دينامكية الأفكار والتاريخ ..
لم يكن من السهل على كثير من المتدينين تقبل منجزات الانسان المعاصر، وما يبدو من الواضحات والبديهيات اليوم كان محل تساؤلات ونقاشات بالأمس، حتى يحكى ان الملك فيصل بن سعود لقى الأمرين لاقناع جمهور “العلماء” بامكانية فتح محطة للتلفزيون في السعودية، وهي المحطة التي تسببت في قتله حسب الرواية، لأن أحد الشباب المتدين من العائلة الملكية حاول اقتحامها لتوقيفها عن البث مقتنعا بمقولات رجال الدين الذين يحرمون التلفزيون، فاطلق عليه الشرطي النار فارداه قتيلا ورفض الملك معاقبة الشرطي، وبعد سنوات قام شقيق القتيل باغتيال الملك في قصره انتقاما لأخيه حسب الرواية المتداولة.. ويحكى أن الملك جلب من يقرأ القرآن أثناء افتتاح المحطة حتى يقنع الفقهاء بان التلفزيون وسيلة ووعاء بحسب ما تضع فيه وليس حراما وحلالا في ذاته.. ونفس الأمر لما ارادت السعودية تعميم التعليم كي يشمل البنين والبنات.. ففي بلدة صغيرة مثل ورقلة كان المعلمون يلاحقون الآباء الذين يقررون فجأة منع بناتهم من التعليم.. ولا تزال ترن في اذني حادثة احدى البنات من عائلة اعرفها اوقفها والدها رغم انها حققت اعلى معدل في شهادة التعليم الابتدائي رغم تدخل اهل التعليم ولكن اصر والد البنت على موقفه..
والى وقت قريب كان التصوير محرما لدى قطاع واسع من المتدينين، لانه مضاهاة لخلق الله، ولكن ثورة الانترنيت والموبايل وترليونات الصور التي تتداول يوميا جعلت ذلك القطاع يغض النظر عن هذه الفتاوى المنبتة عن روح العصر والدين..
واذا كان هذا صعبا بالنسبة لمحطة ارسال تلفزيوني أو التصوير الفوتغرافي او تعليم فلذات الاكباد من البنات، وتقبلها وهضمها.. ولي أعناق النصوص الدينية حتى تتطابق مع الرؤى الأكثر تشددا في فهم حركة الحياة وتطورها.. فما بالك بالمفاهيم المجردة التي تراكمها الخبرة البشرية، وهذا ما حصل فعلا فمفهوم الديمقراطية مفهوم كان ولا يزال مرفوضا لدى قطاعات واسعة من المتدينين وقد كتب علي بن حاج في شبابه مقالة طريفة سماها “الدمغة القوية في نسف عقيدة الديمقراطية”.. هكذا مرة واحدة الديمقراطية عقيدة وجزء من علم الكلام وليس علم السياسية..
وهذا ليس خاصا بنا، يدل على تخلفنا مثلا..
فأفكار معزولة تراكمت وتجمعت وانتظمت حتى تحولت الى دينامكيات تهز التاريخ هزا..
ويمكن اعطاء مثال بحركة الحقوق المدنية في امريكا، قبل نصف قرن فقط كان المواطن الأمريكي الملون (المواطن تجاوزا) لا يستطيع ان يركب النقل أو يرتاد المدارس أوالكنائس التي يرتادها الأمريكي الأبيض.. ويمكن حرقه اذا تجاوز حده ونشر صور عملية الحرق أو الشنق والتفاخر بها.. ونفس الأمر عن النساء في الحصول على حق الانتخاب وحق المساوة في الأجور وحق العمل وحق احترام كيانها وعدم الاعتداء عليها باللفظ أو الاشارة (التحرش)..
هذه اليوم مسلمات لكنها قبل سنوات قليلة كانت شوارع المدن الأمريكية تعج بالمظاهرات والمسيرات والصراعات التي تبدأ اولا بتغيير تدريجي في المفاهيم والتصورات وما اعقبها من حركات مطلبية عم صداها في باقي دول العالم.. وما يصدق على حركة السود وحركة النساء يصدق أيضا عن العمال ومواقيت العمل ومسيرات ومظاهرات ساهمت في اخراج العامل من مفهوم النخاس او العبد الى مفهوم العامل الذي يساهم في دورة الانتاج…
يمكن مراجعة اليوتوب فهو مليئ بمشاهد من الثلاثينات والاربعينات والستينات وحتى السبعينات، مسيرات مطلبية تطالب بحق الانتخاب وبحقوق العمال وبحق المرأة في المساواة في الأجر وحق المواطنة للسود..
الحياة لها دينامكية غلابة، عبر عنها القرآن الكريم بمفهوم “السنن” أي القوانين الناظمة لحياة البشر الاجتماعية والثقافية والفكرية، (يمكن مراجعة كتب جودة سعيد حول هذا المفهوم)..