الاقتصاد

رافعات الاقتصاد الجديدة: الشركات الزراعية

رياض حاوي

عادة ما تقف الدول في المنعطفات التاريخية حائرة، بين الاتجاه يمينا أو يسارا شمالا أو جنوبا وهنا تكون المراهنة على القرارات الفردية أو المتسرعة مخاطرة بالمستقبل وتسليمه للمجهول. وما نراه عندنا من تخبط في مجال تحديد الرؤية الإستراتيجية أو خارطة الطريق الاقتصادية يبعث الخوف والحيرة والتساؤل!

هل نتحول إلى بلد خدمات على غرار بلدان الخليج أو بلد تصنيع على غرار بلدان جنوب شرق آسيا أو بلد زراعي على غرار الفتنام وتيلاند وكندا واستراليا والبرازيل! أو هل نخوض كل ذلك دفعة واحدة!

ما يحدث في مستوى صناعة القرار لا يوحي بان قرارا ما اتخذ في أي اتجاه مهما كان! يبدو كاننا متوقفون لا نملك بوصلة تعرفنا على طريق الخروج أو نملك بوصلة لكننا عاجزون عن قراءتها قراءة سليمة.

الأمر الوحيد الذي يبدو جليا ان هناك محاولة لتنشيط مجال السكن والتعمير والبناء، وهناك محاولة لبناء شراكة مع بعض المقاولات الكبرى لتغيير النسيج العمراني وتطويره!

لا شك أن ذلك مهم جدا.. وهو مهم أكثر إذا كان ذلك جزء من خطة متكاملة.

لكن العائد على الأرباح بالنسبة للعقارات طويل الأمد وربما يمتد لقرن من الزمن كما حدث مؤخرا في أمريكا بعد سقوط سوق العقارات وانهيار الأسعار رغم الانخفاض الشديد في سعر الفائدة، وانهيار عملة الدولار.

ومهما بنينا عمارات جميلة وناطحات سحاب مرتفعة فإن إمكانياتنا لا تجعلنا في موقع ينافس سوق العقار في آسيا الجاذب لعشرات الشركات الكبرى ولا لسوق العقار الصاعد في اوروبا الشرقية الجاذب للشركات من أوروبا الغربية. فالعوائد المالية على هذه العقارات قد لا تكون بذات الصورة البراقة التي يحاول ان يقنعنا بها البعض.

ومضاهاة دول الخليج التي تصرف مبالغ ضخمة على العقارات أيضا تخبط وعدم وعي لأن هذه الدول تملك كثافة سكانية هامشية، باستثناء السعودية، مقارنة مع حجم المداخيل الصاروخية، ولذلك يكون الاستثمار في العقارات متوافق مع ظروفهم سواء مع حجم السكان أو مع رغبتهم في التحول إلى دول خدمات على غرار سنغافورة وهونك كونغ، وهذا أمر مفهوم إلى حد ما، رغم أن التاريخ من الصعب أن يكرر نفسه تكرارا رياضيا.. وهنا نجد أنفسنا امام خيار آخر متعلق ببناء رؤية للاستثمارات الإستراتيجية في ميدان الزراعة الاستهلاكية، بدلا من تضييع الأموال في العقارات وتطوير البنايات لمضاهاة الدول الكبرى في حين أن أساسيات معيشة المواطنين غير مؤمنة!

هناك عشرات الشركات العملاقة المهتمة بالأراضي الزراعية والمستعدة للدخول في شراكة إستراتيجية إذا ضمنت الربح والمناخ الاستثماري المساعد، وهذه الشركات تعتبر في هذه المرحلة رافعات للاقتصادات المتخلفة كما كانت شركات صناعة السيارات وصناعة الكمبيوتر والشرائح الالكترونية رافعات للاقتصاديات الصاعدة في جنوب شرق آسيا في السبعينات والثمانينات..

هناك حمى البحث عن الأراضي الزراعية، والقارة الإفريقية عموما مرشحة لهذه النهضة ويوميا نسمع عن وجود لقاءات ثنائية مع زعماء بعض الدول لاتاحة الفرصة لاقامة مشاريع استثمارية زراعية طويلة الأمد، خاصة في الحزام الاستوائي حيث يماثل المناخ ما هو موجود في البرازيل والأرجنتين واندونيسيا وماليزيا عماليق الزراعات الاستهلاكية الكبار.

في تقرير هندي لفت انتباهي جاء فيه ما يلي:

هناك عشرات الأراضي الصالحة للزراعة في افريقيا التي توفر للهند الفرصة لضمان احتياجاتها من الوقود الطبيعي البديل بدلا من الارتباط بالنفط.” ويضيف التقرير:”دول من تنزانيا وأوغندا لديهم عشرات الأراضي الصالحة للاستعمال وهناك فرصة كبيرة جدا لزراعة محاصيل زيت النخيل في افريقيا وعلى الهند ان تستفيد من هذه الفرصة التاريخية”

إذا كانت دولة مثل الهند التي حققت قفزات اقتصادية في الصناعات الثقيلة والصناعة الالكترونية وهي شديدة الاهتمام بالمجال الزراعي فإنها وحدها إذا عرفنا طبعا كيف نستفيد من الفرصة رافعة كبيرة!

وفي كوالالمبور صرح احمد الزبير مرشد المدير التنفيذي لشركة سيم داربي العملاق الأكبر في صناعة زيوت النخيل بأن هناك عمل حثيث لزراعة 200000 أكر من حقول المطاط في ليبيريا والنخيل المنتج للزيت. وهاهي شركة بيوكين الهولندية تقدم مشاريع لتطوير الزراعات في إفريقيا كما جاء في موقعها على الانترنيت.

وفضلا عن ذلك فإن الزراعة لا تحتاج إلى كفاءة عمالية مرتفعة جدا، مقارنة مع صناعة السيارات وصناعة الشرائح والتلفزيونات وآلات التصوير! وتخلق مئات الآلاف من مناصب العمل!

منطق التاريخ يقول بان الفرصة هنا بين أيدينا ولكن من يستفيد منها!

هنا المعضلة!