دعم الأسعار أم تشجيع على الفوضى
بقلم: رياض حاوي
بين القرار الاقتصادي والقرار السياسي قطيعة غير مفهومة، إما لأن رجال السياسة يغلبون “المصلحة” السياسة على الاعتبارات الفنية أو لأن رجال الاقتصاد عاجزون عن توصيل المفاهيم بصورة سلسلة لعقول اهل السياسة وصانعي القرار!
ولعلى من القرارات الشعبوية الخطيرة التي لا تزال تكبل دينامكية الاقتصاد الوطني وتحطم القطاع الانتاجي سواء الصناعي أو الزراعي أو حتى الخدماتي هي تحمل الخزينة العمومية لفوارق التكلفة بصورة لم تعد مبررة على أكثر من صعيد! أو ما يسمى عندنا بدعم الأسعار.. والنتيجة المباشرة هي فتح المجال لكل انواع التكاسل والاتكالية من جهة والفوضى والجرائم الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة من جهة أخرى، وما ينجر عنها على الصعيد النفسي من تحطيم قدسية المصلحة الوطنية في نفوس فئة غير قليلة من المواطنين باعتبار أن مصلحتهم الشخصية تتمحور حول اهدار الثروة الوطنية بتهريبها ومن ثم تحطيمها بشكل مباشر وعن سبق الاصرار والترصد! وليشرب الجميع من البحر!
وهنا يجب ان نظيف أن الاعلام أيضا يلعب دورا سلبيا عندما يركز على جوانب معينة ويغفل جوانب أخرى ومن ثم تصبح رؤية الامور على حقيقتها بالنسبة للمواطن العادي غير ممكنة.. قديما قال الامام الشاطبي:”ليس هناك مصلحة محضة وليس هناك مفسدة محضة” لأن الظواهر متداخلة، وهنا جاء معيار التغليب، أي تغليب أكبر قدر من المصالح على أكبر قدر من المفاسد حتى تستقيم الأمور!
سياسة الدعم المباشر لكثير من المواد واسعة الاستهلاك أثبتت افلاسها على أكثر من صعيد خاصة أنها وفرت البركة المناسبة لنمو كل أنواع البكتريات والطحالب الضارة ويتم ذلك باموال الشعب وباحتياطيه الاستراتيجي الثروة النفطية! والمرء يصعق عندما يزور بعض البلدان المجاورة ويكتشف حجم التهريب الذي تتعرض له السلع من الجزائر نحو هذه الدول حتى أقيمت أسواق كاملة للبضائع القادمة من الجزائر!
طبعا هناك تكلفة سياسية يجب أن تدفع في حالة الغاء الدعم، ولكن هذه التكلفة ضرورية اذا أردنا أن نؤسس لثقافة حماية البنية الاقتصادية من التآكل والانهيار، فكيف تقوم الدولة بدعم المزارعين وتقوم فئة أخرى من المهربين بتهريب الدعم إلى دول مجاورة، وتقوم الدولة بدعم البنزين وتقوم فئة من المهربين بتهريبه بأبخس الأثمان لدول مجاورة، وهنا الخسارة مضاعفة، خسارة لأموال الدعم التي تتسرب لدول أخرى وخسارة اجتماعية بالمساهمة غير المباشرة في انشاء العصابات والزمر والمافيات التي تقتات على أموال الدعم وآليات الدعم! وكلنا يعرف مدى تغول هذه العصابات واستهتارها بالأرواح والأعراض فضلا عن الاموال حتى أن قوى الامن عاجزة باتم معنى الكلمة عن التصدي للظاهرة التي تتضخم يوما بعد يوم!
ومشكلة الدعم المباشرة أنه يتلاعب بروح العملية الاقتصادية وسر وجودها وهو “السعر” أو نظام التسعيير، وذلك بتبسيط الميكانيزم، وهو بطبيعته معقد ومتداخل مع عشرات العوامل، كما ان السعر هو نتاج كتلة هائلة من الخطوات والمراحل المسعرة بقيمة مالية، بداية من مواد الخام ونهاية بسعر التجزئة مرورا بمراحل الانتاج بالاضافة إلى النقل والتأمين والضرائب، واعطاء سعر نهائي لا علاقة له “بتاريخ” المنتج وهو مثل وضع فيل في بيت الزجاج! انه تحطيم للبيت برمته!
لا مناص من تجفيف البركة التي تنمو فيها هذه الظواهر:
• الالغاء التدريجي للدعم المباشر، ومن ثم انتفاء الشروط الموضوعية لظاهرة التهريب مادامت العوائد من التهريب ستكون معدومة، لأن الأسعار متقاربة بين هذه الدولة وتلك خاصة في ظل العولمة.
• في مرحلة التدرج لالغاء الدعم المباشر يتم تغيير سياسات الدعم سنويا مع كل موازنة جديدة، سلعة تدعم هذه السنة يرفع عنها الدعم في السنة المقبلة، مما يصعب الامر أمام العصابات على النمو والتطور في سنة مالية واحدة لأن الشبكات تحتاج إلى سنوات للتبلور والفعالية..
• الدعم المباشر للمواد غير القابلة للتهريب مثل فواتير الكهرباء والغاز المنزلي والماء والتلفون وتخفيض رسوم الطريق على السيارات وغيرها من الرسوم ودعم قطاع النقل الداخلي البري أو الجوي، أو خدمات الانترنيت.. فهذه مواد غير قابلة للتهريب، كما انها تساهم في انعاش الاقتصاد بصورة مباشرة! والمواطن سيشعر بالفرق في جيبه، لأن ما يدفعه زيادة في رغيف الخبز، الذي تستورد 90% من مكوناته وتدعم، يدفعه اليوم أقل في فاتورة الكهرباء.. وفي النهاية حققنا التوازن المطلوب في موازنة المواطن كما موازنة الدولة!
• الدعم المناطقي، فبعض المناطق تعاني من بطالة قاتلة أكثر من مناطق اخرى فتستفيد من تسهيلات اضافية لتخفف الوطء على موازنة الانفاق الأسري، أو مناطق تعاني من ظروف مناخية صعبة مثل أقصى الجنوب في فترة الصيف أو المناطق الجبلية والقرى النائية في عز الشتاء!
• برنامج وطني استثنائي لانعاش المناطق الحدودية والعناية بها، فالمواطن الحدودي يصبح مرتبط بالدولة التي ينتمي لها وليس بالنشاط الحدودي الذي يقتات منه على حساب مصلحة دولته. وحرص المواطن على حماية مصالح الدولة أفضل من حرص أرقى واحسن جهاز أمني!
وعلى الاعلام ان يلعب دوره في قلب ظهر المجن أمام عصابات التهريب وخلق الحد الادنى من الوعي بأهمية التخلص من سياسات أثبتت فشلها وظاعفت من اهدار الثروات الوطنية من غير طائل!
نشر في جريدة المحرر