الثقافة

صناعة الثورات في تجربة الشعب الجزائري

سوسيولوجية التحرير

بقلم: رياض حاوي

المقاومة والثورة والانتفاضة ومعارك التحرير ليست أحداثا معزولة أو مستقلة في التاريخ بل هي نتاج دينامكية اجتماعية وتعكس مستويات متقدمة جدا في تطور ونمو المجتمعات، التي تسعى إلى تجاوز مرحلة ما قبل الثورة وهو وضع شبيه في بعض سماته بمرحلة ما قبل الحضارة. إن الانتقال من وضع سيء إلى وضع جيد يتم في سياق احداث التاريخ القديم والحديث وفي المستقبل دائما عن طريق فاصل “ثوري”. وهذا الفاصل له مقدماته الفكرية والثقافية كما له مقدماته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

سنحاول في هذه المقاربة وبسرعة أن نقف على بعض المحددات السوسيولوجية لحرب التحرير وذلك من خلال تجربة الشعب الجزائري في صناعة الثورات المختلفة ومنها وعلى رأسها جهاد نوفمبر 1954 والذي يعتبر نقلة نوعية توجت بنيل الاستقلال وتحرير البلاد من نير الاستعمار الفرنسي الغاشم.algerie revolution

خلفية تاريخية

إذا جعلنا دخول الجيوش الفرنسية إلى أرض الجزائر في 5 جويلية 1830 كبداية اجرائية لحصر مجال التأمل السويولوجي والبوليتولوجي والتاريخي فإننا سرعان ما نلاحظ أن ثورة نوفمبر 1954 والتي دامت سبع سنوات تعتبر حلقة في سلسلة تاريخية طويلة من الثورات المتواصلة التي يكاد انها لم تنقطع سوى لفترات وجيزة مما يتطلبه منطق لملمة مخلفات الخسائر الفادحة في الأرواح والقدرات وما يتطلبه منطق الاستعداد من جديد لجولة أخرى من المنازلة.

فمباشرة بعد دخول القوات الفرنسية وانهزام الإدارة العثمانية في الجزائر حتى انطلقات سلسلة من الثورات والمقاومات الشعبية والانتفاضات في مختلف أرجاء الجزائر. كان أشهرها بطبيعة الحال مقاومة الامير عبد القادر بن محي الدين، الذي بايعته عدة قبائل وأعراش أميرا للمؤمنين الذي يجدد عهد الإسلام والخلافة في 1248هـ الموافق لـ 1832م. وقد جرت مراسيم البيعة في منطقة معسكر بالغرب الجزائري تحت شجرة الدردار تشبها ببيعة الرضوان، وألقى فيها الأمير الفتي خطبة عصماء على نهج الخلفاء الراشدين. ونهض الأمير في الحال لارساء قواعد الدولة الجديدة وأقام مجلس الشورى والوزراء وقادة الجيش والخلفاء في الأقاليم في جميع النواحي ودعا جميع القادرين على حمل السلاح للتأهب للجهاد في سبيل الله للدفاع عن حوزة الدين والوطن.

وأعلن الامير عبد القادر الجهاد على فرنسا بحرب شاملة في كل مكان وجدوا فيه وأقامها عليهم حرب ميدان وحرب عصابات وحاصر الجيوش الفرنسية في مناطق الساحل. وقد توجت هذه المقاومة الباسلة التي استمرت عدة سنوات في 30 ماي 1837 بمعاهدة التافنة المشهورة والتي بموجبها اضطرت فرنسا للاعتراف بسيادة دولة الأمير الناشئة على أكثر bdelkadirمن ثلاثة أرباع الجزائر واحتفظت بتمثيل صغير في محيط مدينتي وهران والجزائر. غير ان موازين القوى بين الطرفين كانت مختلة إلى حد بعيد، فلم تعمر الهدنة طويلا وسرعان ما نشبت حرب ضروس بينهما مرة أخرى استمرت ثماني سنوات متتالية بين 1840 و 1848 استعملت فيها فرنسا كل الأساليب الوحشية من قتل جماعي وسياسة الأرض المحروقة، وانتهت بسقوط دولة الأمير وانهيار جيشه.

غير أن ذلك لم يكن النهاية فقد انطلقت سلسلة من الثورات والانتفاضات الشعبية شملت عدة مناطق من الوطن، بداية من ثورة بومعزة التي كانت تغطي جبال الظهرة والورسنيس ووادي الشلف، وثورة الزعاطشة 1948 وثورة الاغواط على مشارف الصحراء 1852 وثورة توقرت 1854 وثورة القبائل 1859-1860 وثورة الأوراس 1859 وثورة جبال الحضنة 1960 وثورة منطقة وهران في البداية ثم امتدت لتشمل كل مناطق التل 1864-1865 ولم تتمكن فرنسا من اخماد نار الثورة إلا في 1870، وفي السنة الموالية 1871 انفجرت ثورة اخرى في المنطقة الشرقية بين برج بوعريريج وسطيف وشملت في وقت لاحق ثلثي سكان الجزائر ووجد الفرنسيون أنفسهم يواجهون 80 الف مجاهد وهي الحركة الجهادية المعروفة بثورة المقراني. واستمر سيل الثورات والانتفاضات الشعبية دون توقف، ففي 1876 انتفاضة العمري وانتفاضة الاوراس الثانية في 1879 وكذلك ثورة الزعيم بوعمامة التي كانت من بين أكثر الثورات شراسة ودموية بين 1881 و 1883. واستمرت المقاومة المسلحة المحدودة حتى مطلع القرن العشرين مع اندلاع المعارك في جبال الاوراس في 1916 وكذلك ثورة الطوارق في 1919 والتي أبادت فيلقا عسكريا كاملا عن بكرة أبيه ولم ينجو من ثعالب الصحراء الزرقاء سوى ضابط واحد سجل لأهله الفرنسيين ملامح شعب صامد هناك في عمق الصحراء الرمادية قرب جبال الطاسيلي.

الإصرار على المقاومة وروح التحدي

هذا الكم الهائل من المعارك المتواصلة والمستمرة مع الوجود الاستعماري الفرنسي جعل من مهمة السيطرة الشاملة على الجزائر مهمة مستحيلة على الجيش الفرنسي فما أن يسيطر على منطقة ويقوم بإخضاع قبيلة أو عرش حتى تعلوا صيحات الجهاد وتشب حرب جديدة في منطقة أخرى وهكذا استمر الحال لأزيد من سبعين سنة من الحروب المتتالية.

الوقفة الأولى الواجب التأمل فيها عميقا هي هذه القدرة الهائلة على المقاومة المسلحة في شروط مادية غير متكافئة بين الطرفين من كل الجوانب.

لعبت الخلفية الإسلامية دورا محوريا في تعبئة الطاقات الشعبية فنداء الجهاد والدفاع عن الوطن والدين متأصل في وجدان الإنسان المسلم. ولذلك كانت كل المقاومات الشعبية التي عرفتها الجزائر طيلة السبعين سنة الأولى من الاستعمار تتمحور أساسا حول شخصيات دينية لها تأثير روحي هائل في محيطها

ما من شك أن الخلفية الإسلامية قد لعبت دورا محوريا في تعبئة الطاقات الشعبية فنداء الجهاد والدفاع عن الوطن والدين متأصل في وجدان الإنسان المسلم. ولذلك كل المقاومات الشعبية كانت تتمحور أساسا حول شخصيات دينية لها تأثير روحي هائل في محيطها. ولقد احتفظت الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري بهذا الرصيد الهائل من نماذج المقاومة والتصدي للغزو على الرغم من قلة الإمكانيات، فالإمكان المادي ليس هو وحده الذي يقرر مصير الشعوب. ودخل هذا الرصيد ضمنيا في نسق التفكير الاجتماعي وتحول إلى مكون أساسي من مكونات الشخصية الجزائرية.

ولعل هذا ما يفسر إلى حد بعيد جزء من الانتشاء الذاتي للأجيال حتى بعد الاستقلال وحيث تحولت معظم الساحات والمناطق التي دارت فيها معارك المقاومة الشعبية إلى مناطق تخلد فيها ذكريات العزة. فالزائر إلى هذه المناطق سرعان ما يلاحظ أن من بين أهم معالمها نصب تذكاري يرمز إلى تلك المقاومة. فهذه الرمزية المكثفة للمقاومة لا تزال تصنع جزء هام جدا من شخصية المواطن. والزائر إلى متحف المجاهد ومقام الشهيد في العاصمة سيقف بنفسه على هذا الانتشاء الكبير في الذات الجزائرية بمرحلة المقاومة والمقاومة المسلحة تحديدا.

الانعكاسات

والاستخلاص الثاني هو أن الفشل النهائي الذي صاحب هذه المقاومات الشعبية كان بسبب تشتت الرايات وضعف التنسيق بينها. أي أن الحماسة الدينية وحدها لم تكن كافية لفرض الهزيمة على المشروع الاستعماري. وكان لضعف التنظيم وقلة الخبرة وعدم إدراك التغيرات الكبيرة التي حدثت في بناء الجيوش الحديثة، وفي نظام تسلحها ولا نظام تنسيق المعارك ساهم بشكل مباشر في خنق المقاومات الشعبية على الرغم من انتشارها الميداني والشعبي وعلى محور الزمان.

والاستخلاص الثالث من حقبة المقاومة الشعبية هو الآثار المباشرة لفشل المقاومة في تحقيق أهدافها حيث كانت النتيجة هي دخول الجزائر في ليل الاستعمار البغيض بتعبير المرحوم فرحات عباس. لقد قامت الإدارة الفرنسية بمصادرة كل الأراضي وعزل القبائل الكبرى وتفكيكها وطرد زعماء المقاومة ونفيهم خارج البلاد. كما أن عمليات الإبادة الجماعية قد أثرت على التوازن السكاني، وما بقي فتكتت به الأوبئة والطاعون والمجاعات التي ضربت أوساط السكان عدة مرات.

ولعل من أخطر الانعكاسات السلبية على بنية المجتمع الجزائري من جراء فشل المقاومة الشعبية في توقيف زحف الاستعمار وسيطرته على البلاد، هو انهار نظام التعليم كلية ففي 1870 وفي أكثر من 36 مدرسة بناها الاستعمار لم يكن هناك سوى 130 تلميذ مسلم جزائري. لقد كانت النتائج هي كارثة معرفية، فانتشرت الأمية والجهل وانهارت النخب الاجتماعية والأنظمة الاقتصادية وتحولت الجزائر إلى كلأ مباح ينهبه الاستعمار كيفما يشاء.

على الصعيد الاجتماعي كان المجتمع يتعرض إلى حملة سلخ منتظم من هويته وعملية إفناء عددي ولم تفلح محاولة جيلين كاملين في إعادة الحق المغتصب. لكن تلك المحاولات المتكررة والمستميتة تعكس تشبثا بحق تقرير المصير وإصرار على الفصل بين الجزائر المسلمة والإدارة الفرنسية المسيطرة.