“دارت المغربية” في السويد.. النظام البنكي التشاركي
قبل فترة كتبت مقالا عن تجربة “دارت” المغربية، وهي طريقة من أجمل أشكال التضامن الاجتماعي المنتشرة في المغرب، ولها قيمة كبيرة باعتبار انها طريقة فعالة لحل مشكلة تدوير المال وذلك بان تقوم مجموعة من الشركاء المتضامين بجمع مبالغا مالية شهريا ويديرونها بين افراد المجموعة، نوعا من الادخار والاقراض في صورة تضامن في نفس الوقت.
واضح ان فكرة دارة هي طريقة اجتماعية فعالة لتجاوز اشكالية الربا في النظام البنكي المعاصر.. وهي تقوم على فكرة بسيطة جدا وهي القيام بجمع اموال المودعين بدون فائدة طبعا، وتدويرها بحسب الحاجة بين اعضاء المجموعة دون فائدة أيضا.
والتجربة موجودة في كثير من المجتمعات لكن ميزتها في المغرب انها أصبحت اكثر تنظيما وتدور فيها أموالا معتبرة وتساهم في حل مشكلات حقيقية وقد سمعت تقريرا في التلفزيون المغربي يتحدث عن مبالغ تصل الى 100 الف درهم مغربي ما يعادل مليون دينار جزائري شهريا (100 مليون سنتيم) واكتسبت قدرة على التنظيم حيث في بعض الحالات يتم التوقيع على شيكات والاحتفاظ بها.
هذه التجربة هي نتيجة الحاجة كما ذكرت في مقال سابق.. المجتمع في حاجة الى اموال المدخرين الجامدة لتشغيلها، وهذه مهمة البنك، لكن امام اشكالية الربا، والتي لا تزال معقدة ولم تجد حلا واضحا لا على المستوى النظري ولا على مستوى حلول التجاوز.. فان المجتمع له طريقته الخاصة في تجاوز بعض هذه العقبات بفعالية كبيرة.
ما يقوم به الاخوة المغاربة في مجموعات صغيرة موجود في المانيا والدول الاسكندنافية بمستويات اكثر تنظيما فيما يسمى البنوك التشاركية أو التعاونية.
ما يميز التجربة الغربية عموما هي قدرتها على ابداع الأفكار وتجريبها.. هي القدرة على الانتقال من عالم النظر الى عالم التطبيق. والانتقال من عالم التطبيق البسيط الى التطبيق المؤسساتي المركب..
وقد ذكرت سابقا مثلا تجربتنا في الحديث عن المضاربة أو القراض وكيف تحولت في التجربة الغربية الى البورصة.. نفس المبدأ ولكن بتطبيق اوسع وشامل هو محرك الاقتصاد منذ قرنين وسبب ازماته منذ 40 سنة في نفس الوقت..
وهذا ما يجعل التجربة الغربية ثرية ولها القدرة على التكيف وكذلك لها القدرة على تنويع ادائها ومخرجاتها بشكل مستمر.
طالما التجربة قادرة على الصمود دون احتكار او دون استعمال سلطة الدولة فان التجربة تتطور وتزدهر.
في الوقت الذي سيطرت البنوك التقليدية التجارية والاستثمارية على سوق المالية واصبحت وكأنها النموذج الوحيد الممكن تطبيقه.. هناك بنوك تشاركية تقاوم النموذج المهيمن.
البنك التقليدي هو شركة استثمارية يملكها شخص او عائلة او عدة اشخا
ص او شركة عامة اذا كانت مطروحة في البورصة.. ولكنها شركة استثمارية تاخذ ودائع المدخرين فيها وتعطيها لطالبي الاستثمار وتوزع للمدخرين عائد من الاستثمار بفائدة ثابتة (التقليدي) أو فائدة متغيرة (الاسلامي).
ومعظم هذه البنوك تساهم تحت وصاية البنك المركزي في توسيع قاعدة الاصدار النقدي عبر توسيع القروض. وقد شرحت هذا في مقالات سابقة.
ولو قمنا بمسح شامل عبر العالم فان هذا النوع من البنوك هو المهيمن والمسيطر والذي يظهر في كل مكان. وهو محل متابعة ونقد من كثير من الاقتصاديين بسبب انه وسع بشكل مرضي الاصدار النقدي وتسبب في التضخم وفي مشكلات اقتصادية كبيرة.
ففي بريطانيا هناك 5 بنوك كبرى فقط تسيطر على 75% من الايداع البنكي والتعاملات المالية. ولكن اذا اتجهنا الى ألمانيا فإن البنوك الكبرى تستحوذ فقط على 12% وهناك 1500 بنك تعاوني او تشاركي يضم 20 مليون منخرط. وهو ما يمثل تحولا كبيرا في الاتجاه العام للتعامل مع البنوك.
وهي نفس التجربة الموجودة في السويد، هناك بنك تعاوني يخدم المشتركين دون فائدة JAK Members Bank. كلمة جاك هي اختصار للحروف الأولى للعمل والأرض ورأس المال بالسويدية. وهو يضم تقريبا 39 ألف عضو يتشاركون مع بعض في وضع اموالهم في خزينة واحدة ويستفيدون فيها بشكل مشترك.
وقد وجدت في الانترنيت تقريرا مفصلا عن هذا البنك، عندما قام فريق عمل من ايرلندة بزيارة البنك وتقديم تقرير لنقل التجربة الى ايرلندة.
فكرة البنك هي تقديم قروض بدون فائدة، ولذلك عليه ان يجلب مودعين يعطون اموالهم ولا يحصلون على الفائدة.. وهي نفس فكرة “دارت المغربية”.. ويستعمل ما يسميه التقرير نظام نقطة الادخار للموازنة بين الادخار والاقراض system of Savings Points.. وهي نفس فكرة “دارت” ولكن فقط على نطاق أوسع. فالبنك استطاع ان يجلب 39000 مشترك ومتعاون يضعون اموالهم ويوافقون على تدويرها بين الشركاء الذين يحتاجون قروضا مستعجلة. وكما هو الحال مع دارت فان المقترض من بقية زملائه هو في الحقيقة يقترض من نفسه عبر توسط زملائه الذين يسرعون دورة تجميع المال لديه.. وهو سيساهم بنفس القدر في تجميع المال لغيره وهكذا.
والمجموعة المشرفة على البنك وظفت الرياضيات لحل بعض المعادلات لاحداث التوازن بين الدخار والاقراض..
هناك نوعين من الحسابات في البنك حساب اداخار وحساب طلب.. وكل حساب له معامل ادخار (Saving Factor) اذا كان لديك حساب ادخار فالمعامل 0.9 واذا كان لديك حساب طلب (تستطيع ان تسحب منه في أي وقت) فالمعامل 0.7.
مثلا اذا كان لديك حساب ادخار فمعامل الادخار هو 0.9 فعندما تدخر ما يعادل 100 يورو فانك تكتسب 90 نقطة بحسب معامل الادخار..
100*0.9= 90 نقطة
بعد الادخار لمدة لا تقل عن ستة أشهر، يجوز للعضو التقدم بطلب للحصول على قرض. لاقتراض 1 يورو لمدة شهر واحد، يجب استبدال نقطة توفير واحدة. والعضو هو الذي يحدد المبلغ المقترض والفترة التي يريد ان يسدد فيها بحسب ما يملك من رصيد في نقاط الادخار.
سنلاحظ هنا ان “دارت المغربية” اقل تعقيدا لانها تتم في مجموعات صغيرة.. لكن في هذا البنك يجب ان تستجيب لطلبات وحاجات 39000 الف مشترك.. وهذا ليس بالأمر الهين.
واستعمال الرياضيات لحل هذه المعادلات أيضا ليس بالأمر السهل. ومع ذلك المحاولة قائمة ولها من العمر 53 سنة.
الإشكالية تبدأ أيضا عندما تريد ان تطلب قرضا ولكن ليس لديك نقاط الادخار الكافية.. هنا عليك أن تطلب قرضا من نقاطك المستقبلية التي لم تكتسبها بعد. وذلك عبر استعمال (معامل التخصيص) “Allocation Factor”. وهو محدد برقم 14 حاليا. ومن خلال نقاط التوفير الحالية الخاصة بالعضو لتحديد عدد النقاط المتاحة للحصول على قرض إضافي.
وأمام مشكلة ادارة المخاطر كيف يضمن هذا البنك ان كل القروض يتم تسديدها؟ قامت ادارة البنك بتطوير برنامج كمبيوتري يحتسب مدى قدرة الفرد على السداد بحسب مداخيله وبحسب طريقته في الحياة وتكاليفه.
وكما هو متوقع.. بسبب ضخامة عدد المشتركين فان الأمر يحتاج بعض الاحيان الى فترة انتظار حتى تتوفر المدخرات الكافية لتغطية الطلبات على القروض.
المشكلة الثانية تتعلق بسحب المدخرات.. وهذه أيضا تعتبر مشكلة بالنسبة لهذا النوع من البنوك.. والحل الوحيد الممكن ان يكون عدد المدخرين أكثر بكثير من عدد المقترضين وعدد الراغبين في سحب اموالهم. وإلا يتعرض البنك الى مشكلة سيولة. ومن طرق حل هذه المعضلة هي اعطاء معامل ادخار عالي (6،12،24) لكل من يجمد فلوسه في البنك لفترة طويلة تصل الى 24 شهرا.
طبعا ادارة البنك ليس بالسهولة التي نتصورها، ومن ذلك ان “العاملين” على البنك لا يتعدى عددهم 50 شخصا حسب تقرير الوكيبيديا (هناك صفحة للبنك بالسويدية).. والمصاريف البنكية اذا حولتها الى نسبة تصبح في حدود 3% سنويا على القرض.. وهذا ما يجعلها تعتمد كثيرا على المتطوعين وهذا ليس بالأمر القابل للتعميم.. وكذلك تبذل جهدا كثيرا في التواصل مع الأعضاء لتوضيح الاشكالات وتحتاج الى تفهم الجميع وادارة العناصر المتشنجة.. وهذا البنك الفريد ملكية جماعية لكل اعضائه الذين ينتخبون ادارته مرة في السنة.
في فرصة اخرى ساحاول الحديث عن النظام البنكي الألماني حيث ان 20 مليون مواطن يشارك في البنوك التشاركية وان البنوك التقليدية تستحوذ فقط على 12% من التبادلات.. وربما هذا الذي يفسر قلة ازمات النظام البنكي الألماني..
في الرابط ادناه مصدر التقرير ارجو ان يهتم بعض طلبة المالية