درس الإنقلاب التركي..
السياق التاريخي والملابسات..ِ
الجيش هو العمود الفقري في معظم الدول العالمثالثية، فهو المؤسسة الوحيدة القائمة، ذات البنية الواحدة، وهو رمز الدولة المعاصرة لأنه ببساطة يحتكر استعمال القوة..
وهنا لعبت الجيوش ادوارا مختلفة، بحسب نضج قياداتها ووعي النخبة العسكرية ورؤيتها المستقبلية، فالضباط الأحرار فشلوا في تحقيق التنمية في مصر لأسباب متعددة لعل أهمها عدم سعيهم في بناء مؤسسات الدولة المدنية مثل البرلمان والمجالس المحلية وسياق تاريخي بالصراع مع الغرب والتمحور مع الكتلة الشرقية وهو نفس حال عسكر اندونيسيا والشيلي والارجنتين بينما نجح الحكم العسكري في كوريا الجنوبية في وضع أسس النهضة والاقلاع الاقتصادي في كوريا المعاصرة..
تاريخ تركيا منذ عهد اتاتورك لم يكن سوى تاريخ الانقلابات المتواصلة، في شكل تداول على السلطة بين حكم مدني سرعان ما ينقلب عليه نخبة عسكرية..
في نهاية الثمانينات كان العالم يموج بالتحولات، فالفكرة الشيوعية والاشتراكية فقدت بريقها، والاتحاد السوفياتي انتهى بالتفكك وسقط جدار برلين، وأعلن فوكوياما نهاية التاريخ وانتصار الفكرة الرأسمالية.. والجزائر نالت حضها في هذه المعمعة فقد ادت ثورة شباب 5 أكتوبر 1988 الى دخول الجزائر عصر التعددية السياسية والاعلامية واقتصاد السوق..
وبدأت الجزائر تموج بالتيارات والأحزاب وقد تم اعتماد ازيد من 50 حزبا في تلك الحمى الحزبية، من أقصى اليمين ويمين اليمين الى أقصى اليسار ويسار اليسار..
كانت الدولة هشة تحكمها نزعة تسلطية، اذ لا ترغب الالوغارشية الحاكمة التخلي عن الامتيازات التي تجلبها السلطة، والمعروف أنه دون رقابة شعبية ودون مؤسسات حقيقية تصبح السلطة مرادفة للثروة، وتزول الحدود بين الملك العام والملك الخاص..
تسارعت الاحداث في الجزائر الى أن وصلنا الى الانقلاب على الشاذلي بن جديد وضرب المسار الديمقراطي وتفكيك الأحزاب الكبرى بما فيها جبهة التحرير الوطني واعادتها الى بيت الطاعة كواجهة لخدمة الأوليغارشية الحاكمة، وهو ما عبر عنه عبد الحميد مهري، الحزب المحكوم باسمه، وليس الحزب الحاكم.
كان السيناريو تبسيطي ومباشر، يتم اعتقال كل من له علاقة بالجبهة الإسلامية، والزج بهم في معتقلات والمحتشدات لفترة معينة حتى تبرد الحرارة في اجسامهم ثم اطلاق سراحهم وبداية اللعبة من جديد.. مع جرعات مدروسة من القمع.. سيناريو مماثل لما حدث قبل ذلك في تونس ومصر وسوريا..
لم يأخذ الانقلابيون في الجزائر عدة معطيات بعين الاعتبار واهمها:
• الأرضية الثقافية في الجزائر، فطبيعة المجتمع هي الاندفاع والاصرار اذا ما وجد القيادة والرواد.. فشعب له رصيد أكثر من 20 ثورة في اقل من مئتي سنة، ويسمى أهم متحف لديه بمتحف المجاهد، ويعتز ويفاخر بقيم الرجولة والفحولة والتحدي من الصعب أن تطوعه بسهولة.. وهذا المعطى كان غائبا عن صناع الانقلاب..
• ضعف وهشاشة الوضع الاقتصادي، مما ادى بالدولة الى وضع كارثي بسبب تفاقم النزاع السياسي وتحوله الى معارك طاحنة.
• ضعف الاجماع حول السلطة ومكوناتها، فالجبهات الثلاث الانقاذ والتحرير والاشتراكية نفضت يدها من يد الانقلابيين.. وعزلتهم.. حاول بوضياف تأسيس حزب على السريع لكن لم ينجح وتم اغتياله، وعملوا بقوة من اجل استرجاع جبهة التحرير عبر ما سمي المؤامرة العلمية والاطاحة بعبد الحميد مهري.. الذي جعل جبهة التحرير عصية على التطويع.. وبعد سنوات تم تاسيس حزب التجمع الديمقراطي لتعزيز القاعدة الاجتماعية للسلطة.. والسيطرة على نقابة العمال الى يوم الناس هذا..
يجب ان لا ننسى أن فصول المأساة انتهت بحلول تفاوضية تدرجت من السري الى العلني بداية من جولات الحوار ثم مشروع العقد الوطني الموقع بين اهم مكونات الساحة الجزائرية الذي مهد لتبلور التفاهمات بين النخب الفاعلة، وكان يمكن للعقد الوطني أن يضع حدا للنزاع في تلك المرحلة المبكرة من اندلاعه، لولا تعنت السلطة وتمسكها بشكليات كان يمكن تفاديها لو خلصت النية، ثم مشروع الوئام المدني وصعود محمد العماري للجبل بحثا عن مخرج، ونهاية باستفتاء المصالحة الوطنية..
بغض النظر عن كل الملاحظات التي رافقت مسار تهدئة الوضع في الجزائر.. فكل الأطراف كانت راغبة في الوصول الى بر الامان والخروج من المأزق وتوقيف فصول الفتنة.
ساهم تحسن مداخيل النفط منذ مطلع القرن الجديد في شراء السلم الاجتماعي وتخفيف حدة التوتر السياسي..
المشهد الجزائري كان دائما تحت المجهر.. ولمن يرجع لدراسات ومحاضرات وندوات تلك الحقبة خاصة اواسط التسعينات سيشهد كثافة المنتوج الأكاديمي المتعلق بالحدث الجزائري..
وعلى سبيل المثال لازلت اذكر دراسة في جامعة أمريكية، وهي رسالة تخرج لضابط، يقوم بتطبيق نظرية هتنتونغ حول صراع الحضارات على النموذج الجزائري..
الصراع الدموي الذي نشب بعد انقلاب 11 جانفي 1992 في الجزائر طرح معطيات جديدة، لم يعد ممكنا انكارها..
المعطى الأساسي لحدث الانقلاب في الجزائر، او خلاصة الخلاصة، أن الانقلاب يمكن أن تقوم به، ولكن ما هي التبعات التي يمكن ان تصل لها؟؟ هل تستطيع ان تتحكم في النتائج بصورة صارمة؟
هنا لا أحد يستطيع ان يعطي اجابة نهائية.. خاصة اذا كانت هناك قوى حية لها تمثيل شعبي..
كان مستقرا في تجارب الانقلابات هنا وهناك ان عصابة من العسكريين المغامرين تستولي على التلفيزوين والاذاعة وتلقي البيان الأول وتطلق رصاصة او رصاصتين وتعتقل من تشاء وتعدم من تشاء.. هذه هي الصورة النمطية للانقلابات..
لكن التجربة الجزائرية طرحت مشهدا جديدا..
كان في مصر مثلا كلما يغضب السادات او جمال عبد الناصر يعتقل من يريد من الأساتذة والطلبة والعمال ويزج بهم في السجن وينزع ملابسهم ويضربهم على مؤخراتهم مثل الأطفال ليؤدبهم على التطاول على مقامه الجليل.. كل مرة يلصق لهم تسمية، شيوعيون، يسار، مراكز القوى، اخوان، ويزج بهم في السجن لمجرد انه يملك أسباب القوة.. ولن يحاسبه احد..
التجربة الجزائرية قدمت نموذجا جديدا طرح على بساط البحث..
وكان التطبيق مباشرة في تطورات الحدث التركي في تلك الحقبة.. حيث كان التيار الاسلامي بقيادة اربكان في حالة صعود وفي سنة 1996 حقق الأغلبية النسبية وشكل تحالفا مع تانسو تشيلر وأسس الحكومة التركية..
تحرك اربكان بقوة وبسرعة، وكان واضحا ان تحركاته كواحد يسابق الزمن، لتحقيق مكتسبات في عدة أصعدة، لعل من اهمها على الصعيد الدولي تأسيس مجموعة الثمانية الإسلامية وهي تحالف يضم اندونيسيا نيجيريا مصر السعودية تركيا ايران ماليزيا وباكستان..
ما يهمنا في تجربة اربكان، ان الرجل بدا يعاني من مضايقات بقايا النخبة العسكرية المتمسكة بعلاقات استراتيجية مع الغرب، وبدا التوتر، حاولوا اقناع تانسو تشيلر بفض التحالف لكنها رفضت، وأصبح الخيار الوحيد هو الانقلاب..
وهنا قفز المشهد الجزائري الى السطح مرة أخرى.. وظهر مصطلح “جزأرة الوضع في تركيا”..
أي انقلاب.. ثم انفلات امني.. وصراع دموي.. وهذا الوضع خطير جدا..
وفي المشاهد التي تم تناقلها الليلة وكيف وقف الشعب في وجه العصابة الانقلابية واعتقل ضباطا وجنودا ووقف في وجه الدبابات تاكيد أن التحول الذي بدأ في الجزائر في سياق مختلف.. انتهى في تركيا متوجا للمسار..
كان الوضع الاقتصادي في تركيا هشا، والنخب السياسية قد تعبت من الانقلابات، والأخطر من ذلك أن تركيا تملك جارا جريحا يبحث عن أي مخرج حتى يفك الحصار عنه وهو عراق صدام حسين.. وحركة السلاح في تلك المنطقة نشطة جدا جدا..
وهنا لعبت الاحداث لصالح التحول السلس في تركيا.. فقد انسحب اربكان من الحكومة وتم حل الحزب وتحمل لوحده عقوبة المنع من ممارسة السياسة ولكن سمح للمناضلين تأسيس حزب جديد،
كان واضحا أن هناك تخوف بل رعب من تكرار المأساة الجزائرية:
• تجنب سياسة الخنق والحصار..
• اذا وضعت المعارضة في الزاوية فلا تملك سوى أن “تخبش” (لم اجد المصطلح العلمي) دفاعا عن نفسها وعن حقها في الوجود.. (سوريا اليوم)
• فتح المجال لتأسيس أحزاب بديلة، للتنفيس وتجاوز الاحتقان..
• الاستمرار في المسار الديمقراطي..
تعرض حزب اربكان لهزة بنوية وظهر جيل جديد بقيادة جول واردوغان، وتغير مسار تركيا، فيما بعد..
ولكن التغير الأساسي هو تحديث مؤسسة الجيش نفسها بوفاة النخبة التقليدية وابعاد كبار الضباط من الجيل التقليدي القديم وظهور جيل جديد من الضباط.. جيل يريد ان يرى راية تركيا عالية خفاقة والشعب التركي ينعم بالأمن والأمان..
ما أفشل الانقلاب في تركيا اليوم هو تعمق المسار الانتخابي والديمقراطية التمثيلية، وحرية الاعلام والتعددية الاعلامية، وليس اعلام مسير من وراء الستار، وكذلك منجزات النخبة السياسية الحاكمة رغم الصعوبات على الأرض.
كل ذلك تظافر ليعطي سياقا جديدا ويفتح صفحة جديدة امام شعوبنا..