واسع يبدأ برجال المال والسياسة وينتهي حتى برجال البرلمان وقيل حتى رجال الدين.
انه نشاط عقلاني له منظومته الداخلية للمكافئة والعقوبة. لم تعد الجريمة مجرد مرض عقلي او وضع اجتماعي سلبي ولكن اصبحت حساب عقلاني للربح والخسارة. وهنا تاتي اهم نقطة وهي تصميم سياسة مكافحة الجريمة، ما هي التكاليف التي ستترتب على مكافحة الجريمة مقابل التكاليف المترتبة عن ممارسة الجريمة.. فالموازنة بين تكاليف إنفاذ القانون مقابل المنافع الناشئة عن ردع الأعمال الإجرامية.
الجريمة ليست فقط اخلاقية، من وجهة النظر هذه، فشرب الخمر وصناعته جريمة في بلد مسلم ولكنه ليس جريمة في بلد آخر.. فمحاربة جريمة شرب الخمر في بلد مسلم قد تكون غير مكلفة لان أغلبية الناس لا يتعاطون الخمر، ومن ثم فان احتواء الجريمة يصبح امرا ميسرا وغير مكلف.. ولكن محاربتها في مجتمع يتعاطى الخمر وهي جزء من ثقافته فانها تصبح مكلفة جدا وهذا ما حصل في العشرينات من القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب ضد الخمر، سنوات الحضر، (Prohibition)..
سنوات الحضر.. Prohibition Years
فالحضر الحكومي القانوني لبيع الخمر وانتاجه وتوزيعه بقرار استعراضي سريع.. أوجد فرصة اقتصادية للكثير من العقول “الذكية”.. وهنا بدأت تتشكل عصابات منظمة لخدمة الطلب المتزايد على هذا المنتج مع كسر القانون الذي يمنعه.
الخمر كان جزء متجذر من الثقافة الأمريكية وجزء من شخصية الانسان الغربي وتقاليده يتربى عليه منذ نعومة اظافره وبني المجتمع وهو يتعايش مع الخمر.. حتى ولو كانت كل الاحصاءات تدل على انه يذهب العقل ويتسبب في تزايد نسبة الطلاق وتفكك الأسر وافساد اخلاق الفتيان وابعادهم عن التركيز على الدراسة ويدمر مسارهم المهني ويخرب علاقاتهم الاستهلاك المبالغ فيه للخمر وتوفره باسعار زهيدة جدا..
وتشكل تيار ديني وسياسي يدعو لمنع تداول الخمر.. واغلاق المحلات التابعة له، وذلك للحد من كل انواع الجرائم المرتبطة بالخمر وبمحيطه.. وبالفعل في ديسمبر 1917 ، أقر الكونغرس التعديل رقم 18 على الدستور الأمريكي الذي يحظر “تصنيع أو بيع أو نقل السوائل الكحولية المسكرة بغرض استعمالها في المشروبات” وتم إرساله إلى الولايات للتصديق عليها، وفي 19 جانفي 1919 تحصل على ثلثي الموافقة من الولايات الأمريكية وأصبح جزءا من الدستور.
في الأشهر الستة الأولى، دمرت الآلاف من معاصر الخمور غير المشروعة التي يديرها المهربون. ولا يزال التاريخ يحتفظ بصورة تلك الحملة الوطنية التي سخرت لها الشرطة والاعلام ورجال الدين ومنظمات المجتمع المدني..
لكن الغريب أنه بمرور الوقت كانت هناك ظاهرة عجيبة وهي نمو الجريمة المنظمة وتوسع نشاطها في كل امريكا. وقد بنى المهربون الكبار مثل آل كابوني في شيكاغو إمبراطورية إجرامية من جهود توزيع الخمور غير القانونية، وفي نفس الوقت فقدت الحكومة الأمريكية ملايير الدولارات التي كانت تتلقاها من جراء عائدات الضرائب المفروضة على بيع واستهلاك الخمور..
وكانت تلك التجربة مهمة جدا في عدة مستويات:
- مدى قدرة الدولة على فرض القانون
- العلاقة بين القانون والاخلاق والضمير الجماعي وسلطة الاكراه واحتكار القوة الذي تتمتع بها الدولة.
- العلاقة بين الجريمة والسلوك العقلاني
- ما هو القانون الذي يمكن للدولة ان تفرضه..
- كيف تعالج الجرائم
التعديل الدستوري منع صناعة وتسويق الخمر ولكنه لم يستطع ان يمنع استهلاك الخمر..
وهنا توفرت فرصة “اقتصادية” واضحة، وهي صعود الطلب على الخمر مع تقلص العرض وضموره.. ومن يريد ان يدخل اقتصاد عرض الخمر فسيعرض نفسه الى مشكلة مع القانون.. ولذلك ليس من حل سوى العمل خارج نطاق القانون.
وبدأت تزدهر تجارة تهريب وتوزيع الخمور، ونشأت العصابات وازدهرت وتوسعت وقوي عودها وبدأت تجني اموالا كثيرة جدا مما وسع من سلطتها التي امتدت الى كل مجالات الحياة العامة من رجال الصحافة الى رجال الشرطة والقضاة والسياسيين. ويروى ان آل كبون قال بصريح العبارة..” مثلي كأي انسان آخر. كل ما اقوم به عرض وطلب” لم يكن يجب ان يدرس اقتصاد حتى يفهم ما يحدث بالضبط.
بالفعل في ظل هذه الشروط حيث هناك طلب متزايد على الخمر تشكلت فضاءات خاصة اصبحت حتى النساء ترتادها بعد ان كانت المخامر قاصرة على الرجال، وظهرت موسيقى السود الجاز التي ازدهرت في هذه الفضاءات.. وظهرت صناعة الخمر منزليا وباستعمال مواد خطرة.. ويتم بيع بعض المكونات مع تعليمات خاصة كيف تتخمر منزليا..
منظومة اقتصادية كاملة تشكلت بسبب قانون الحضر..
والاخطر ازداد منسوب الجريمة المصحوبة بالقتل أخطر مما كان عليه الحال سابقا.
قصة آل كبون مثيرة لأن الحكومة الفدرالية وجدت نفسها امام حالة عجيبة شخص مجرم يقتل ويتاجر في الممنوعات ومع ذلك ولمدة سنتين لم تستطع ان تثبت عليه تهمة واحدة.. لا قتل ولا سرقة ولا تجارة في الممنوعات. كل شيء كان يتم بالكلمة.. الكلمة هي كشف الحسابات وهي فاتورة التسليم وهي سند القبض كل الاموال في الخزائن وفي الصناديق.. فضلا عن سيطرته المطلقة على كل المحيط من الشرطة الى الصحافة الى القضاة كلهم يدفع لهم.
وبعد تحريات دقيقة ومتواصلة لم يجدوا سوى تهمة التهرب الضريبي فاستدعي للقضاء بناء على 22 تهمة تتعلق بالتهرب الضريبي. واثناء المحاكمة كان ال كبون واثقا من نفسه لان رجاله بكل بساطة قدموا رشاوي لكل لجنة المحلفين ومن لم يقبل الرشوة قاموا بتهديده. والقاضي الذي كان يواجه المتهم قرر في آخر لحظة تغيير لجنة المحلفين كاملا.. وتم محاكمته بتهمة التهرب الضريبي والحكم عليه في اكتوبر 1931 باحدى عشر سنة سجنا وهي اعلى مدة لهذه التهمة في ذلك الوقت.
وتبقى من أغرب القضايا في التاريخ، رغم ان الرأي العام شعر بالارتياح من ابعاده عن مسرح الجريمة لكن الألسن لم تتوقف لانها اعتبرت العقوبة تمت على أقل جرائمه فهو قد فلت من الاعدام بسبب جرائم القتل او الامر بالقتل مثلا. بل البعض اعتبرها ذكاء وتآمر من اجل حمايته..
ولكن أغرب ما في القضية ان ما كان يعتبر جريمة اثناء المحاكمة تحول بعد سنتين الى عمل عادي وتم الغاء قانون الحظر وتعديل الدستور للمرة 21 في ديسمبر 1933..
وهنا نستحضر قصة منع اللباس الشرعي او الحجاب في تونس بقوة القانون في عهد زين العابدين بن علي.. وعودته القوية بعد الثورة..
طبيعة القوانين التي تغذي الجريمة عبر أثر الكوبرا الذي تحدثنا عنه..
وهنا نستحضر مثلا قضية دعم الأسعار في الجزائر خاصة اسعار البنزين الأمر الذي اوجد شبكة كاملة لتهريب والجريمة المنظمة وسرقة بترول الشعب وتهريب البنزين الى الدول المجاورة للجزائر لان سعره في الجزائر مربح جدا اذا ما تم بيعه في تونس او المغرب..
بالنسبة لقانون الحضر على الرغم من انه اصبح جزء من الدستور ولكن اعطيت صلاحيات للولايات في كيفية تطبيقه وحتى بعد الغاء قانون الحضر تم تحديد نسبة الكحول المقبولة بنسبة 3% وقد استمرت ولاية المسيسيبي في منع الخمور الى سنة 1966 واستمرت ولاية الكنساس في منع بيع الخمر في المناطق العامة الى 1987.
نيوورك تقاعست في تطبيق قانون الحضر لان من اهم نشاطات هذه المدينة هي النشاط الذي يدور حول احتساء الخمر ولقاء الناس في البارات..
المسألة ليست مجرد مسطرة قوانين يجب ان تطبيقها.. وليست مجرد مواعظ يجب ان نسمعها للناس وليست فقط جهاز شرطة وكفاءة المحققين..
انها شيء متداخل.
ولذلك قام بيكر بنقل الاهتمام من المجرم (كانسان مشوه او مريض كما يقول علم النفس) الى المحيط العام الذي يوفر الشروط الموضوعية لنشأة الجريمة والمعيار هو القرار العقلاني بين الربح والخسارة والمخاطر..
كثيرا من الناس يعجز عن فهم لماذا هناك سجون فارغة في هولندة وفي السويد.. وبعض الاعلاميين يقدمون المشاهد من هذه السجون دون ان يفهموا ما يحدث بالضبط فيغالطون الرأي العام.
والواقع ان هناك تحول في التشريعات في هذه الدول.. كثيرا من التصرفات تعتبر جريمة في أمريكا مثلا ولكن ليست كذلك ليس كذلك في هولندة ومنها جريمة التعاطي بالمخدرات..
هناك شريحة كاملة من المساجين لو كانوا في هولندة فانهم لن يسجنوا.. هناك شريحة كاملة من السلوكات تجرم في أمريكا ولا تجرم في هولندة..
واذا دخلنا الى عالم المخدرات، ففي المجتمعات الغربية تشكل جريمة المتاجرة وصناعة وتوزيع وبيع المخدرات مصيبة مركبة.. فقد بلغت تجارة المخدرات رقما خياليا حيث تقدر بحوالي 1.7 ترليون دولار سنويا.. اعلى من الناتج المحلي التركي بـ70% وكلها تدور خارج النظام المالي المعترف به..
ولعلاج الجريمة هناك عوامل يجب ان تعالج:
- مداخيل المجرم في حالة قيامه بعمل قانوني
- مداخيل المجرم منعمل غير قانوني
- احتمال القاء القبض عليه
- تكلفة العقوبة..
هذه هي الخيارات المطروحة امام المجرم..
وهنا يتدخل المفهوم الاقتصادي مفهوم الهامش.. ما هو الهامش المقبول من الجريمة الذي يجب ان لا يتجاوز تكاليفها على المجتمع.. أي كم ستكلف الجريمة المجتمع.. وهنا نستحضر الجريمة وتكلفتها في المثال الياباني الذي بدأنا به هذه المقالة.
يقول بيكر :”نسبة الجريمة لا تحدد فقط بالخياات العقلانية للمجرم، ولكن بالمحيط الاقتصادي والاجتماعي الذي يتشكل بناءا على السياسات الحكومية العمومية بما فيها المصاريف المخصصة للعقوبة والمكافأة والتعليم والتدريب”
فالجريمة في المنظور الاقتصادي سلوك عقلاني، ربما يجدر ان نستثني جرائم المرضى نفسانيين، هذه تخرج من هذا التصنيف، ولذلك فان معظم الجرائم فان احسن اسلوب لمعالجة الجريمة هي وضع تكلفة مالية (الغرامة) على كل جريمة.. بدلا من السجن.. ولذلك يرى بيكر أن الغرامة افضل من السجن، الغرامة أكثر فعالية في تحقيق الهدف، لانها تكسر حلقة الربح المستهدف من الجريمة.. وبدلا من أن يكلف المجتمع مبلغا من المال مقابل وضع المجرم داخل السجن فانه يقوم بدفع مبلغا من المال للمجتمع (الخزينة العامة) بسبب ارتكابه الجريمة.
بعد سنوات من التجارب في السجون وفي كل العالم فان التكلفة المباشرة التي يتحملها المجتمع هو ان السجن مدرسة لتطوير مؤهلات السجين الاجرامية وجعله يتكيف اكثر مع جرائم جديدة في أغلب الحالات..
في البرتغال قامت الحكومة منذ 2001 بتوقيف عملية تجريم تعاطي المخدرات. ولفهم الصورة الاجمالية فان المخدرات بلغت مستويات عالية في البرتغال في الثمانينات بحيث ان شخص من كل عشرة اشخاص يتعاطى اخطر انواع المخدرات كالهرويين.. أي 10% من المواطنين.. الأمر خطير جدا.. وقد مس كل شرائح المجتمع.. الطالب الجامعي والاستاذ وموظف البنك وبائع النسيج وحتى جعهاز الأمن وكان الناس يحقنون انفسهم في كل مكان وفي قارعة الطريق.. لن تكفي سجون اوروبا كلها لوضع هؤلاء بعيدا عن الانظار.. وما هي التكلفة.. وهل السجن وحده هو الحل.. خاصة ان العصابات اخترقت كل شرائح المجتمع وكل الطبقات.
ولتصور المشكلة بشكل جيد
تخيل حكومة في الجزائر مثلا تقرر منع التدخين.. بسبب الاضرار التي يتسبب فيها..
او تقرر منع القهوة نظرا للاضرار التي تتسبب فيها..
طبعا كل الدول قامت بمحاربة التدخين.. وكثيرا منها نجح في ذلك.. نجح في تقليل الاستهلاك ولم ينجح في المنع المطلق.. منع التدخين في الاماكن العامة.. في الجامعات والمدارس والمؤسسات والبنايات ووسائل النقل العمومي.. وفرض غرامات للمخالف.. ومنع الاشهار والدعاية للتدخين ووضع الصور المقززة للتاثير على نفسيات المدخن.. وفي المطارات اذا اردت ان تدخن عليك ان تدخل الى غرفة خاصة مثل الحمار الاجرب..
هذه السياسات التكاملية لم تمنع التدخين كليا لكنه قلصت الاستهلاك واوجدت اجيالا لا ترى في التدخين شيئا يستحق التعب.. لا تنسى انه في وقت سابق كان تقدم سيجارة المالبور او روثمان كرمز للرجولة الكاملة..
سنلاحظ في اشكالية الجريمة والعقاب ان الامور متشعبة ومتداخلة وليست بالشكل البسيط الذي يبدو في الظاهر..
فبيع البنزين عمل مشروع
لكن بيع البنزين المدعم جريمة
وهذا ما يجعل السلوك البشري متناقض.. ربما بسبب ضعف التعليم.. فهو لا يفهم المعادلات الرياضية التي تجعل بيع البنزين المدعم خارج الحدود هو سرقة لمال اخوانه من افراد المجتمع.. وما تعتبره جريمة في مجتمع قد لا يكون جريمة في مجتمع آخر ومنها تعدد الزوجات بالنسبة للمسلمين ومنعه في الغرب والمخادنة بالنسبة للغرب ومنعه عندنا..
وسنكتشف ان الجهد الأساسي لمكافحة الجريمة يبدأ في تغيير التصورات نحو سلوك ما.. وهذا ما تفيده تجربة تقليص استهلاك الدخان عبر العالم..
ان يكون الاستهلاك في مستوى صفر تقريبا غير ممكن.. لكن تقليص الاستهلاك لمستويات مقبولة الى الحد الأدنى هو الأمر المعقول والممكن..
وفي الاخير كحوصلة فان الجريمة بالنسبة للمجتمع هي ما يكلف المجتمع أكثر مما يستفيده.. والموازنة بين الجريمة والعقاب يجب ان تكون بمراعاة هذا التوازن.. لانه لا يعقل ان تكون قيمة الجريمة دولارين وقيمة مكافحة الجريمة 78 الف دولار. والعقوبة المثلى للجريمة هي العقوبة المالية ويمكن التامل في الدية، وهي القيمة المالية الواجبة بجناية على النفس او ما دونها. بدلا من السجن.
وبالنسبة لـ”سوق الجرائم”، يجب ارباك الطلب، فاذا كان هناك طلب متزايد على على منتج ما فيجب معالجة اشكالية الطلب.. عبر التوعية من جهة وهذه ضرورية او يحدث نفس الامر الذي حدث في سنوات الحضر..
وثانيا عبر المعاقبة، المخفية، المابعدية لنتائج استهلاك هذا المنتج.. مثلا ترفض شركات التامين التامين على صحة من يستهلك الدخان او ترفع عليه القسط ضعفين.. او لا يستفيد المريض بامراض ناتجة عن استهلاك الممنوعات من مجانية العلاج..
بمعنى آخر تجعل المستهلك يفكر مرتين في عواقب ما يترتب عن استهلاك الممنوعات.. والانسان عقلاني بطبعه..
واذا علمنا انه حتى في المجتمعات التي لا تحرم الخمر من وجهة النظر الدينية والاخلاقية ولا تحرم استهلاك الدخان فان هذه المجتمعات