دسترة البوتفليقية: إعطاء الشطحات البوتفليقية وضعا دستوريا
حسنا فعلت جمعية العلماء بنشر مقترحاتها على مسودة الدستور..
في تقديري مناورة لعرابة هي توجيه النقاش لقضايا فرعية.. بينما الجوهر يتم التغطية عليه. ويبدو أن المقترحات وجدت نفسها تعالج قضايا فرعية وتنسي الجوهر.. وهو كيف يضمن الدستور تجسيد الإرادة الشعبية.. ويمنع الالتفاف عليها.. هذا هو الإشكال الذي يجب أن يجيب عليه أي دستور حديث ومعاصر.
وللأسف مسودة لعرابة تعمل كل ما في وسعها لذر الرماد في العيون.. وتحريف النقاش عن الجوهر..
ولذلك ذهبت مباشرة إلى المقترحات التي تتعلق برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة فشعرت بخيبة لان الدستوريين التابعين للجمعية سايروا مقترحات لعرابة في جوهرها مع تقديم بعض المقترحات الشكلية التي لا تعالج جوهر الإشكال الدستوري..
جوهر السلطة يتوزع على ثلاث سلطات:
التنفيذية
التشريعية
القضائية
وغياب التوازن أو هيمنة إحداهما على الأخرى لا يعكس جدية في بناء دولة الحق والقانون التي تعبر عن تطلعات حراك 22 فيفري.
في حدود علمي لا أعلم نظاما مختلطا مشوها يشبه البؤس الفرنسي مثل الشكل الجزائري، والتونسي بعد الثورة الذي تم تخييطه خصيا على حساب السبسي وإرضاء له ثم ذهب وتركهم يتخبطون.
في المقترح الجزائري لدينا ثلاثة رؤوس تنفيذية
رئيس جمهورية
نائب رئيس جمهورية (المقترح)
ورئيس حكومة
وهذه البدعة التنظيمية تم إقرارها في مقترحات الجمعية بدلا من نقدها..
كان من المفروض أن نفهم التبعات أمام هذه النظم الهجينة والمختلطة والمتعسفة
لقد تم الدفع بتأسيس مجلس الأمة في عهد ليامين زروال وبدعة الثلث الرئاسي لتقويض دور الهيئة التشريعية المنتخبة كليا من طرف الناخبين وهي المجلس الشعبي
واليوم يخرج مقترح إنشاء منصب رئيس جمهورية أيضا للالتفاف على الإرادة الشعبية ونقل السلطة في حالة صراع داخل السلطة إلى شخصية تابع لدوائر الحكم بعيدا عن الإرادة الشعبية إلى غاية ترتيب البيت داخل السراي
ومما زاد الطين بلة في مقترح الجمعية هو مسايرة مسودة لعرابة باعتبار أن رئيس الحكومة يعين بعد استشارة الأغلبية البرلمانية دون إلزام أن يكون هناك تعيين من هذه الأغلبية. وكان الانتخابات التشريعية مجرد يوم عطلة مدفوعة الأجر دون اثر سياسي لأصوات الناخبين
مرة أخرى
الجزائر ليست في حاجة لتداخل الصلاحيات
تحتاج إلى جهاز تنفيذي متكامل يقترح برنامجا ويقوم بتطبيقه..
اما نظام رئاسي متكامل مثل النظام الأمريكي أو التركي أو المكسيكي أو البرازيلي والأرجنتيني .. رئيس جمهورية منتخب باسم برنامج تنفيذي يشرف شخصيا على تنفيذه
أو برلماني متكامل مثل البريطاني أو الألماني أو السنغافوري أو الهندي
رئيس حكومة مسؤول عن برنامج انتخابي عرضه أثناء الحملة الانتخابية وأعطاه الشعب أغلبية تنفيذ هذا البرنامج.. أو رئيس جمهورية انتخبه الشعب لتنفيذ برنامجه..
ألا تشعر الإخوة بتناقض فادح بحسب ما ورد في نص المادة 119.. ماذا سيناقش المجلس الشعبي.. برنامج رئيس الجمهورية الذي انتخب على أساسه.. أو برنامج رئيس الحكومة الذي يعينه رئيس الجمهورية بحسب هواه كما كان يفعل بوتفليقة.. دون النظر للأغلبية التشريعية..
هذا العبث هو دسترة لسلوكات بوتفليقة بكل أسف وعبث بمؤسسات الدولة..
شطحات بوتفليقة التي أوهنت أركان الدولة تكتسب وضعا دستوريا.. وما كان للإخوة أن يقعوا في هذا المطب.
في تقديري أن ما يجب أن تدركه الإخوة التي أشرفوا على المقترحات باسم جمعية العلماء أن السيرك السياسي الحالي الذي تزكيه ضمنيا جمعية العلماء في هذه الجزئية هو دسترة ضمنية للبوتفليقية. والذي يحول رئيس الجمهورية إلى نسخة مكررة من بوتفليقة ك مرشد عام للدولة غير مسؤول عن تطبيق برنامجه.. فهو يكتفي بتوجيه التوجيهات السامية والإرشادات العليا لرئيس الحكومة وبقية أجهزة الدولة.. وهذا ما نلاحظه في الخطاب الإعلامي المرتبط بدوائر الحكم في الفترة الأخيرة حيث تكثر عبارة توجيهات الرئيس..
البوتفليقية مرحلة بائسة يجب أن تختفي من منظومة الحكم .. ولكن بكل أسف ما يحدث إنها تتحول تدريجيا إلى وضع دستوري غريب.
المسألة واضحة
الرئاسة التنفيذية لا تحتاج إلى رئيس حكومة..
الرئيس يدافع عن برنامجه وينتخب على أساس برنامجه
ويباشر تطبيقه..
والبرلمان هو هيئة الرقابة
أو نظام برلماني.. تنبثق منه حكومة أغلبية برلمانية ويتولى رئيس الحكومة تنفيذ برنامج الأغلبية الانتخابية سواء لحزب واحد أو أحزاب ائتلافية..
على صعيد آخر ساير دستوريو الجمعية مسودة لعرابة في إدخال فرعي عادة تستغني عنها الدساتير
مثل حديثهم عن تأسيس هيئة لمراقبة السوق.. وهذا تكريس لهيمنة الإداري على السوق وسطوة البيروقراطي على مصادر إنشاء الثروة.. أو حديثهم عن زيادة منح المتقاعدين بضمان الدولة.. فهذه الجزئية يتضمنها برنامج انتخابي وليس دستور لجمهورية.
كذلك لاحظت على السريع مطالبتهم بإلغاء مادة الترحال السياسي.. ولم أفهم هذا الإلغاء ومستنده بدلا من تثبيته..
شخص يدخل للبرلمان باسم حزب ويزكيه مناضلين ويجندون الناخبين وراءه.. ثم بعد فوزه يقرر تغيير حزبه.. هكذا مما يفتح المجال للابتزاز والمناورات وخلق الأغلبيات المالية وشراء الذمم.. وعموما شكر للإخوة على جهدهم المبارك.. وآمل أن يقبلوا هذه الملاحظات بصدر رحب.