شروط التنمية
رياض حاوي
لنسأل أنفسنا سؤالا بسيطا: ما الذي يجعلنا نقول أن هذا البلد تقدم؟ لماذا نقول أن القفزة الاقتصادية نجحت في هذا البلد؟ أو لم تنجح؟
بكل تأكيد هو تحسن مستوى معيشة أفراد مجتمع هو الذي يجعلنا نقول ان الاقتصاد في هذا المجتمع حقق أهدافه. توسع كعكة الاقتصاد وحصول كل فرد على أكبر قدر من الكعكة هو العلامة الأولى من علامات صحة الاقتصاد. وهذا في الواقع ما نلاحظه في كل الاقتصادات الناجحة، فحصة الفرد من الناتج المحلي تتسع وتكبر باستمرار بما يسمح له بتغطية احتياجاته كما هو شأن الدول الاوروبية والولايات المتحدة الأمريكية واليابان التي تحولت من بلد غني الى بلد شديد الغنى. وهناك دويلات النمور الأسيوية الصغيرة مثل تايوان وهونغ كونغ وسنغافورة وماليزيا التي كانت في نفس مستوى كثير من الدول مثل الجزائر وغانا وكينيا ولكنها قفزت في سنوات لتتحول الى الريادة الاقتصادية عالميا.
سنلاحظ ان هناك خلافات بين هذه الدول في نسقها الثقافي وفي السياسات الاقتصادية التي اتبعتها ولكنها أدت في النهاية الى نتائج متقاربة، فهونغ كونغ اتبعت الخطوات الأشد ليبرالية، والدولة هناك تعتبر الأقل تدخلا في العالم في النشاط الاقتصادي، بينما نجد سنغافورة تحقق نتائجا مشابهة والسياسات الاقتصادية معاكسة حيث الدولة أكثر تدخلا بل قاطرة للدينامكية الاقتصادية، ومع ذلك تحققت نتائج مقاربة لأن المحصلة النهائية هي تحسن مستوى معيشة المواطن.
وتبعا لذلك لا يمكن القول ان هناك نمطا معينا من التفكير الاقتصادي، أو ايديولوجيا معينة هي التي تحقق النجاح، فاليابان وهونغ كونغ وسنغافورة والصين والولايات المتحدة والمانيا وماليزيا كلها تملك تصورات مختلفة وسياسات مختلفة وكلها حققت النجاح.
علينا أن نتجاوز التصنيفات التقليدية بين الليبرالية الاقتصادية والتدخلية للدولة، الدولة التي تهيمن على الاقتصاد، هناك عوامل أخرى يجب ان نحفر وراءها ونحاول تمييزها من بين سديم الايديولوجيا والتصنيفات التقليدية.
وبتعبير آخر الانسان ما يهمه هو ما يحققه من نجاح في حياته الخاصة وفي مجتمعه عندما يرى ان مستواه المعيشي يتحسن ومستوى التمدرس لابنائه في تحسن والخدمات الطبية أصبحت مقبولة وتوفر الحاجيات والسكن ووسائل الراحة عندها لا يهمه كثيرا نوع الايديولوجيا أو الفكرانية التي تسطر السياسات التي حققت النجاح. ولذلك من الصحيح القول أنه ليس هناك وصفة واحدة لكل المجتمعات طالما الانسان يستجيب لحوافز معينة تؤطر لحظته التاريخية ويتفاعل مع معطيات محيطه.
ومع ذلك يجدر بنا أن نبحث عن الخيط الجامع بين مختلف السياسات، ومختلف التجارب حتى نستخلص الى حد ما الخطوط العريضة المشتركة التي سمحت بازدهار الحياة الاقتصادية ومن ثم تحسن مستوى معيشة المواطن في النماذج الراقية التي نعاصرها.
النقاش هنا كما يفعل الأسيويين يجب أن يخرج من دائرة أي نقاش يتعلق بالأيديولوجيات والمصطلحات التي تعيق التفكير وتحصر المشاريع في الزوايا الضيقة مثل الاشتراكية في مقابل الرأسمالية أو الشيوعية في مقابل الديمقراطية.
النقاش يجب ان يتمحور حول البحث عن العناصر المشتركة بين الناجحين، رغم اختلافهم، فالصين واليابان والهند وامريكا والمانيا وكندا وبريطانيا وتايوان وهونغ كونغ وماليزيا شهدت قفزات اقتصادية وتحسنا في مستوى المعيشة، مع تسليمنا ان هذه الدول لها تاريخ مختلف وثقافات مختلفة وانظمة حكم مختلفة.
ما نعرفه عن النمو الاقتصادي أنه مرتبط بزيادة الانتاجية عبر الزمن. ومن ثم سنقول ان كل هذه التجارب الناجحة رغم اختلاف الأنظمة والظروف والثقافات والسياقات التاريخية والامكانات والموارد المتاحة، العامل المشترك بين هذه التجارب كلها هو تحسين انتاجية الافراد.
وهنا يصبح واضح أن النمو هو نتيجة منطقية لتحسن انتاجية الافراد. أي ان السياسات المتبعة بغض النظر عن مرجعيتها يجب أن تؤدي الى تحسن في انتاجية الافراد ودفع الافراد الى فهم ان التنمية هي نتيجة لتحسن في الانتاجية. وهنا تطرح الأسئلة العملية المباشرة: كيف نجعل الافراد يحسنون من انتاجيتهم؟ ما هي الحوافز التي تؤدي بالافراد الى تحسين انتاجيتهم؟ كيف نجعل الافراد منتجين اقتصاديا؟
تحسن الانتاجية قد يعني زيادة الانتاج في الساعة؟ ولكنه على الارجح ولما نراجع التجارب الناجحة، فانه يعني تحسن في نوعية المخرجات الاقتصادية للافراد والقيمة المضافة الى النشاط الاقتصادي مما يعود بالفائدة على المجتمع.
ليتحقق ذلك يجب أن يتوفر المناخ المناسب الذي يسمح بازدهار انتاجية الافراد، وهذه الانتاجية لا تزدهر في الفراغ، بل تحتاج الى حوافز والحوافز لا يمكن ان تضعها الدولة عبر تقرير جوائز تعطى للمتفويقين مثلا بل دينامكية السوق هي التي تضع الاطار الطبيعي للحوافز، لأن المنتج الاحسن والأجود والمتوافق مع حاجيات المجتمع هو الذي يلقى القبول في الدورة الاقتصادية ويقبل عليه الناس، وبالتالي تزيد ربحية المؤسسة الناجحة، وهذا هو أعظم حافز.

وهنا يظهر الجزء المهم الثاني المشترك بين مختلف التجارب، وهو توفر المناخ المناسب الذي يجعل الحوافز السوقية تزدهر، وهذا المناخ في كل التجارب لا يظهر الا عندما تتوقف الدولة عن القيام بما يسيئ للسوق.
بمجرد ما توقفت البيروقراطية الإدارية في الصين والهند والفيتنام وغيرها عن الإساءة للسوق حتى تحسنت الأمور بشكل كبير. فالرشوة والزبونية والفساد الإداري تنبع من مؤسسات حكومية فاسدة تعيق تطور ونمو السوق بشكل طبيعي عبر التعسف في استعمال السلطة واستغلال النفوذ للتحرش بالمتعاملين الاقتصاديين وتكسير المنافسين عبر تسليط اجهزة الدولة عليهم دون وجه حق.
السوق هو الاطار الطبيعي الذي يوفر الحوافز لمن يستحقها ويجازي المجد على اجتهاده لانه يصبح قريبا من قلوب المستهلكين، والبيروقراطية الادارية الفاسدة التي تنبع من الاجهزة الحكومية المتعفنة هي التي تساهم في الغاء هذه الحوافز الطبيعية ومن ثم تدمير اساس النمو وهو تقديم حوافز نتيجة تحسن انتاجية الافراد. بغياب الحوافر، الافراد لا يجدون فائدة من تحسين انتاجيتهم.
تعتبر الاستثمارات العمومية التي تشرف عليها الدولة رافعة من الرافعات الأساسية لاقتصاد البلاد، وهذا العنصر ملاحظ في معظم التجارب مهما اختلفت الايديولوجيات السياسية وانظمة الحكم. الاستثمار العمومي يحفز الاقتصاد ككل، وهو يتراوح بين المشاريع الكبرى التي تشرف عليها الدولة، كالبنية التحتية، وبين الجهود التي تبذلها لتخفيض تكاليف الانشطة الاقتصادية عبر تحسين الخدمات العمومية مثل الكهرباء والاتصالات والانترنيت، أو تحسين اداء القوى العاملة عبر تحسين مخرجات النظام التعليمي والمهني.
هذه الأنشطة يتعذر على الافراد والخواص القيام بها بشكل منفرد ومشتت، ولذلك تبق مهمة الدولة اساسية في رعاية المشاريع الكبرى التي تنعكس بشكل مباشر وايجابي على انتاجية أفراد المجتمع. ان تعبيد الطرقات سيسهل حركة تنقل البضائع ويخفض تكلفتها لان الناقلات ستستعمل طرقا جيدة وبالتالي يتحسن معدل عمر الناقلة التجارية وتقل تكلفة الاهلاك.
وكذلك تعتبر الاستثمارات العمومية من أهم رافعات مستوى اليد العاملة، وذلك بقدرتها على تجنيد آلاف العاملين والعمل في مشاريع كبرى وضخمة تجعلهم يكتسبون الخبرة والمهارة بسرعة ويحسنون من أدائهم المهني والفني. ولما يندمجون في الحياة العامة في مشاريعهم الخاصة ينفعون انفسهم وينفعون مجتمعهم.
ولعله من المفيد الحديث عن أن الاستثمارات العمومية، كما بينته تجارب هذه الدول، لا تكون ممكنة الا بوجود مستوى عالي من الادخار العمومي لتمويل المشاريع. أي التضحية المؤقتة بما يمكن أن تجلبه الموارد المالية من منافع مؤقتة من أجل بناء أرضية استثمارية ومشاريع مدرة للاموال لاحقا.
ان المخاطرة بالاستثمار تكون صعبة اذا كان هناك اعتماد فقط على القروض الدولية، بسبب ما يترتب عنها من فوائد مرتفعة، وتقويض للسيادة الوطنية في حالة العجز عن السداد. أما في حالة توسع الادخار العمومي فإنه يؤدي الى توفر فوائض مالية في سنوات معدودة تسمح بتوسيع دائرة الاستثمار. جوهر الاستثمار العمومي هو تاجيل كل شكل من أشكال الاستهلاك الآني واللحظي عبر ادخار الفوائض المالية واستثمارها فيما يعود بالفائدة والربح المستدام عبر المشاريع الكبرى.
هذه القرارات ليس من السهل على الحكومة ولا على الافراد في كثير من الأحيان، وهنا تلعب الذهنية الشعبوية بعقول الساسة الذين يفضلون شراء ولاء الناخبين عبر توسيع دائرة الاستهلاك. وكثيرا ما يكون توسيعا في استهلاك الكماليات على حساب الادخار لبناء الاقتصاد الربحي الذي يعود بالفائدة بعد سنوات.
ولذلك اذا اردنا ان نستخلص عنصرا مشتركا بين التجارب الناجحة فهو توسيع دائرة الادخار العمومي كمرحلة أولى وتوسيع الاستثمارات العمومية ونشرها بشكل متواصل على فترة طويلة وبشكل ثابت وتصاعدي.
وهنا يظهر عنصر آخر مشترك بين كل هذه التجارب وهو عنصر الاستقرار السياسي. لا يمكن للاستثمار أن يتطور ويزدهر في اجواء غير مستقرة، فتغير الحكومات او تغيير السياسات حتى ولو كانت الحكومات نفسها يؤدي الى عدم الثقة في الاطار القانوني الذي يحكم علاقات الفاعلين الاقتصاديين. وبداهة الاضطرابات السياسية عدو أكيد لكل أشكال النمو الاقتصادي.
والاستقرار السياسي يقتضي اقتناع الناس أن السياسية وسيلة لاستقرار المجتمع وليس وسيلة لجعله مضطرب غير مستقر. ونزاعات النخب السياسية تؤثر بشكل واضح على انتاجية المواطنين ومن ثم على العملية التنموية ككل.
وكيف نحصل على الاستقرار السياسي بكل بساطة سيقول البعض عبر القوة والقهر، وهناك نماذج للدكتاتوريات التي حققت قفزات نوعية بالزام الناس بالعمل. لكن عادة هذه النماذج آلت للفشل لأن المواطن المقهور فاقد لشرط الحياة، وهو الأمل في مستقبل أفضل.
الاستقرار السياسي هو الذي يجعل الانتاجية ممكنة، ومربحة، ومربحة أفضل من أي طريق بديل كالفساد والرشوة والتعسف في استعمال السلطة. اذا لم تتوفر هذه الشروط الثلاثة (ممكنة ومربحة وافضل من الطرق البديلة) فان الانتاجية تصبح ببساطة غير مجدية.
والطرق البديلة عادة تتعلق بسلوك الجهاز الحكومي والإداري، وهنا تظهر اهمية ضبط المنظومة القانونية وتحسين مستوى جهاز العدالة للفصل في النزاعات بناء على مساطر قانونية وليس على المحسوبية والرشوة. والا تصبح الطرق البديلة مجدية ومربحة واكثر منفعة من الانتاجية نفسها وهذا ضرب للمشروع في أساسه.
وهنا المنظومة القانونية تجعل كل سلوك فاسد لا يمكن أن يكون بديلا عن الانتاجية، وذلك عبر الغاء كل الحوافز التي تجعل الإدارة والتعسف في استعمال السلطة هو مصدرا للثروة وليس العمل المنتج.
تلعب أيضا حرية المنافسة واستقرار قواعد اللعبة وثباتها بالنسبة لكل المتعاملين والافراد الداخلين في العملية الانتاجية، مما يجعل المنظومة الاقتصادية تنتج حوافزها داخليا، فكل من يملك فعالية وانتاجية أكثر يحصل على منافع من المنظومة الاقتصادية أكثر، وهنا يصبح هناك معنى للتعب والجهد والبذل والعطاء المستمر وسهر الليالي لتحسين الخدمة والمنتج والاقتراب أكثر من المستهلك.
دون منافسة حرة ودون استقرار في قواعد السوق من الصعب أن يشعر الفرد بعائد لانتاجيته، فمن يعمل ومن يتكاسل على حد سواء، وبذلك تنعدم الحوافز الداخلية التي تحث الأفراد على الاجتهاد لأنه ليس هناك عائد يذكر ايجابي من وراء الاجتهاد والسهر والتعب وتحسين الخدمة.
المنافسة الحرة هي التي تسمح بازدهار التطوير والابتكار واكتشاف الطرق الجديدة في مجال قديم واعادة انتاجه بطرق مبتكرة بما يعود بالفائدة على المستهلك النهائي. والمنافسة الحرة هي التي تجعل الموارد البشرية تستعمل في أحسن الشروط. قد يكون مهندس يعمل في شركة اعلنت عن افلاسها. حقيقة هو فقد عمله ولكنه فقد عمله في اطار مؤسسة غير فعالة ويمكنه ان يجد عملا في مؤسسة جديدة اكثر فاعلية، وبالتالي يكون المجتمع قد استفادة بشكل جيد من كفاءاته الاجتماعية وموارده البشرية بطريقة أكثر فاعلية.
والتربية والتعليم والتكوين المهني والجامعي يعتبر من الاستثمارات العمومية الأساسية التي قامت بها كل الدول الناجحة لأن انتاجية الافراد مرتبطة بمهاراتهم العلمية والفنية خاصة اذا تم الربط بشكل جيد بين مخرجات النظام التعليمي وبين متطلبات الحياة الاقتصادية واحتياجاتها العملية من القوى العاملة.
ومن العناصر المشتركة بين التجارب أيضا عنصر الانفتاح التجاري. معظم هذه التجارب جعلت اقتصادها منفتحا على العالم الخارجي. ولو تاملنا قليلا في الانفتاح التجاري سنجده مرتبطا بعنصر المنافسة الحرة. فالمؤسسات المحلية تكون اكثر عرضة لتحديات قادمة من مؤسسات وشركات عالمية، وهذا يدفعها الى مزيد من تحسين ادائها وانتاجيتها حتى تكون قادرة على المنافسة.
وبالعكس كل الدول التي فشلت في تحقيق معدلات نمو مرتفعة كان لها اقتصاد مغلق وتلعب الدولة دورا حمائيا لمؤسسات قليلة الفعالية لم تخضع للاجواء الصحية ولدورات المنافسة اللازمة التي تسمح لها بتحسين أدائها ومخرجاتها الاقتصادية. صحيح أن الانفتاح التجاري يفرض تحديات أكبر ولكن هذا التحدي بالضبط هو الذي يجعل الحوافز اكثر فاعلية وبالتالي يؤدي الى مضاعفة وتحسن في الانتاجية ككل.
ويكفي ان نعرف أن أي مؤسسة محلية تتمكن من تصدير منتجها في السوق الدولي يشعر افرادها بقيمة مضافة داخليا لانهم استطاعوا ان يكسروا حاجز العولمة ويخترقوا حدود الشركات العالمية العملاقة ويقتطعوا جزء من حصتهم السوقية. والمجتمع برمته سيفتخر بهذه الشركة والمشرفين عليها لانهم استطاعوا ان ينافسوا الكبار على الصعيد العالمي.
ومنطقيا فان تحسن الانتاجية سيؤدي في كثير من الأحيان الى زيادة في الانتاج ومن ثم زيادة في المعروض وانخفاض في الاسعار مما يمكن الافراد من اقتناء السلع بسعر اقل واقتناء سلع ربما لم يكونوا قادرين على اقتنائها في وقت سابق هاهم اليوم قادرين على ذلك في الوقت الذي يشاؤون وبالكمية التي يرغبون.
وهناك عامل مشترك آخر بين هذه التجارب الناجحة وهو تبني الطرق الناجحة من تجارب الأمم. بمعنى آخر التعلم من تجارب الدول الناجحة وارسال البعثات الفنية للتعلم في دول اخرى ونقل الخبرات الى المجتمعات المتحولة وتكييف هذه التجارب مع الحقائق المحلية والظروف التي يمر بها المجتمع ولما لا في مرحلة لاحقة يتم خلق وحدات البحث والتطوير حتى تكون هناك ريادة.
هذه العناصر والشروط ليست بسيطة ولا سهلة التحقق وتحتاج الى مهارة وقيادة واعية، ولكنها تبدو هي العناصر التي نجدها تتكرر في مختلف التجارب التنموية التي حققت نجاحا كبيرا في الخمسين سنة الأخيرة، بغض النظر عن كل نقاش ايديولوجي واقحامات ديماغوجية تترك الجوهر وتهتم بالمظهر. صحيح ليس هناك ثقافة واحدة اكثر تكيفا مع متطلبات التنمية والتطور، وعادة تحصر في العلمانية الغرية وتفريعاتها، والدليل هنا في تجربة النمور الأسيوية. وصحيح أيضا أن هناك أكثر من سبيل وطريق واستراتيجية للتطور الاقتصادي، فالأمر لم يعد محصورا في التجربة الأوروبية كنتاج للثورة الصناعية وتجارب جنوب شرق آسيا قدمت لنا هذا الزخم التاريخي وتجارب حية جعلنا نشاهد كيف انتقلت شعوب من الفقر والأمية والجهل والمعيشة الضنك الى مجتمعات تنعم بالرفاه وبكل منتجات الحضارة المعاصرة وأسرع حتى من نظيرها الأوروبي الذي بدأ يتخلف عنها وهي تتصدر مواقع الريادة.
واذا كان هناك درس أساسي نستخلصه هو أن خلطة النجاح لم تكن بالضبط نتيجة تبني خيار اقتصاد السوق والليبرالية المطلقة (المتوحشة) ولم يكن نوعا من المركزية والتخطيط الحكومي بل كان مزيجا بينهما بدرجات متفاوتة، وتفاعل مستمر بين الحكومة والقطاع الخاص وشراكة دائمة من أجل الصالح العام.