التجربة السنغافورية في القضاء على الفساد
رياض حاوي
عندما يشيع الفساد ويضرب كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية ويصبح مرضا اجتماعيا، يتصور الناس أن هذا المرض ليس له دواء، وأن هذه الآفة مستعصية على الاقتلاع نظرا لتجذرها وامتدادها في كل جوانب الحياة. كان ذلك هو الاحساس السائد في الدويلة الصغيرة سنغافورة التي ورثت منظومة عن الاستعمار تشيع فيه كل المراذل البيروقراطية والإدارية وكل أشكال الفساد الإداري، وزاد عليها تدهور الحالة الإقتصادية بعد الإستقلال الأمر الذي فاقم معضلة الفساد.
هذه الإشكالية فرضت نفسها من اليوم الأول وكان على القادة الجدد الذي وقع على عاتقهم عبئ بناء دولة مستقلة تغيير هذا الواقع المريض وانقاذ البلاد من كل أشكال الفساد.
ويروي لي كوان يو، الأب المؤسس لسنغافورة الحديثة، في كتابه:”قصة سنغافورة من العالم الثالث الى العالم الأول” كيف انهم أول ما نجحوا في الانتخابات سنة 1959 قرر الفريق لبس قمصان خفيفة وسراويل بيضاء كناية على نزاهة الضمير ونظافة اليد والعزم على تنقية البلاد من كل اشكال الفساد.
تلك الفكرة الصغيرة التي كانت تتراقص ملامحها في ذهن هؤلاء الفتية الذين ورثوا تركة ثقيلة بعد حقبة الإستعمار تحولت الى مشروع وطني وانجاز جعل تلك الدويلة الصغيرة تكتسب سمعة عالمية على انها من الدول الأقل فسادا رغم انها دولة لها نشاط اقتصادي واسع حيث يبلغ حجم ناتجها المحلي ما يزيد عن 300 مليار دولار سنويا رغم ان عدد السكان لا يتعدى الستة ملايين نسمة.
بكل تأكيد أن الارادة السياسية هي مصدر النجاح في بناء “حكومة نظيفة” قادرة على أداء مهامها على أحسن وجه، لأنه كما يقال لا يمكن تنظيف الدرج بكفاءة الا من فوق، لأن الماء المسكوب من فوق سيجرف الأوساخ من أعلى الدرج الى أسفله. وكل المحاولات المتفذلكة للتنظيف من تحت لن تكون الا جهدا ضائعا يستهلك من الطاقة والوقت الكثير ولا يحقق المرجو من النتائج حتى وان قطع رؤوس صغار الفاسدين، الذين عادة يقتدون بصنيع كبارهم الذين يتعلمون منهم خرق القانون واستغلال النفوذ مهما كان تافها ووضيعا.
وقد تم التعامل بمبدأ “من أين لك هذا” مع كل شخصية عامة ثبتت عليها ثراء مفاجئ ومظاهر النعمة التي لا تتوافق مع المدخول الشهري والامكانات التي تتيحها الوظيفة، واعطيت الصلاحيات لهيئة مكافحة الفساد وجهاز القضاء بالتحقيق والتدقيق في البيانات التي تسمح بالكشف عن سوء تصرف أو سلوك مشبوه مع امكانية مصادرة كل اصول عينية أو نقدية مصدرها مشبوه او ناتج عن رشوة او فساد إداري او ثراء بسبب المنصب.
وتجسيدا لهذا المبدأ يتحدث لي كوان يو، عن كثيرا من الحوادث والتحقيقات التي قادت وزراء وشخصيات عامة الى المحاكم بسبب ممارسات فاسدة.
أدانت المحاكم السنغافورية سنة 1975 وزير البيئة عندما تبين انه قام برحلة مجانية الى اندونيسيا هو وعائلته على حساب رجل أعمال ناشط في قطاع العقارات، وقبل هبة وهي عبارة عن بيت ريفي بقيمة نصف مليون دولار، أدين الوزير بأربع سنوات سجنا نافذا مع مصادرة كل الممتلكات التي نتجت عن الثراء غير المشروع.
ولعل أشهر قصة في تاريخ مكافحة الفساد في اعلى هرم السلطة التنفيذية هي الرسالة التي تركها وزير التنمية الوطنية سنة 1986 قبل انتحاره والتي جاء فيها ” رئيس الوزراء.. تملكني شعور شديد بالأسى والاكتئاب.. احسست انني

مسؤول عن هذا الحدث المشؤوم وعلي تحمل المسؤولية كاملة. وبوصفي رجلا شرقيا نبيلا وشريفا أشعر أن من الحق أن انزل بنفسي العقوبة القصوى على خطأي” وكان ذلك نتيجة متابعته بتهم الفساد، وفضل الإنتحار على ان يلاحقه العار طيلة حياته.
هذه الصرامة في تنظيف الحكومة من العناصر الفاسدة، مهما كان المنصب الذي يحتله الشخص، بل كلما كان المنصب رفيعا في السلم الإداري كلما كانت الصرامة في التنقية، كفيلة بنشر روح المسؤولية والخوف من الوقوع في عار المذلة واشاعة ثقافة عامة بان الرشوة والفساد الإداري لا مستقبل له حتى وان كنت الوزير او ابن الوزير.
ويعزو لي كوان يو الشرط الضروري لوجود حكومة نظيفة يبدا اساسا من مرحلة الانتخابات، فكلما كان المال القذر هو مصدر المنصب السياسي كلما كان العمل السياسي ضحية ما نسميه عندنا بـ”الشكارة” التي تحولت الى عبئ ليس على العملية الانتخابية فحسب بل على نظافة المؤسسة الحكومية ونظافة الجهاز الإداري والبيروقراطية الرسمية. فمصدر الشر كما قال لي كوان هو التكلفة المرتفعة للانتخابات وللمنصب السياسي والتي تجعل حتما مرحلة ما بعد الانتخابات هي مرحلة لاستعادة المال الذي تم صرفه للحصول على المنصب وتجهيز مال جديد للحملة المقبلة عبر استغلال النفوذ والتقرب من الوزراء والتأثير عليهم وبيع الصفقات العمومية والتوسط لدى المسؤولين الحكوميين والولاة للي عنق القانون لصالح رجال اعمال فاسدين عادة يكونوا ذوي كفاءة متدنية يعوضون عنها بتوسيع الفساد والافساد.. مما يجعل العمل السياسي موبوؤا وملوثا ودواليب الإدارة والبيروقراطية تعج بالأنشطة المشبوهة.
وهذه الأنشطة لا يمكن التستر عليها بل عامة المواطنين يكونون شهودا وتفاصيلها متداولة بدقة مذهلة مما يوسع دائرة التذمر الإجتماعي وينشر روح الاعتداء على القانون والرغبة في كسر هيبة المؤسسات وعدم احترام المساطر التنظيمية وتكريس روح التواطؤ في الإفساد والتعاون على خرق القانون بكل الأشكال والحيل.
وقد لعبت القوانين المرافقة لاستراتيجية مكافحة الفساد دورا مهما في تحقيق اهداف هذه الاستراتيجية وفي هذا يعبر “محمد علي” نائب رئيس مكتب التحقيقات في ممارسات الفساد (CPIB) وهو الوكالة الوطنية الرسمية المخولة بمتابعة كل مظاهر الفساد ومقرها في مجلس الوزراء ولها صلاحيات تتجاوز الوزير نفسه، يقول أن الاستراتيجية نجحت بفعل عدة عناصر اهمها:
- تشريعات قانونية ضد الفساد: عبر تشديد العقوبة وتوسيع دائرة المساءلة القانونية
- تنظيمات ادارية ضد الفساد: مثل تسهيل الإجراءات الإدارية، وسد الثغرات التي تؤدي الى التعسف في استغلال المنصب، ومراجعة رواتب موظفي القطاع العام حتى تتناسب مع مستويات المعيشة، ووضع شروط لالغاء العقود مع مقدمي الخدمة حتى في وقت لاحق في حالة اكتشفت ان العقد تم تنفيذه بناء على محسوبية او تفضيل غير قانوني.
- مخططات وقائية ضد الفساد: حيث يحظر على موظفي القطاع العام ان يكون خاضع لظرف مالي لأي شخص يتعامل معه، كما يتم الاعلان عن الأصول التي يملكها الموظف الحكومي أثناء تعيينه وفي كل سنة، كما يحظر عليه القيام بأي عمل موازي أو الانخراط في نشاط بيع او شراء مادام موظفا في الجهاز الحكومي. وهذه المتابعة كما تخص القطاع العام فإنها تخص أيضا القطاع الخاص حيث يملك مكتب التحقيقات صلاحيات متابعة مظاهر الفساد حتى في القطاع الخاص.
إن الفساد والرشوة وتعفن الجهاز الإداري من مظاهر ضياع هيبة الدولة مما يؤدي الى التجاسر على القانون وسهولة التلاعب بالمساطر التنظيمية واللوائح والتشريعات، وتصبح الأمزجة الشخصية هي البديل على القانون، والعصب المتضامنة هي التي تحتكر كل الامتيازات والأغلبية الساحقة مقصية من الحد الادنى من أبسط الخدمات الحكومية ولا يحصلون عليها لا بشق النفس وبمبالغ كبيرة.
نشر المقال في أسبوعية البصائر

