تعليقات

في أزمة النموذج: المثال الماليزي

الرائد لا يكذب أهله..
أحاول ان أقدم قراءة عقلانية لما حولنا.. ن
أريد ان نستفيد من مختلف التجارب وندرسها بشكل عقلاني وليس دعائي.. لست في مقام دغدغة العواطف.. نحن في حاجة لبناء القدرة على التحليل العقلاني الواقعي المبني على الحقائق.. وليس العواطف

للأسف الناس تحب دغدغة العواطف..

تقول لتاجر انت تخسر لان هذه السلعة لم تعد مطلوبة وهي تبق في متجرك مدة طويلة تكلفك تجميد اموالك.. لا يعجبه هذا الكلام
لكن لما تقول له انت تخسر لأنهم حسدوك.. لان التاجر المقابل لك يكسر في السعر…. يفرح وينتشي..
ازمة الاقتصاد التركي تدار في الاعلام العربي بالاسلوب الثاني..
نحن لا نحب الأرقام ولا نحب الحقائق..
يجب أن نفهم أن الاقتصاد يمر بدورات الأزمة في كل دول العالم.. ماركس تصور انها مشكلة مزمنة يمكن تجاوزها وذلك بتجاوز الرأسمالية نفسها..
وللتبسيط اعطي مثالا
بقال الحي رجل ميسور الحال ونشاطه يدر عليه أرباحا طيبة… وبمرور السنوات حدث تدهور في المداخيل
لم يستطع أن يفهم ما الذي حدث.. لا يزال يبيع نفس السلع بنفس هامش الربح ولكن الأمور تغيرت..
حقيقة الأمور تغيرت ولكن ليس بنفس الطريقة التي يفكر فيها التاجر
الحي الذي يقطنه منذ ٢٠ سنة كان مملوء بالاسر الجديدة والأطفال ومطالبهم من حلوى وحفاضات وحليب اطفال.. وهؤلاء الاطفال الذين كانوا يتزاحمون على باب متجرها لشراء الجبن والحلوى والشوكولاته كبروا وكثير منهم غادر إلى مناطق ثانية أو جامعات.. تركيبة الحي السكانية تغيرت.. ولكن معروضات التاجر لم تتغير.. وهذا سبب أزمته… وليس لان هناك شخص عمل له سحر في مقبرة مهجورة…
مرة كنت في عمان والتقيت بأحد كبار رجال الأعمال هناك فذكر لي قصة تجارة والده الذي كان يبيع ملابس يستوردها من الهند وباكستان وبفضل ربح عالي جدا.. ولكن بدأت الأمور تتراجع حتى أصبحوا يبيعون بالخسارة… والسبب أنه حدثت تحولات في ملا هذا النموذج الناس واذواقهم واحتياجاتهم.. ولكن والدهم لا يزال مصر على نفس الوصفة التي جلبت له الربح في زمن مضى رغم تغير الظروف..
رجال الاقتصاد يدرسون جيدا هذه العناصر ولا يقدمون على دخول سوق دون فهم اتجاهات واذواق الناس..
في ماليزيا منذ سنوات بدأ التفكير في التجربة الماليزية وكما يقول الوزير ادريس جالا مدير التخطيط والرجل الذي أشرف على خطة التحول الاقتصادي
يقول نحن اسرى النموذج الاقتصادي
لم نستطع البقاء منافسين في نفس الصنف
ولم نرق الى الصنف الأعلى
باختصار ماليزيا كانت دولة صناعية من الدرجة الأولى ومنتجاتها راقية وكانت لها الريادة في عدة صناعات مثل صناعة المطاط والزيوت النباتية والصوابين والبسكويت والعصائر وكثير من الكهربائيات ومنتوجات السيارات.. كانت رائدة في الصناعات ذات الكفاءة المتوسطة او أقل من المتوسط.. وبهذه الصناعات حققت الريادة وتحسنت ظروف المجتمع… وأصبحت من النمور الاقتصادية..
لكن العالم ليس صخور جامدة.. الدنيا تتغير كما تغيرت حول تاجر الحي وتاجر الملابس العماني..
والصناعات التي تفوقت فيها ماليزية ليست صناعات عالية الدقة تحتاج إلى كفاءات عالية وتكنولوجيا عالية جدا…
بمجرد ما بدأت تتحسن الظروف في دول أخرى حتى ظهرت هذه الصناعات فيها وبأسعار منافسة لماليزيا التي كانت رائدة وسباقة..
صناعة البسكوت ليست أمرا خارقا
وصناعة العصير لا تحتاج إلى تكوين في النازا أو مختبرات سيلكون فالي…
وصناعة الزيوت ليست ليست أمرا تعجيزيا لا يمكن أن يقوم به سوى الماليزيون…
ولذلك ظهرت منافسة شديدة من دول مجاورة في هذه الأصناف
تايلاندا وفيتنام واندونيسيا وطبعا العملاق الصيني.. وحتى تركيا التي أخذت حصة كبيرة من أسواق ماليزيا..
لم اسمع الماليزيون يتهمون الماسونية أو فرسان مالطا أو البنك الدولي وغيرها من خرابيط السذج في عالمنا المهوس بالأساطير..
في المجال الذي اعمل فيه كانت ماليزيا قبل عشرين سنة هي المصدر رقم واحد الزيوت النباتية
اليوم اندونيسيا
ولم يتفوق الإنتاج الاندونيسي بنسبة ١٠% مثلا.. صدق او لا تصدق تفوق بنسبة 100%
ماليزيا تنتج سنويا 19 مليون طن زيت نخيل واندونيسيا تعلمت الزراعة والصناعة الزيتية من ماليزيا واستقطبت كفاءات من ماليزيا.. واليوم تفوقت على ماليزيا وأصبحت تنتج 38 مليون طن ضعف ما تنتجه ماليزيا..
هذا لم تخطط له الماسونية
ببساطة مساحة ماليزيا صغيرة ومساحة اندونيسيا كبيرة فتستطيع أن تنتج اكثر
الناس لا تفهم الاقتصاد رغم أنه في متناول اليد
عندما ازداد إنتاج الزيوت بشكل كبير جدا.. هناك انعكاس على السعر وفقا للقانون الاقتصادي الذي يعرفه الجميع ولا يعرفون تطبيقه.. قانون العرض والطلب.. كلما زاد العرض عن الطلب بسبب زيادة الإنتاج ينزل السعر
بلغة الأرقام ماليزيا قبل عشر سنوات كان سعر الزيت 1100 دولار أي مداخيلها من الزيت ما يعادل 20 مليار دولار.. اليوم سعر نفس الزيت 600 دولار اعلى سعر اي المداخيل تراجعت للنصف رغم انك تنتج نفس الكمية وتبذل نفس الجهد.. ولكن تحصل على مداخيل أقل..
ولأن الاندونيسيين دخلوا متأخرين للصناعة الزيتية استفادوا من تكنولوجيا حديثة تجعل التكلفة أقل..
ولأن الأسواق كانت تحتلها ماليزيا كان مضطرين يقدمون عروض اسعار منافسة لاغراء المستوردين الشراء منهم.. وقد قمت بدراسة اختلاف السعر بين ماليزيا واندونيسيا فوجدته يصل بعض الأوقات إلى 50 دولار في الطن أي لو تشتري 1000 طن من الزيوت نفس الكمية من اندونيسيا بدلا من ماليزيا فإنك ستوفر 50 الف دولار..
هذا لم تبرمجه عصابات الرأسمالية… هذا قانون اقتصادي بسيط..
الجميل في قصة الزيوت الاندونيسية أن كثير من الاستثمارات قادمة من ماليزيا.. أي ماليزيون لاحظوا هذه التحولات والفرص التي تبزغ في اندونيسيا فقرروا الاستثمار والاستفادة هناك..
زميلي مدير غير تنفيذي في شركة زيوت عملاقة أخبرني أن الشركة قررت تغيير بعض بنك الأراضي الزراعية التي تملكها الى نشاطات اقتصادية جديدة لأن صناعة الزيوت لم تعد مربحة مثل السابق.. ولم يقل لي فرسان مالطا والأوبئة اليهودي…
هذه الشركة استثمرت في لندن واشترت واحدة من أقدم المناجم وستقوم لتحويله إلى نشاط جديد..
نعود لادريس جالا .. هذا الخبير الماليزي طرح إشكالية النموذج وقدم برنامج التحول الاقتصادي وذلك بغرض أن تنتقل ماليزيا الى مستوى أعلى في كفاءتها الاقتصادية… ولم يتهم الماسونية وفرسان مالطا..