الاقتصاد

صناعة السيارات كرافعة للاقتصاد الصناعي

المتامل في حركة النمو السريع التي صاحبت اقتصادات جنوب شرق آسيا يلاحظ ان الاستثمارات العمومية لعبت دورا اساسيا في تسريع الوتيرة الصناعية للبلد وذلك عبر مجالين اساسيين الاول هو قطاع العقار السكني والتجاري والصناعي وخاصة السكني الذي تعطى له الأولوية… وقطاع التصنيع وكثير منهم تبع النموذج الياباني وذلك بتبني صناعة السيارات لانها رافعة لمختلف قطاعات الصناعة..
وميزة صناعة السيارات ان لها سوقا محلية جاهزة، وهذه السوق استهلاكية وسريعة النمو اذا توفرت بعض الاجراءت الحمائية من جهة والتشجيعية من جهة اخرى.. فصناعة السيارات اذا ما تأسست فانها بكل تاكيد تجد دعما محليا من خلال الاستهلاك المحلي ولا تحتاج الى التصدير ربما لفترة تزيد عن عشر سنوات او اكثر وهي فترة كافية لاستقرار الصناعة واكتسابها الخبرة الكافية .. وسينعكس ذلك حتما على نمو الصناعات المساعدة والداعمة للصناعة الأم…
اليابان كانت رائدة في هذا المجال بتبنيها منذ البداية تصنيع الدراجات النارية وتطوير النماذج الأمريكية.. وبعد اكثر من ثلاثين سنة دخلت صناعة السيارات وبعد سنوات اصبحت قادرة على التصدير ومنافسة صناعة السيارات في منشئها بالمانيا وامريكا وفرنسا وايطاليا…
نفس المسار مشت فيه كوريا الجنوبية عندما استعانت بالخبرة اليابانية وطورت صناعة السيارات على ارضها ثم انطلقت تغزو العالم باكثر من 4 مليون سيارة تصنعها سنويا… ماليزيا البلد الصغير.. انتبه قادته الى اهمية هذه الصناعة والتي تلبي هدفين متلازمين .. تحقيق حلم المواطن ان يكون له سيارة.. البريستيج.. وفي نفس الوقت انهاض الصناعة، لان صناعة السيارة هي محصلة لعدة صناعات مساعدة.. ولذلك تبنت ماليزيا ما يسمى السيارة الوطنية، وبمساعدة الخبرة اليابانية (ميتسوبيشي) اسست مصنعا لها وظهرت اول سيارة للوجود سنة 1984 (موجودة في المتحف الوطني)..
واليوم ماليزيا تصنع اكثر من نصف مليون سيارة سنويا.. ولديها عدة شركات رئيسية تطور نماذج محلية وبعضها يعقد شراكات مع مطورين دوليين مثل تيوتا وبوجو وهيونداي وغيرها…
هذه الصناعة لا تنجح في تقديري الا اذا توفرت شروط:
الأول حماية الصناعة الوليدة من المنافسة الشرسة للصناعات الأجنبية .. لانه لا يعقل ان تاتي بطفل رضيع ولد البارحة وتطلب منه ان يشارك في سباق اولمبي… هذا من البديهيات… والحماية تبدا بفرض ضرائب فلكية على استيراد السيارات… تبلغ في ماليزيا نسبة 300% في بعض النماذج.. ولا تستورد السيارات الا برخص خاصة يصدرها مجلس الوزراء ومحدودة جدا..
ومعظم الشركات التي انتبهت لنمو السوق الماليزي جاءت تجري تطلب رخص تصنيع محلية وانشات مصانعها لتغطية السوق المحلي والتصدير لاحق ومنها شركة هوندا وشركة بيجو عبر الشراكة ومرسيدس وغيرها… ولتذهب للجحيم كل افكار الانفتاح التجاري والغاء الضرائب وغيرها من البدع التي يروج لها في اروقة المزايدات
ثانيا: تشجيع الاستهلاك المحلي للسيارة الوطنية عبر قروض الاستهلاك، وبلغت نسبها 2.55% تكاد تكون نسبا رمزية اذا راعينا نسبة التضخم التي لا تقل عن 3% يعني رياضيا بنسبة فائدة صفرية.. فقط تشجيع المواطنين على الادخار غير المباشر.. وفي نفس الوقت ضمان مستهلكين للصناعة المحلية..
ثالثا: الاعلام الذي يشجع على استهلاك السيارات المحلية والقدوة من رجال الدولة ورجال الاعمال.. واعرف رجال اعمال يستطيعون شراء الرويسرويس واغلى سيارة فوق الارض ولكنهم يسوقون سيارات محلية الصنع.. وفي ماليزيا كان هناك قرار حكومي ان اي سيارة تشترى للحكومة في اي مستوى يجب ان تكون محلية الصنع (البلديات، الدوائر الحكومية، قطاع الامن، المستشفيات…) حتى انه في ماليزيا تثور نقاشات في البرلمانات المحلية وفي المحافظات وفي اروقة الصحافة والسياسة اذا ما قررت ادارة ما شراء سيارة غير مصنعة محليا…
رابعا: المواطن الذي يدعم الصناعة المحلية حتى ولو كانت فيها عيوب ولم تصل الى مستوى وجمالية ودقة الصناعة الأجنبية… وكلما راجعت احصائيات بيع السيارات في ماليزيا اجد ان السيارات المصنعة محليا في الصدارة… وهذا يلاحظه اي زائر لماليزيا..
والنتيجة
أولا: المحافظة على جزء اساسي من العملة الصعبة ولا تتسرب للخارج كما يحدث عندنا في الجزائر…
ثانيا: توفير آلاف فرص العمل المباشرة والغير مباشرة ، وهي فرص عمل عالية المردودية وليست فرص خدماتية ضحلة
ثالثا: بناء الخبرة التراكمية في الصناعات المساعدة…
فالمصنع الصغير الذي يتعلم صناعة كوابح السيارة للمشروع الوطني الأم سيتعلم كيف يصنع كوابح سيارة لاي نموذج آخر.. وسيبدع نماذج من عنده لا تعد ولا تحصى.. فهذه المصانع تطبيقية لما هو موجود وليست مصانع لاعادة اكتشاف الذرة.. وكثير من هذه المصانع تصبح مصدرة للمنتجات .. بل تقدم خدماتها لمصانع اخرى موجودة في اماكن بعيدة..
الجزائر:
ولذلك اعتبر الجزائر بما تتوفر عليه من سيولة نقدية قادرة على دخول هذه الصناعة في وقت قياسي بشيء من التنظيم وشيء من الارادة السياسية وشيء من الدعم الاجتماعي…
لا نفعل كما فعلنا سابقا نضحك على دراجة قالمة وموتور كاهنة… ونجد فيه كل العيوب الظاهرة والباطنة ونفضل عليه المنتوج الأجنبي… والنتيجة مصنع من الاطلال وحسرات في القلب…
الصورة مع نموذج سيارة كهربائية ماليزية من انتاج شركة بروتون.. يعني ماليزيا جاهزة اذا تحولت المزاج العالمي الى استعمال الكهرباء بدلا من النفط فهم جاهزون… فمتى نكون نحن جاهزين