دجل المثقفين.. في مقابل French Theory؟؟
رياض حاوي
دجل المثقفين هو عنوان كتاب احدث ضجة قبل عشرين سنة وفضح بعض القامات الفكرية والفلسفية التي استولت على الفضاء العام، ويتم الترويج لها بمناسبة وبغير مناسبة، لكن صاحبي الكتاب تعمقا كثيرا في كتابات تلك الأسماء اللامعة والرنانة، واكتشف ما اثار الاستغراب وشكل مادة كتابهما، وتحول الى ما يشبه الفضيحة المدوية.
قام بروفيسور الرياضيات في جامعة لندن وأستاذ الفيزياء في جامعة نيويورك، الان سوكال، بمتابعة كتابات حزمة من فلاسفة فرنسا الذي يملؤون الأسماع، وقد أثار انتباهه شيء غير طبيعي في كتبات هؤلاء الفلاسفة، حيث يوظفون معارف علمية دقيقة دون ان يفهموها، ويقومون باستخذام استعارات علمية scientific metaphor يخرجونها من سياقها، وكلما تعمق اكثر في البحث كلما وجد ان قائمة محترفي الدجل تتوسع. وحتى يتأكد من الأمر جيدا كتب دراسة، لامعنى لها، لكنها تحمل المفردات والعبارات الرنانة لفلسفة ما بعد الحداثة، كان عنوان الدراسة
Transgressing the Boundaries: Toward a Transformative Hermeneutics of Quantum Gravity
ويمكن ترجمته على النحو التالي: “تداخل الحدود: نحو تأويل متحول لجاذبية الكم.”
كانت فرضية سوكال بسيطة، كثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع والمفكرين يوجهون كتاباتهم لمن هم مهتمين بحقول الفلسفة ونقد الأفكار، وكثير من هؤلاء ليس لديهم المام كبير بالعلوم التقنية، ويأخذون ما يرد في كتابات الفلاسفة على محمل الجد، حتى ولو كانت هرطقة ترقى الى مرتبة الدجل والشعوذة.
وكان توقعه في محله، حيث قامت المجلة العلمية المحكمة بنشر الدراسة، رغم ان الدراسة لا تعدو ان تكون هرطقة وكلام محشو لا رابط بينه، واستعارات علمية في غير محلها.
وبمجرد ما نشرت الدراسة المزعومة حتى قام سوكال بنشر تكذيب وفضح لكل ما جاء في دراسته الأولى، مؤكدا أن هناك عبث غير مقبول بالمفاهيم العلمية وتوظيف أيديولوجي لمسلمات العلم، خاصة انه هو أستاذ مبرز في الرياضيات والفيزياء.
وقد علق على ذلك بقوله: يخطئ من يظن أن قوانين الفيزياء هي نفسها الأعراف الاجتماعية ومن يعتقد ذلك عليه أن يجرب تلك التداخلات من نوافذ شقتي . (للعلم أنني أعيش في الطابق الحادي والعشرين)
وقد فتحت هذه القضية المجال واسعا لاعادة تقييم تراث فلاسفة وكتاب، وادعاءاتهم واطروحاتهم التي تتدثر برداء العلم والعلم منها بريئ.
اشترك سوكال مع زميل له وهو جون بريكمنت، أستاذ الفيزياء النظرية بجامعة لوفان في بلجيكا، ومهتم بفلسفة العلوم، ونشرا كتابا باللغة الفرنسية بعنوان صادم: دجل المثقفين.. (intellectual impostures) وجاءت النسخة الانجليزية بعنوان أكثر صدمة بعد ان وسع النقاش إلى المجال التداولي الأنجلوسكسوني موضة اللامعنى (fashionable nonsense)..
في هذا المؤلف قاما بتشريح كتابات حزمة من فلاسفة فرنسا، الغارقين في أحادية اللغة، والبعد المعرفي الواحد، وقد علق احدهم على الكتاب بقوله، “من المثير حقا ان تاتي بمثقف وتواجهه وتقول له كم أنت غبي”.. وعلقت جريدة الغارديان البريطانية على الكتاب:”هذا يثبت أن الفلسفة الفرنسية المعاصرة عبارة عن هراء قديم”..

في كتابهما القنبلة برهنا كيف أن مثقفين وفلاسفة مشهورين مثل لاكان ، بودليار، و دولوز أساؤوا مرارا توظيف العلوم والمصطلحات واستخدام أفكار علمية دون اعطاء أدنى تبرير لهذا الاستعمال المتعسف.
وكما جاء في المقدمة، “يتناول الكتاب ظاهرة التعمد في استعمال لغة غامضة، وخلط المفاهيم العلمية، والنصوص التي استندنا لها ما هي الإ ظاهر قمة جبل الجليد.. الذي يعكس ممارسات فكرية مستقرة”.
هؤلاء الفلاسفة و علماء التحليل النفسي الذين يعطون الانطباع الخطأ لقرائهم بالسيطرة على جوانب الخطاب العلمي في حين انها في أحسن الاحوال استعارات متعسفة وفي أسوأ الاحوال أخطاء محضة. وقد رد لاكان، في جريدة لوموند، واعتبر الأوساط الأمريكية تبحث عن هدف جديد بعد نهاية الحرب الباردة وهذا الهدف وجدوه في المثقفين الفرنسيين الذين يشنون عليهم حربا صليبية. ولم يسكت سوكال على رد الفعل الفرنسي بل رد بمقال قوي:” لا يجب الوقف عند مصدر الفكرة، بل يجب الوقوف عند مضمونها.. يجب الاعتراض على كسل ودجل المثقفين، مهما كان مصدره”. وكما قال لي الأستاذ حسن بوبيدي، كيف سيكون حالنا لو قمنا بتفكيك الخطاب المتدثر بالعقلانية والعلم في فضائنا العربي والاسلامي وفي الجزائر.. كم سنجد من الدجل؟؟؟